لم يغب عن حضور جلسات جمعية الشؤون الدولية حين تنعقد المحاضرات الا المرة الاخيرة حيث رحل.. فقد كانت الزميلة عضو الهيئة الادارية السفيرة السابقة لويس احلاس تحجز له مقعدا في المقدمة لجهة اليسار يقابل جلوس الدكتور عبد السلام المجالي.. كان دائما يفضل الاستماع على الكلام.. وتعجبه الفكرة المختصرة الواضحة.. كنت استمع لاطرائه على ما اكتب عن الشان الاردني وكان يمتنع عن التعليق على قضايا خلافية.. كان يعتبر نفسه شاهداً على اجيال مرت وما زال امامها واقفا يحتفظ بدور مشرف ناصع ظل يعتز فيه انه حمل شعار الجيش العربي على مفرق رأسه حتى اصبح فريقا.. ثم وزيرا للدفاع قبل ان يخلي مواقعه العسكرية المتنوعة من طيّار الى قائد للمدفعية الى رئيس للاركان وقائد للجيش.. كانت الرحلة طويلة قد امتدت من الاربعينيات حين التحق في 1941 بالجيش مرشحا وحتى 30/6/1969 حين احيل على التقاعد..
شهد معارك الاردن القومية والوطنية.. في حرب عام 1948 وفي حرب حزيران عام 1967 وفي معركة الكرامة عام 1968..
لدخوله الجيش قصة فقد ظل مصراً ان يعود بعد ان رُفض لصغر سنه..
ولاختياره اول طيار يتدرب في بريطانيا قصة اخرى..
اما دخوله للمرة الثانية بعد رفضه في الاولى فقد كانت في كلية المرشحين البريطانية في منطقة عكا شمال فلسطين حيث القاعدة البريطانية وقد تخرج منها عام 1944 ليحمل الرقم العسكري (346). وبعدها انخرط في دورات خارجية متعددة منها دورة طيران ملاحظة جوية عام 1949 ثم دورة مدفعية حين كانت رتبته مازالت ملازم اول..
كان الملحق العسكري الاردني في بريطانيا كمال الحمود قد حدد له موعد اللقاء مع «كلوب باشا « الذي طلب مقابلته ومن بين (65) ضابطاً اردنياً كان يقضون دورة عسكرية انذاك في بريطانيا طلبه «كلوب « وحيدا. وحين التقاه ابلغه على موافقة الحكومة البريطانية منح شاغر واحد لتدريب طيار واحد وكان الاختيار قد وقع عليه.. انه الملازم عامر خماش.. ولهذه الحادثة قصة تطول اوردها العميد المتقاعد محمد مصطفى الشوبكي في كتابه ( قادة الجيش العربي) وقد جاءت المعلومات من مقابلة مع الراحل عامر خماش نفسه..
تخرج خماش وعلق على صدره جناح الطيران البريطاني وقد سرّ بعودته الملك المؤسس عبد الله بن الحسين الذي طالب بتصميم جناح طيران خاص بالاردن ليعلق على صدور النسور الاردنيين الذين سيأتون من بعده..
حين عاد الى الاردن انتقل الى رام الله ليقابل الملك عبد الله المؤسس في قيادة الفرقة ولحظة المقابلة قال الملك «الحمد لله انني عشت وشاهدت اول طيار في بلدي «.. كان خماش غرسة اولى.. واليوم في الاردن غابة من الطيارين يجعلون الملك المؤسس عند دعواه وامله ورجائه.. فمازالت خطى الهاشميين في تمكين ابناء الاردنيين من بناء وطنهم تتوالى بايقاع سريع وواثق..
خماش من مواليد السلط في عام 1924 وان كانت العائلة نابلسية النشأة شأن كثير من العائلات الاردنية مثل طوقان وقعوار والعمد وغيرها ممن كانت قبل تاسيس الامارة وبعد وقبل عام 1948 عام الهجرة.. فالتداخل والتلاحم مثال له رموز عديدة والراحل مثال عليه.. ومثال على اختلاط العائلات الاردنية في منابتها واصولها ففي الراحل دماء تركية وشركسية لجهة امهاته وهو ما جعله يتقن لغات من عاش او اختلط معهم. فقد انضوى في جيشنا العربي منذ زرع بذرته الاولى احرار عرب من العراق ولبنان وفلسطين.. من العرب والكرد والترك والشراكسة.. مسلمين ومسيحيين. مما اعطى هذا الجيش احترافه وهويته واصالة دوره في تحقيق ثورة العرب ونهضتهم..
يرحل عامر خماش وتبقى ذكراه ودوره واخلاصه لجنديته وقائده ووطنه مما يستحق الثناء على دوره وطلب الرحمة لروحه..