يوسف الغزو - يكاد التركيّ عزيز نيسين يكون واحداً من أفضل كتّاب «الكوميديا السوداء». وقد أصدرت وزارة الثقافة ضمن مشروع مكتبة الأسرة الأردنية روايته «الطريق الوحيد» التي تقوم على الكوميديا الإنسانية الهادفة التي تحمل رسالة مؤثرة، تصل بالمتلقي إلى الضحك المبكي أو البكاء الضاحك.
إن صعوبة إنجاز هذا النوع من الكوميديا الإبداعية النابضة بالحياة نابع من التزام الكاتب بالهم الإنساني في كل مقطع من مقاطع روايته. وهذا الالتزام ينأى به عن التهريج والبحث عن المفردات الضاحكة أو المضحكة، وعن الاكتفاء باستجلاب الابتسامة المجردة عن أي هدف أو مضمون. فالكوميديا هنا هي كوميديا الموقف، كوميديا المضحك المبكي، كوميديا نابعة من عمق التجربة المعاشة، أو التي يتأثر بها الكاتب فيعْبر بها إلى مطبخ إبداعه الفني ليخرج بها على شكل صورة تؤثر في المتلقي وتجعله يتفاعل معها بجوارحه حتى ليكاد يقول: «هذا أنا»، أو: «هذه الصورة صادقة وأنا رأيتها»، أو: «كم هو رائع ذلك الكاتب.. كيف استطاع أن يلتقط هذه الصورة وينقلها إلي بصدق ليس له حدود».
ومن قرأ قصة «المهرج» للكاتب الروسي الشهير «دستوفسكي» يعرف كم هو مؤثر وصعب هذا النوع من القصص التي تستجلب التداعيات الداخلية للإنسان. فيقول ما هو مضحك لكنه في الواقع يُعَدّ مدعاة إلى البكاء. وكم هم عظماء ونادرون وخالدون مبدعوه.
قبل العبور إلى رواية «الطريق الوحيد»، لا بد من التعريف بكاتبها محمد نصرت نيسين المولود سنة 1915 لأسرة فقيرة في إحدى الجزر القريبة من إسطنبول تقع في بحر مرمرة. اتخذ نيسين لنفسه اسماً مستعاراً لأسباب تتعلق بآرائه السياسية التي كان يضمّنها إنتاجه الثقافي على شكل قصص قصيرة وروايات ومسرحيات، وقد طارده بسببها الأمن السياسي.
أنهى سنة 1935 دراسته الإعدادية العسكرية وانتقل إلى الكلية الحربية بين العامين1937 و1939 وتخرج فيها برتبة ضابط في الجيش. لكن الجيش لم يكن مبتغاه، بل كانت لديه نزعات فنية وثقافية وصحفية. فقد انتسب خلال وجوده في الكلية إلى كلية الفنون الجميلة وتخرج فيها. يقول عن بداياته: «كنت عسكرياً في قارص. وكنت أكتب الشعر والقصص القصيرة وأنشرها في مجلة (الأمة) اليمينية التي تصدر في أنقرة، باسمي المستعار (عزيز نيسين). ثم صدرت هذه القصص فيم ا بعد عن دار (الرجل الجديد). أما أشعاري فقد كنت أنشرها سنة 1937 باسم (وديعة نيسين) في مجلة (الأيام السبعة). وبسبب سجني سنة 1944 سُرّحت من الجيش فرحلت إلى إسطنبول وعملت في مجلة (ايديقن)، وكانت بداياتي الصحفية منذ ذلك التاريخ».
نحن أمام كاتب تصالح مع نفسه، وترك رتبة ضابط في الجيش، وتمسّك بآرائه السياسية، فسُجن من أجلها مراراً، ولعل فترات سجنه كانت من الفترات الخصبة التي وظفها في أعماله لاحقاً.
«الطريق الوحيد» أحد الأعمال التي استوحاها نيسين من هناك، فقد تعوّد على الملاحقات والمطاردات ودخول السجون، وظل أميناً على خطه الإنساني الذي يتقاطع أحياناً مع السلطات. هذا الخط الذي كان يعبّر عنه كاتباً وصحفياً وإنساناً. فقد حوكم ذات مرة أمام محكمة عسكرية عرفية وحُكم عليه بالسجن عشرة أشهر وبالنفي إلى «بورصة» ثلاثة أشهر ونصف الشهر، لانتقاده الرئيسَ الأميركي «هنري ترومان». كما تمكن بالتعاون مع الأديب التركي صباح الدين علي من إصدار صحيفته الشهيرة «ماركو باشا» التي وصلت مبيعاتها إلى 60 ألف نسخة يومياً. وبعد اعتقاله سنة 1946 أُغلقت الصحيفة، فأعاد إصدارها بعد خروجه من السجن باسم «معلوم باشا»، ثم «علي باشا»، ثم «ماركو باشا الحر»، وأخيراً «جريدة مدد» سنة 1950.
وقد حُكم عليه بالسجن ستة عشر شهراً بسبب ترجمته أجزاءً من كتابٍ لماركس. وفي سنة 1951 خرج من السجن وفتح محلاً لبيع الكتب، لكنه لم ينجح. ومنذ أوائل الخمسينيات عمل مصوراً، ثم اعتُقل، ثم خرج ليبحث عن عمل جديد وهكذا.. إلا أنه كان دائب الكتابة الإبداعية والنشر، فذاع صيته خارج تركيا أكثر من داخلها.
نال جائزة «السعفة الذهبية» مرتين (1956 و1957)، وجائزة «القنفذ الذهبي» من بلغاريا (1966)، وجائزة «التمساح» الأولى من الاتحاد السوفياتي (1969)، وجائزة «اللوتس» الأولى من اتحاد كتاب إفريقيا وآسيا (1975)، ونال جائزة المجمع اللغوي التركي سنة 1969 عن مسرحية «جيجو»، إلى جانب جوائز أخرى.
انتُخب نيسين نائباً لرئيس اتحاد الأدباء الأتراك (1967)، وحينما تحول الاتحاد إلى نقابة كان نيسين أول رئيسٍ لها، وقد توفي بالنوبة القلبية سنة 1995 عن عمر يبلغ 80 عاماً.
تشكل روايته «الطريق الوحيد» التي ترجمها إلى العربية عبد القادر عبداللي، كوميديا إنسانية نابضة بالحياة، وتُروى بلسان أحد زملاء الكاتب بالسجن ولقبه «باشا زادا» محكومٌ عليه بتهمة الاحتيال والتزوير. وفي هذا يقول الكاتب في مدخل الرواية:
«تعرفت ببطل هذه الرواية سنة 1951 في سجن (باشا قبصي). كان محتالاً ذا سوابق عمره ينوف عن خمسين عاماً. لن أقول إنني حكيت عن هذا الرجل البسيط بالضبط، حتى إن الرجل الذي حكيت عنه هو ليس ذاك أبداً. ولكن (باشا زادا) المحتال صاحب السوابق الذي تعرفت عليه بالسجن شكّل لي المصدر الحي لاستلهام شخصية (باشا زادا) الذي أحكي عنه في هذه الرواية».
تدور الرواية حول الحكايات التي يرويها المحتال صاحب السوابق «باشا زادا» طيلة عمر كامل. وهي روايات وحكايات عجيبة يحار الكاتب في مدى صدقها وصحتها. إلا أن ثقة المتحدث وتأكيده على جزئيات الحكاية جعل منها إطاراً يمكن تصديق ما في داخله.
ففي الحكاية التي بدأ بها صاحب السوابق مسلسل حكاياته، كانت هناك مسألة ذات دلالات فلسفية تتعلق بالقدر. فقد كان صاحب السوابق تلميذاً مجتهداً في القسم الداخلي في مدرسة عسكرية، وكان يوشك على التخرج والالتحاق بالكلية الحربية. وذات يوم أراد أن يجلب إلى أصدقائه من المطبخ حلوى لذيذة اسمها «حلوى المعلل»، فجاء بها سراً معتمداً على أن مدير المنزل المناوب رجل متسامح بعكس المدير الآخر. إلا أنه وجد أن «الآخر» هو المناوب بعد الاتفاق مع الأول الذي شغل لبعض شأنه. فطارده الآخر مطاردة تثير الضحك واضطرته إلى ارتداء ملابس باشا كان ينام في المنزل، والدخول بها إلى مهاجع الطلبة الذين هبوا لاستقباله بمن فيهم ذلك الآخر نفسه.
تدور مطاردات مضحكة مبكية تنتهي بالقبض على الطالب وطرده من المدرسة وتغيير مجرى حياته. وهو يقول ما معناه: «لو لم يتغير المناوب، أو لو لم أطلب حلوى المعلل، أو لو تأخر المناوب البديل لحظات، لما حدث ما حدث». أهله فقراء ينتظرون تخرجه بفارغ الصبر. وها هو قد تشرد من المدرسة، واندسّ في أزقة المدينة التي لا ترحم، ومن خلال بحثه عن العمل يكشف الغطاء عن كثير من الممارسات السلوكية الخاطئة: متعهد البناء الذي يغش ويسرق ويفلسف هذا العمل بأن أحداً لا يخسر من هذه العملية، إلا أن الدولة وأموال الشعب في النهاية هي التي تضيع.. الآغا الذي يملك عشرات القرى بما فيها من الفلاحين الفقراء، وكيف يثبت أركان سيطرته بواسطة الوهم تارة، والخوف تارة والشعوذة تارة أخرى..
ومع الحركة الدائبة لذلك الفتى الذي طُرد من المدرسة، تتكشف الكثير من الممارسات وحالات الرشوة والفساد. ويجد الفتى نفسه منغمساً فيها مضطراً إليها وليس أمامه طريق آخر. كل هذا يرويه كمذكرات للكاتب الذي يشاركه حجرته في السجن، فيتحدث عن قطّاع الطرق المؤدية إلى القرى النائية، وعن المشعوذين الذين يقتاتون على سذاجة النساء الساعيات وراء الحمل خشية الطلاق، وعن الأخطاء الإدارية الكثيرة في مؤسسات الدولة.. كل ذلك في قالب كوميدي منطقي يجعلك تضع الكتاب جانباً ثم تغرق في الضحك، ثم سرعان ما يتجلى لك الجانب الآخر من الصورة، وهو الجانب المؤلم، فتوشك على البكاء.
أما اختيار عنوان «الطريق الوحيد» لهذه الرواية، فهو نابع من مضمونها الذي يدور حول محدودية الاختيار أمام من أقدم على الانحراف. إذ سرعان ما يجد بطل الرواية نفسه منغمساً في حالة من الاحتيال أو الانحراف دون أن يجد أمامه طريقاً آخر. فهو يسير في هذا الطريق رغم أنفه -حسب اعتقاده آنذاك- ولو وجد طريقاً آخر لما اختار هذا.
تتوالد الصور الواردة في الرواية حتى تغطي معظم الحالات التي قد تخطر في ذهن الكائن الإنساني. ففي السجن مهاجع للسادة وللفقراء وللمرضى، وفيه تجار يتجولون ببضاعتهم التي يشترونها من المساجين، أو تأتيهم من الخارج بواسطة الاحتيال. ولعل من أبرز هؤلاء في الرواية هو «فكرت الملخبط» الذي يخاطب السجناء داعياً إياهم إلى شراء بطانية فاخرة اشتراها من بطل الرواية «باشا زادا» قائلاً:
«إخوتي الحرامية، أصدقائي النشالين، رفاقي المحتالين، أعواني قطاع الطرق ومزوري العملة ولعيبة ال 3 ورقات الرصيفيين. جاء فكرت الملخبط يا أعزائي، يا أعزائي الليليين، يا صبياني المتكبرين، يا مدمنين، يا حشاشين، يا مدخنين، يا مستهترين.... يا من تسحبون النقود من الجيوب، والكحل من العيون، يا من تعملون كالنملة ولا تخدشون.. الحاضر يُعلم الغائب.. هل هناك من يريد بطانية كهذه؟ بضاعة إنجليزية صافية يا إخوان. الإنجليزي يكذب وأنا لا أكذب، هذه بطانية باشا زاده.. من يريد بطانية كهذه؟».
إننا نضحك حينما نسمع ما ينادي به البائع «فكرت الملخبط»، لكن الذي يغوص إلى أعماق المعاني الكامنة في ندائه يدرك كم هو معذب ذلك القطاع من البشر: المدمن، والمبتلى بالحشيش والدخان، والمتسلل إلى الفنادق كفأر، والذي يسرق الكحل من العيون. كل هؤلاء طبقة من المعذبين استطاع الكاتب أن يعرض قضيتهم في إطار من الكوميديا السوداء: الضاحك الباكي في آن واحد، وأن يجعل «باشا زاده» نموذجاً لهم ومدافعاً عن الطريق الذي انتهجوه بوصفه الطريق الوحيد.
في نهايات الرواية، قرر «باشا زادا» أن يفتح صفحة جديدة من حياته، ووجد الحل في صديقه «جمال الأونطه» الذي وجده ميتاً فتبادل معه البطاقة الشخصية فأصبح الميت هو «باشا زادا»، بينما كان من عاش هو صديقه «جمال الأونطة»، واتخذ له اسماً هو «جمال الطن طاش».
وحينما التقى به الكاتب بعد قراءة نعيه في الصحف دُهش لوجوده، ثم زال عجبه بعد أن سمع القصة من فمه وتحدث طويلاً عن ذكريات الماضي في السجن، إلى أن أعلن «باشا زادا» أن حكاية الطريق الوحيد التي كان يعدّها غطاءً لكل سلوكاته الخاطئة هي «وهم كبير»، لأن هذه الحكاية هي التي تتكئ عليها المرأة العاهرة لتقول إنها الطريق الوحيد المفتوح لها بسبب ظروفها. بينما هناك نسوة تجاوزن ظروفاً أكثر قسوة ولم يسرن في ذلك الطريق. وبحثن عن طرق أخرى حتى وجدنها.
أما عن الاحتيال، فقد شكل لنفسه فلسفة خاصة تتلخص في أن له طرفين: أولهما المحتال، وثانيهما المحتال عليه. فالمحتال يعمل على إقناع نفسه أولاً أن هذا الذي أمامه هو الطريق الوحيد. ومن هنا فإنه يحتال على نفسه حتى يقنعها. أما المحتال عليه فهو طرف في العملية، لغبائه أولاً، ولطمعه ثانياً كما هي الحال في هذا المثال: محتال يحاول بيع قطعة أرض بمئة ألف ليرة بالرغم من أن قيمتها مليون ليرة. المحتال عليه يريد شراء قطعة الأرض التي يعرف أن قيمتها مليون بمئة ألف. أليس كذلك؟ كما أن ملك المحتالين يستطيع تمرير تمثال نحاسي مغطس بماء الذهب على أنه من الذهب الخالص. إن الذي يشتري هذا التمثال بسعر رخيص جداً يشتريه على أنه من الذهب الخالص، أي أنه يخدع البائع كما فعل من اشترى قطعة الأرض.
وعليه، فإن حكاية الطريق الوحيد التي يكررها ويتذرع بها المحتالون والمنحرفون هي حكاية ساذجة ثبت بطلانها. لكن الإنسان قد يدرك هذا بعد فوات الأوان. أما المغزى من الرواية فهو محاولة لتعرية المجتمع وكشف سوآته، وبيان ما خفي من سراديبه. وكما يقول الكاتب في ختام روايته: كل حياة تنتهي بعمل لم يكتمل، وقول لم يُقَل، لأن الموت ليس نقطة في نهاية كلام، بل هو قطع في وسطه.. إلى أن يقول ما قاله «باشا زادا» وهو يسرد حكايته:
«كثير من الأشخاص يظهرون أنهم شرفاء..
كل إنسان يترك وراءه كلاماً لم ينتهِ».