تقول الانباء ان سكان حوران لا يزيدون عدداً عن مليون ونصف المليون مواطن, نزح نصفهم على الاقل الى الاردن ونصفهم على الاقل في المدن الاردنية والبقية في المخيمات, واذا استمر معدل النزوح من شمال حوران الى جنوبه في الاردن, بمعدل ثلاثة الى اربعة آلاف يومياً, فلن يمر عام قبل ان تفرّغ حوران من سكانها, ولا نعرف كيف يخدم ذلك الثورة او النظام.
رغم صعوبة الامر على الاردن وخطورة تبعاته على الصعد المالية والامنية والاجتماعية, واثر هذه الهجرة الواسعة على المدن والقرى الشمالية في اوضاع اقتصادية غاية في الصعوبة, إلا أن التنكر للمهاجرين السوريين أو اغلاق ابواب الاردن في وجوههم, كما يطالب البعض قد ينسف الاساس الاخلاقي والقومي والديني الذي تقوم عليه دولتنا, فلم يبق لشعوب أمتنا في زمن الشدة الا التكاتف الشعبي والتعاطف حتى يأذن الله بالفرج على أمته, وهذا ما يتبقى في ذاكرة الامة.
لقد فقد النظام السوري سنده الاخلاقي والوطني عندما أوغل في قتل الشعب السوري بأشد الاسلحة فتكاً وعندما استهدف المدنيين في جميع انحاء سوريا, وبخاصة في درعا وارياف حوران, انتقاماً من ابنائهم الثوار, فلم يترك النظام السوري الذي صدع رؤوسنا بادعاءات الممانعة والمقاومة حرمة إلا وانتهكها, وقدرنا في الاردن ان نكون على الحد مع شلال الدم النازف من اشقائنا الذين يصلنا معهم التاريخ والقربى والدين وتمازج الاصول والعائلات في حوران.
ندرك ان دولتنا ومجتمعنا واقعان تحت ضغط كبير في زمان الشدة لكن هنا يتجلى جوهر الدول والشعوب والقيم التي قامت عليها ونادت بها الدول, نحن وسوريا امتداد لجغرافيا واحدة هي سوريا الكبرى, طالما كنا جزءا منها, فاذا ألِمَ شمال سوريا مهما كان شكل نظامه وتنكره لأهله, فلا بد أن يألم ويتنادى له جنوبها, وان يفزع لنصرة اهله ولو بالقليل من المدد الذي بين يديه.
كنا نتمنى ان تعلن قمة الدوحة أن حركة الهجرة السورية الى دول الجوار مسؤولية دولية وعربية شاملة على جميع المستويات وان تبادر القمة الى توفير الاموال والمساعدات وان تضع آلية مستمرة للامداد, وبخاصة من تلك الدول التي لعبت دوراً في اشتعال الثورة في سوريا, فاللجوء السوري جزء من نتائج سياسات الدفع بالثورة في سوريا, ولا بد ان يكون مسؤولية عربية, وليس منه أو صدقة يضطر الاردن للسؤال باستمرار لدعم اللاجئين في اراضيه.
ندرك ان هناك مساعدات تقدم ولكنها ليست بالقدر الكافي, والمؤسف أن الدول التي تشحن السلاح الى النظام السوري بدون انقطاع سواء ايران أو روسيا تتجاهل البعد الانساني للازمة السورية, وتكتفي بتوفير ذخائر الحرب التي تسقط على رؤوس السوريين, وكأنها تدعم مصالحها لدى النظام حتى لو كان يقتل ويهجّر شعبه.
هناك احساس لدى الكثيرين في الاردن أن بلدنا تحول الى مخيم كبير لخليط من اللاجئين العرب وقد يكون هذا صحيحاً, وتفسر بعض النخب ان ذلك مقدمة لما يسمى بالوطن البديل اشارة الى نزوح اعداد من اللاجئين الفلسطينيين من سوريا هرباً من نيران الحرب, وهذه مخاوف نخب الصالونات السياسية فاذا لم يجنس هؤلاء فلن يغيروا من اوضاعنا شيئاً، الوطن البديل يتحقق اذا تنكرنا لمبادئنا، وانسقنا وراء مخططات الآخرين، وتراخينا في الدفاع عن دولتنا وثوابت وطننا.
ليس هناك حسم قريب في النزاع الدائر في سوريا، وليس هناك مناطق محررة من النظام آمنة من القصف يمكن تحويلها الى مناطق آمنة، ولم يعد في الأفق شيء اسمه الحل السياسي بعد ان طرح الائتلاف السوري، عبر قمة الدوحة نفسه بديلاً شرعياً للنظام السوري، مما اغلق ابواب الحلول الانتقالية.
ما نحتاجه في الازمات العربية، ان تتصرف كأمة شعوبها متكافلة لرفع المعاناة عن المتضررين من جراء الصراعات، او لدعم القضايا العادلة، المتصلة بحرية وكرامة الشعوب، وان يكون الوفاء العربي متصلاً وليس موسمياً، وان تكون الامة كما في شرع ديننا، كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الاعضاء بالسهر والحمى.
نريد ان يتداعى العرب، بالانتصار والدعم للمظلومين، والمشردين وطالبي الحرية فقد افاء الله على امتنا بالخير الكثير، الذي لن ينقص من غوث الهجرات العربية المؤقتة.
قدر الاردن، ان يكون في مفصل الهموم العربية، فلا تحدث فتنة، او خطب او حرب، او محنة الا ويصيبه منها نصيب او يتحمل ازاءها مسؤولية، ذلك قدره وسر تميزه في بلاد العرب المضطربة.