قراءة ملكية واقعية في ملفنا الحزبي

قراءة ملكية واقعية في ملفنا الحزبي

في مقابلته مع «الأسوشيتدبرس» كشف جلالة الملك عبد الله الثاني عن ضمور وهشاشة أحزابنا السياسية.

«لا يمكننا الاستمرار بأحزاب سياسية ذات برامج عفا عليها الزمن، هذا إذا كان لها برامج أصلاً. ما نحتاجه هو أحزاب سياسية وطنية لديها برامج حقيقية تهدف إلى تحسين حياة المواطنين وتلبي تطلعاتهم». وفي تصوري أن ما قاله جلالته ينطبق على معظم أن لم يكن كل الأحزاب السياسية العربية. هشاشة هذه الأحزاب وضعف بُنيتها لم يعد خافياً على أحد.

وأنا أقرأ إجابة جلالته حول «تفكك المشهد السياسي في الأردن، تذكرت ما ذكره مفكر عربي بارز هو عبدالله العروي في كتابه «العرب والفكر التاريخي» ص 62 (الناشر:المركز الثقافي العربي/ الدار البيضاء). «لا بد من منطق، لا بد من منهجية، لا بد من نظرية، تجعل من الحزب جماعة ملتحمة، حية متكافئة، قادرة على الاستمرار والتجديد والإبداع. تكون خميرة المجتمع العصري الخلاق في قلب المجتمع التقليدي العقيم».

أحزابنا السياسية، وإن زعم بعضها أن لديه برامج، هي هشة، وبعضها مُخترق مع الأسف. أحزابنا السياسية وكما وصفها جلالة الملك -هذا إن كان لديها برامج- «ذات برامج عفا عليها الزمن». بمعنى أنها غير قادرة على الاستمرار والتجديد والإبداع» وفق ما ذكره العروي أيضاً.

ما نشهده اليوم هو السرعة في توالد الأحزاب السياسية بشعارات رنانة. أما البرامج -إن سميناها برامج- فلا تطرح مفردات سياسية وطنية، تجدد وتبدع، فلا تظل أسيرة «الفكر التقليدي «الذي لا يتبنى مفهوم الحداثة والتحديث، وكأن مثل هذا التبني يتجنى على «أصالتنا العربية». وكأن هذا المفهوم بات سُبة.

إن «الأصالة» لا تغني «التقوقع» داخل أطر الماضي -رغم اعتزازنا بفلذات منه مُشرقة». إنها بمفهومها الحضاري تعني «التجديد» و»الإبداع» وقبول الآخر. تعني احترام «المساءلة». هناك اليوم «ثورة معرفية» ينبغي أن نفيد منها في برامج أحزابنا السياسية في كل بلداننا العربية. لا خوف من الأحزاب إن ظهرت إلى حيز الوجود بحسٍّ وطني حقيقي، بعيد عن «البيروقراطية» التي عاشتها ومازالت تعيشها أحزابنا السياسية العربية. هذه البيروقراطية اغتالت وتغتال هذه الأحزاب. عُمُدُ هذه الاحزاب شغلتهم المواقع الحزبية والجاه والوصول إلى السلطة عن أي طريق أكثر من هموم أوطانهم.

أما عن التنافس بين هذه الأحزاب فهو مع الأسف ليس تنافساً حضارياً، لكنه صراع استئصالي، بمعنى أن الحزب الواحد يريد استئصال شأفة الحزب الآخر!.

هذه «الاستبدادية» لا يمكن ان تنتج برامج حزبية وازنة، لأن الاستبداد يعني رفض الآخر. يعني تهميش «المواطنية». هناك «تنوير» يجب أن تقاربه أحزابنا السياسية، إن ارادت أن تبني الأوطان التي تعيش فيها، إن أرادت إحداث نقلة نوعية فيها. هناك ذهنية أخرى ينبغي أن تلتفت إليها هذه الأحزاب، ذهنية تسودها «الاستنارة»، تؤمن بالاعتدال، تؤمن بالروح «النقدية» إن في السياسة أو الأيديولوجيا.

الشعارات الحماسية لم تعد تجدي في عصر «الثورة المعرفية». سقطت الاقنعة عنها. «التنظير» وحدة لا يكفي لبناء بنية حزبية تستشعر حاجات الوطن. هذا «التنظير» الذي تمارسه كثير من الأحزاب السياسية العربية بات نوعاً من استغباء الجماهير. هذا «التنظير» مُغيب للوعي العلمي والاجتماعي، مُهمش لمفهوم «المواطنية» مُخيب للآمال.

من ناحية أخرى على النظم العربية أن لا تخشى من ذهنية الانفتاح على المفردات الحضارية ما دامت هذه المفردات ترسخ «المعرفة» تحمل «التنوير». عليها أن تضبط العلاقة بين مواطنيها فلا تنحاز لطرف دون آخر. أن تعارض أية «ظلامية» تتصدى للاستنارة والانفتاح على القيم الإنسانية.

إن كل استباحة للعقل وتشكيك في قدراته، واتهام لمن يمارسون سلطته إن في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، تعني «التخلف» في ظرف كهذا الشاذ يبدو المجتمع -أي مجتمع- وكما يقول المفكر البارز د. طيب تيزيني: «فاقداً للروح والعقل، ويكون ذلك منطلقاً لاحتوائه داخلاً وخارجاً عبر النظام العولمي في ضوء تفكيك هذا الداخل إلى حُطام». (د. طيب تيزيني، «الأصولية بين الظلامية والتنوير، ص 127، الدار السورية اللبنانية للنشر).

ما ذكره جلالة الملك عبدالله الثاني وهو يشير إلى واقع أحزابنا صحيح تماماً، وإن أغضب البعض، ثمة ترهل في بنية هذه الأحزاب، افتقارها إلى برامج حقيقية محددة هو سبب هذا الترهل. افتقارها إلى قاعدة منهجية تضبط أولوياتها الوطنية «عَوار» تعاني منه هذه الأحزاب.

ما يحدث فيها من تشرذم وانقسامات مُريب مُريب. إنه برهان على غياب هذه «القاعدة المنهجية» لا يمكن لأي حزب سياسي فاعل في مجتمعه ألا تكون لديه «برامج» هي مرجعيات لتوجهاته، هي ركائز تقية من العثار، تحميه من «البيروقراطية».

احزابنا السياسية العربية ذات سلطة أبوية، بمعنى أن بنيتها وايديولوجيتها لا تقبل حتى من مُعتنقيها لغة الحوار والنقاش ما يقوله عُمُد هذه الأحزاب هو الصحيح والذي يجب أن يسود!.

«أخلاق الحرية»، ما زالت غائبة عن أحزابنا السياسية العربية هي في غالبيتها لا تقبل «المراجعة النقدية» لطروحاتها ومفرداتها. وهذا في تصوري يعني «الانغلاق». «الإنغلاق» على هذه المفردات الخاطئة التي تجاوزها الزمن، وما أبشع الإنغلاق.

إن عدم تقبل أحزابنا للمراجعة النقدية يشير إلى أنها لا تؤمن بِ»ثقافة التغيير». نسقُها الفكري مازال كما هو يعوزه «الانفتاح» أحزابنا حسمت مصالح الوطن لمصالح نُخبها السياسية ليس لمصلحته. الاستئثار بالسلطة والجاه بات له الأولوية!

وبعد، ليس ما ذُكر جلداً للذات العربية. إنه دعوى ونداء حار لأحزابنا السياسية أن تعمل على انضاج مفاهيمها. وحده هذا الانضاج هو الذي سيبعث فيها روح الحياة والتجديد والإبداع.

yousefmahmoud37@yahoo.com