قصّتي مع الترجمة

قصّتي مع الترجمة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 15-3-2013
No Image
قصّتي مع الترجمة

د.باسم الزعبي - تعود معرفتي بالأدب الروسي إلى فترة مبكرة من حياتي. بدأتْ، على ما أذكر، بقصة لتولستوي في مجلة الهلال المصرية، لا أذكر اسمها، لكنها تتحدث عن إسكافي يسمع هاتفاً بموعد مع الله، فيُمضي نهاره بانتظار الموعد، لكنه خلال انتظاره يقوم بمساعدة أناس يحتاجون إلى المساعدة: طفل مشرد، امرأة فقيرة، رجل مشرد، ليدرك في النهاية أن الموعد لم يكن غير ذلك، وهو موعد لعمل الخير. ثم قرأت قصة الرهان لتشيخوف، وهي من عيون الأدب العالمي، وهي قصة جعلتني أحب تشيخوف كثيراً، حتى إنني اشتريت من مصروفي القليل كتاباً يضم مجموعة من قصصه بعنوان السيدة صاحبة الكلب.

الفرصة الكبرى للاطلاع على الأدب الروسي وباللغة الأم، جاءت بعد سفري إلى الاتحاد السوفياتي، ودراستي الصحافة في كلية الآداب بمدينة روستوف جنوب روسيا. وللمصادفة، اكتشفت أن تشيخوف هو من مواليد مقاطعة روستوف، وقد قمنا بزيارة لبيته.

ثمة ثلاثة عوامل جعلت الأدب الروسي قريباً: قراءته باللغة الأم، ومعرفتي ببيئته الطبيعية والاجتماعية والثقافية والتاريخية، وأن القيم التي يعالجها الأدب الروسي -والكلاسيكي منه بشكل خاص- قريبة من القيم التي أؤمن بها. بالطبع كان الكتّاب الأكثر قرباً لي: تشيخوف، تولستوي، غوغول، دوستويفسكي، بوشكين، وغوركي.

عندما تقرأ، على سبيل المثال، رواية ابنة الآمر لبوشكين، وهو يصف العواصف الثلجية، وأنت تراها من خلف النافذة، فإنك تحس بالعمل أكثر. الغابات التي لم ترها في حياتك (في ذلك الزمن لم يكن التلفزيون قد انتشر)، أنت لا تراها وحسب، بل وتمشي تحت أشجارها، تدوس على أوراق الخريف الجافة التي تملأ الدروب، تتعرف على الأشجار: البتولا العظيمة، السنديان والحور والصنوبر المجلل بالثلج الأبيض.. تتأمل سهول القمح الشاسعة، وسكك الحديد، وصافرات القطارات، والبنايات الكبيرة وباحاتها السكنية، والفتيات الروسيات الجميلات الرومانسيات، والفتية المحبين الأقوياء، والكهول الحكماء، والنسوة المكافحات، والمصانع والعمال بقبعات الفراك.. كل هذه البيئة عشتها في الواقع، وعشتها في الأدب.

لم يخطر ببالي أثناء الدراسة، أو حتى بعد عودتي من الاتحاد السوفياتي، أن أمارس الترجمة، فأنا لم أتخصص بها، ولم أفكر بها، ولم أخطط لها. ربما يكون عملي في وزارة الثقافة، ووجود مجلات تُصدرها الوزارة عاملاً أساسياً في خوضي مجالَ الترجمة. بدأ ذلك بترجمة المقالات والدراسات في الفلسفة، وقد نشرتها في مجلة أفكار، وأذكر أن أول مقالة نشرتها كان نصائح من غوركي للكتاب الشباب حول الكتابة، نشرتها في مجلة صوت الجيل التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة. ثم ترجمت دراسات تجمع بين الفلسفة والأدب، ومقالات في فلسفة السينما نُشرت في مجلة الفنون التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة أيضاً، وفي مجلة السينما التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية.

بدأت أترجم قصصاً من الأدب الإفريقي المعاصر، نشرتها في المجلة الثقافية في الجامعة الأردنية، ومجلة أفكار، ومجلة نوافذ المختصة بالترجمة في السعودية. كان ذلك كتاب القصة الوحيد الذي وجدته في مكتبتي باللغة الروسية، فقد كانت مقتنياتي في جلّها من الأعمال الروائية والأكاديمية بشكل خاص. بعدها شجعني صديقي د.عبد الله الشناق على نشر المجموعة، وقد نشرتها العام 2000 عبر دار الهلال التي يديرها.

بعد ذلك، وجدت كتاباً صغير الحجم يضم قصصاً ساخرة لمجموعة من الكتّاب، قمت بترجمتها، وقد تلقيت كتاباً من صديق روسي كان يعمل مدرب باليه في عمّان، يضم قصصاً قصيرة، فترجمتُ بعضها، وتعرفت إلى كتّاب ساخرين مهمين مثل الكاتبة تيفي، التي عاشت في المنفى. وقد كان لدي اهتمام بالكتابة الساخرة، فتوجه اهتمامي إلى كتّاب الأدب الساخر، وقد جمعت مجموعة من القصص الساخرة للكتاب: تشيخوف، أفريتشينكو، سالتيكوفشيدرين، تيفي وكوبرين، أصدرتها في كتاب بعنوان شخصية مشرقة صدر العام 2006، وصدرت طبعة ثانية منه ضمن منشورات مكتبة الأسرة في العام 2008.

وقد وفّر انتشار الإنترنت فرصة غير محدودة للاطلاع على الأدب الروسي بتنوعه الكبير من كلاسيكي وسوفياتي وحديث، فتواصل جهدي بالتعريف بهذا الأدب، الحديث منه بشكل خاص، فترجمت ونشرت في الصحف والمجلات في الأردن وفي خارجه، لعشرات الكتّاب، الذين كان القارئ العربي يتعرف إلى معظمهم للمرة الأولى. وقد واجهتني مشكلة في نشر تلك القصص في كتاب، بسبب ارتباط الأردن باتفاقية حقوق المؤلف، التي تفرض الحصول على موافقة المؤلف على منح حق الترجمة للمترجم. وهذه عملية صعبة ومعقدة، جعلتني أضطر لنشر مجموعتي القصصية المترجمة الثالثة، التي تضمنت نصوصاً لكتّاب معاصرين، خارج الأردن، وقد حملت عنوان يتساقط الثلج هادئاً.

أما قصتي مع الكاتب أفيرتشينكو فتعود إلى أيام الدراسة، إذ كنت قد قرأت قصة له في كتاب دراسي يضم نصوصاً ساخرة إلى جانب نصوص لتشيخوف وكوبرين، وقد لفت انتباهي بأسلوبه السلس، ذلك الأسلوب السهل الممتنع، كما يقال، كما إنه كان، بخلاف الكاتبين الآخرين، يسخر من واقع الحياة في المجتمع الاشتراكي، وهو أمر لم أعهده في الأدب السوفياتي.

حاولت اقتناء نماذج من أعماله، إلا أنني لم أوفَّق، وعلمتُ أن كتبه لم تعد تُنشر في الاتحاد السوفياتي منذ أن غادره، ولم يُتح لي ذلك إلا بعد التحولات السياسية والثقافية التي حدثت في الاتحاد السوفياتي في مرحلة ما يسمى البريسترويكا، بعد العام 1986، فقد انفتحت دور النشر على كتابات الأدباء الروس المهاجرين، ومنهم أفيرتشينكو، وتمكنتُ من الحصول على مجلد يضم عدداً من مجموعاته القصصية. لم تطل فرحتي بالكتاب، إذ استعاره صديق لي هناك، ولم أتمكن من استعادته. ولم أتمكن من الاطلاع الواسع على أعمال أفيرتشينكو إلا مع انتشار الإنترنت، وقد أتيح لي ذلك من خلال مكتبة إلكترونية روسية يديرها شخص محب للأدب اسمه ميشكوف.

قمت بجمع عدد من قصص الكاتب ونشرها في ثلاث طبعات، الأولى عن طريق أمانة عمان الكبرى، والثانية من خلالي، والثالثة ضمن مشروع مكتبة الأسرة.

يتميز أفيرتشينكو بقدرته الفائقة على التقاط المفارقات المثيرة للسخرية في سلوك العديد من شخصيات المجتمع، وتقديمها للقارئ. وقد يلجأ أحياناً إلى إيصال تلك المفارقات إلى ذرى عالية لتسليط الضوء أكثر على السلوك الاجتماعي المنحرف، فيدفع القارئ إلى الاشمئزاز منه، وهذه وظيفة الأدب الساخر بشكل عام. وهو غير متكلّف في اللغة، ولا في السرد، لكنه يبقى فناناً في أسر القارئ لقصته وأجوائها.

إن الترجمة من أهم الوسائل لتعريف الشعوب بثقافات بعضها بعضاً، ما يساعد على التواصل والتفاعل والتعاون، إلا أن المترجم في بلادنا يعاني من ضعف الدعم المقدم له من المؤسسات المعنية، ولا يغيب عن البال الظروف الصعبة في عمل المترجم، فالترجمة عملية إبداعية لا يقدر عليها كل شخص يجيد لغة أجنبية. ولا بد للمترجم أن يضع جزءاً من روحه في النص المترجم، ليجعله قريباً من القارئ.

ومن الصعوبات التي واجهتني في الترجمة من اللغة الروسية، نقص الأدوات: القواميس والمعاجم. فالقاموس الروسي العربي الوحيد المتوفر طُبع في العام 1952، وأعيدت طباعته بكمية محدودة في الثمانينيات في جزأين. كنت قد حصلت على نسخة قديمة من الطبعة الأولى من صديقٍ ترك الدراسة في الاتحاد السوفياتي، ثم استعاره مني الصديق نفسه الذي أضاع كتاب أفيرتشينكو، وعندما استعدته منه، وجدته قد أتلف حرفاً كاملاً من مقدمته، وكانت صفحاته على درجة عالية من التلف، لكني احتفظت به، وظللتُ أستعمله لأنه لم يكن لدي بديل آخر، حتى رآه أحد الأصدقاء الناشرين، فأخذه ثم أعاده إليّ مصوّراً ومجلّداً.

 

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }