محمد محمود البشتاوي - يعتور بعض القصص في التراث العربي ثغرات تجعل من ترابطها غير منطقي، رغم أن المفترَض أن تكون نصوصاً تاريخية، تعالج حقبات قديمة من التاريخ العربي في الجاهلية قبل الإسلام، لا نصوصاً أدبية تقدم سرداً فنيّاً.
وبسبب تلك الثغرات، ذهب بعض المُحققين إلى نفي وجود تلك القصص أصلاً، أو القول مختلَقة على يد الإخباريين والمؤرخين، أو إن تناقلها تم دون مراجعتها، ومثال ذلك قصة «ملك الحضر / الضيزن بن معاوية»، وحربه مع «سابور» الفارسي، الذي لم يتم التحقق من موقعهِ؛ فتارةً يكون الملك «سابور ذو الأكتاف»، وتارةً أخرى «شابور الجنود» (قائد الجيش)، وتارة ثالثة الملك «سابور ابن الملك أردشير الأول»، وهو يختلف عن «سابور ذو الأكتاف»، ويسمى «سابور الثاني» أيضاً، ونسبت مصادر التاريخ إليه أنه أثناء حروبه مع العرب كان يعمد إلى خلع أكتافِ ملوكهم، فذهب هذا اللقب عليه.
وثابتٌ في الأثر أن «الضيزن» –»الساطرون» بالسريانية وفق بعض المصادر- يعد من كبار ملوك «الطوائف» عند العرب في الجاهلية قبل الإسلام، وقد هادن الروم وتحالف معهم، وشنَّ حروباً على الفرس، وتوسعت حدود مملكته في العراق والشام ووصلت حدود فارس.
ويشير جواد علي في موسوعته «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» إلى أن الضيزن «عامل من العمال العرب من سادات القبائل، قد يكون: طيزانيس..»، و «يجوز أن يكون صاحب المدينة المسماة (طيزن آباد) و (مرج الضيازن) على الفرات».
وتحمل قصة ملك الحضر «الضيزن» الكثير من الالتباسات، فإلى جانب عدم تحديد فترة ولادته، ووفاته/ مقتله، فإن الإخباري «أبو حنيفة الدينوري» في مصنفهِ «الأخبار الطوال» يذكر أن «الزبّاء» (يسميها «مارية الغسانية») «ملكت بعد عمّها الضيزن»، رغم أن «الزبّاء» قتلت «جذيمة الأبرش» (268 م)، فيما وُلد «سابور ذو الأكتاف» (الثاني) العام 309 م، وتوفي في العام 379 م، أما «سابور الأول» فعاش في الفترة (241–272 م).
وينطبق الوصف في المراجع على أن «سابور الثاني» (ذو الأكتاف) الذي تُوج ملكاً في رحمِ أمهِ، فطمع العرب والروم بمملكته، هو من واجه «الضيزن»، لتنتفي بذلك رواية أن «الزبّاء» ملكت بعد عمِّها «الضيزن»، علاوةً على كونها ابنة «عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدع»، ونَسبُ الضيزن» فيه خلاف، فهو بحسب «الطبري»: جرمقاني، وهو قضاعي/ عربي وفق «ابن الكلبي».
ثمة خلط آخر يقع فيه أبو عبيد البكري الأندلسي في «معجم ما استعجم» حينما يفصل بين شخصيتين: «الضيزن» الذي يجعلهُ تنوخيّاً -أي من سلالة الأبرش-، و»الساطرون». إذ يقول في ما حدث بعد أن أغار «سابور الأكبر ذو الأكتاف» على بني عباد: «فسار معظمهم ومن فيه نهوض، إلى الحضر من الجزيرة، يقودهم الضيزن بن معاوية التنوخي، فمضى حتى نزلوا الحضر، وهو بناء بناه الساطرون الجرمقاني، فأقاموا به مع الزبّاء، فكانوا رجالها وولاة أمرها، فلما قتلها عمرو بن عدي استولوا على الملك».
وكما ورد سابقاً، فإن مولد «ذو الأكتاف» كان في العام 309 م، ما يعني أنه لم يُغِرْ بذلك على «بني عباد»، وربما كان المقصود «سابور الأول» المولود في العام 241 م. أما مقتل الأبرش فكان في العام 268 م.
ويقدم ابن سعيد الأندلسي في «نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب»، إشارةً غير مترابطة في سياق حديثهِ عن «قصة الحضر»، ف «قد قيل: إنه الذي غزا الأعرج من ولد سليمان النبي عليه السلام بالقدس، وكاتبه بختنصّر»، ثم يضيف في موضعٍ آخر: «وملكَ بختنصر الحضرَ بعد ملك الضيزن»، علماً أن الملك البابلي «نبوخذ نصَّر» (بالعربية) تولى الحكم قبل الميلاد في حوالي عام 605، في حين أن أحداث «الحضر» وفق تاريخَي ولادة «ذو الأكتاف» ووفاته، تدور خلال الفترة (309-379 م)، ما يعني أن رواية ابن سعيد ضعيفة.
وهناك التباس آخر وقعت فيه بعض المصادر؛ أن «النضيرة ابنة الضيزن» خانت والدها واتفقت مع عدوهِ «سابور ذو الأكتاف»، على تسهيل عملية اقتحامه ل «حصن الحضر»، عبر فكِّ طلسمِ المنعةِ فيه، مقابل أن يتزوجها ويجعها ذات مكانةٍ تتجاوز جميع نسائه، فيوافق، ثم تشير إليه أن يذهب ويحضر ورقةً ويأتي بحمامةٍ -من نوع «ورشان» وفق مسميات ذلك العصر- فيخضبُ رجليها بحيض جاريةٍ زرقاء -إشارة إلى لون عيونها- ويتركها، لتطير وتحطَّ على السور فيتداعى كلهُ!
في المسار السردي السابق توجد «ثيمة طروادية» (نسبةً إلى طروادة)، إذ إن الأمير «باريس» في الأسطورة (وعُرف أيضاً باسم «أليكساندر») يغوي «هلين» ملكة «أسبرطة» أثناء غياب زوجها، ويقال إنه خطفها إلى «طروادة»، فأشعل الحرب بذلك.
وفيما يتبدى «أليكساندر» في «سابور»، فإن «هلين» تتكرر في «الضيزن»، وفي وقتٍ يتهاوى فيه الحصن المنيع بسبب «خدعة حرب» في «طروادة»، فإن «حصن الحضر» يهوي بسبب «ورقةٍ مخضبة بحيض جارية»، كما يسقط حصن «الزبّاء» بإبلٍ محملة بصناديق يختبئ بداخلها المقاتلون بخدعةٍ من «قصير».. وهكذا تكون قصة «الضيزن» انتقلت من البعد التاريخي إلى بُعد آخر ذي «بنية أسطورية».
وفي العودة إلى نهاية «الضيزن» ومملكته «الحضر»، فإن الثابت في روايات الإخباريين خيانة ابنته لهُ، وتعاونها مع عدوهِ، مع وجود أكثر من قول حول نهايته وخلع كتفهِ بعد سقوط الحصن. الأول أن «النضيرة» دلّت «ذو الأكتاف» على نهرٍ يروي «الحضر» التي يحاصرها جيشه يقال له «ثرثار»، فيقطع الماء عن المحاصَرين بينما أخذت «النضيرة» تُسكر حرّاس الحصن بالخمرةِ إلى أن «صُرعوا». والقول الآخر إن «ثرثار» جهةٌ كان بها نفق دخل منه الجنود الغزاةُ.
كما أن هنالك تضارباً بين الإخباريين حول مدة حصار الذي فُرض على «الحضر»، فمنهم من قال إنه دام شهوراً، وأورد آخرون أنه استمر لأربع سنوات، وهناك من رأى أنه ظل ثلاث سنوات، وربما سنتين.
وثمة نهايات مختلفٌ عليها بالنسبةِ ل «النضيرة» وإن كانت النتيجة واحدة، إذ يقول فريق إن «ذو الأكتاف» بعد أن دخل بها في منطقة «عين تمر»، ناما، وفي الصباح وجدها ساهدةً تشكو له خشن فراشهِ الذي قال عنه إنه «من حرير محشو بزغب النعام» وإن الملوك لم تنم على أفضل منه. وقد سألها بصيغة التوبيخ -بحسب ما تذكر الروايات: «ويحكِ! وماذا كان يطعمُكِ والِداكِ؟»، فقالت: «المخ والزبد وصفو الخمر والشهد»، فقال لها: «إن كانت هذه حالك معهما وفعلتِ بهما ما فعلتِ، فلن تَصلحي لأحد بعدهما»، وأمر بقتلها.
بعضُ الإخباريين اكتفى بآخر السطر السابق، وبعضهم الآخر قال إن «ذو الأكتاف» أمر جندهُ بربطِ ذؤابة «النضيرة» بين فرَسين فانطلقا ومزقاها إرباً، ومنهم من قال إنِّه أمر رجلاً فركب فرساً جموحاً وضفر غدائرها بذنَبه ثم استركضه فقطعها قطعاً، وهنالك من قال إنه أمر بربطِ رجليها بين فرسين جموحين فانطلقا ومزقاها تمزيقاً، والرواية الأخيرة أقرب لواقع تلك العصور.
وبحسب محمد بن الحسن بن الحمدون في «تذكرته»، فإن «النضيرة» كان الناظرُ إليها يرى «مخها من لين بشرتها»، وكانت ورقةُ آس (ريحان) في فراشِ «سابور» قد جرحتها في عكنتها -ثنايا بطنها- ما استفزَّ «ذو الأكتاف» فسألها عما كان يصنعُ لها والداها، وصولاً إلى النتيجة التي آلت إليها.
خلال عملية البحث والقراءة، يعثر المرء على مقالات تتحدَّثُ عند تعريفها ل «الضيزن بن معاوية» أنه كان من ملوك الطوائف و «تخشاهُ ملوك العرب، وكان يزاحمَ امرأةَ أبيه»، إلا أن المعلومة الأخيرة في «المزاحمة» لم ترد في مصنفات الإخباريين، كما لم يرد ذلك في موسوعة جواد علي.
ورغم تطابق «نكاح الضيزن» مع اسم ملك الحضر «الضيزن»، إلا أن هذه الصفة لم تكن نسبةً إليه، فبحسبِ «تاج العروس» ل «مرتضى الزبيدي»، فإن «الضَّيْزَنُ» لها معانٍ عدة، منها «حافظ الثقة»، و «الضيزن: ولد الرجل وعياله وشركاؤه»، و «عامل الخراج»، و «النحاس»، و «قال ابن الأعرابي: الضيزن؛ الذي يتزوج امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها»، و «قيل: الضيزن: من يزاحمك عند الاستقاء في البئر».
في كل المعاني السابقة، فإن «المشاركة والمزاحمة» هما الأكثر بروزاً، لذا كان في الجاهليةِ قبل الإسلام «نكاحُ الضيزن»، وهو أن يحتكر الابن زوجة أبيه بعد موته أو طلاقه، فيكون أولاده منها إخوانه في الوقت نفسه.
وفي هذا الصدد؛ يقول جواد علي: «أطلق عليه المسلمون: نكاح المقت، وعُرف ب: نكاح الضيزن كذلك. وهو نكاح معروف من أنكحة الجاهليين، وذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أَولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت».
ويضيف: «هذا الزواج على أنه كان معروفاً وقد مارسه أناس معروفون، كان ممقوتاً من الأكثرية، ولذلك عُرف ب: زواج المقت.. وأطلقوا على الرجل الذي يخلف امرأة أبيه إذا طلّقها أو مات عنها وقيل من يزاحم أباه في امرأته: الضيزن. وقالوا للولد الذي يولد من هذا الزواج: مقتيّ ومقيت».