د. عصام سليمان الموسى - قبل نصف قرن بالتمام والكمال، يوم 25/12/1962، فتحت الجامعة الأردنية ذراعيها لاستقبال طلبتها من الجيل الأول. خمسون عاما انقضت من عمرنا، لكن ذكرى اليوم الأول، يوم سرنا تلك الطرقات وتحلقنا نترقب فتح باب القاعة الرئيسة، ما يزال نديا اخضر يخفق مع دقات الوريد. ورغم ان المرء لا يتذكر التفاصيل الدقيقة، إلا ان الخطوة الأولى، وما تبقى من عبقها، يستحق ان يروى. وفيما يتلو استكمال لما نشر في حلقة امس الاول....الطالبات والطلاب كانت العلاقة بين الطلاب والطالبات تقوم على الاحترام المتبادل، وكانت الطالبات في المجمل أميل لأن يبقين مع بعض وقد حظيت جميع الطالبات باحترام الزملاء، وحين كن يركبن الباص ينهض الشبان لإجلاسهم في أمكانهم اذا لم تتوفر مقاعد لهن. كانت روح الشهامة هي السائدة.مفارقاتتميز رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور ناصر الدين بوسامته وأناقته وفصاحته، وكان يقود سيارته بنفسه وهي من طراز (تاونس) سوداء اللون- ولم يكن له سائق خاص. وكان الدكتور فاخر عاقل يحضر الى الجامعة بسيارة منظمة اليونسيف- وطرازها مرسيدس سوداء اللون أيضا، يرفرف على مقدمتها علم الأمم المتحدة الأزرق. أما الدكتور عبد الكريم غرايبة فكانت تحضره للجامعة زوجته بسيارتها. الأساتذة السوريون (عادل العوا وعمر الحكيم) كانا يركبان سيارات الأجرة بين دمشق وعمان ويحضران مرة بالأسبوع. تميز الأساتذة في تلك السنة بتواضعهم، وكانوا يشددون على اللغة العربية، خاصة الأساتذة السوريون. وتميز الدكتور هاشم ياغي بدماثته، اما الدكتور عبد الكريم غرايبة فكان يحفزنا على التفكير في واقعنا العربي. النشاطات الرياضية تولى الأستاذ محمد خير مامسر ، المشرف الرياضي، توزيع الطلبة في فرق رياضية حسب هواياتهم لمختلف النشاطات: كرة القدم وكرة السلة والتنس وغيرها. وكنا نلعب مع فرق خارجية احيانا. ومارست بعض الطالبات لعبة الريشة الطائرة.وقد لعبت مع فريق كرة القدم ، ولعبنا مباريات عدة وبعضها مع نواد وفرق خارجية، وفي احدى المباريات الداخلية ،وكنت مندفعا باتجاه تسجيل هدف، راكضا بأقصى سرعة، لحق بي أحد الزملاء، وحين أدرك اني اهدد مرمى شباك فريقه، ما كان منه الا ان (عرقلني) بقدمه، فسقطت سقطة قاسية مؤلمة دحرجتني كعجلة، نهضت منها بصعوبة وجررت نفسي خارجا من الملعب ، فجاءت الزميلتان ليلى رصاص ونجوى كيالي، تشدان من أزري. طبعا صفر الحكم صافره، وأظنه كان الأستاذ مامسر، وأوقع عقوبة على الفريق الثاني، وكان ان ضرب لاعب آخر (اظنه الزميل محي الدين توق) ضربة الجزاء مسجلا الهدف الذي كنت سأسجله- لو لم يسقطني زميلي ابراهيم عقل. بعد تلك التجربة، والسقطة، (طلقت) لعبة كرة القدم الى الأبد- الا حين كنت العب بشكل ودي مع اصدقائي اوابنائي فيما بعد . اللجنة الاجتماعية تشكلت لجان من الطلبة بإشراف الأساتذة، وكنت أحد أعضاء اللجنة الاجتماعية التي أشرف عليها الدكتور فاخر عاقل. وأذكر اننا اعددنا حفلا وداعيا على شرف الأستاذين بيلي وشل اللذين غادرانا في نهاية العام، وأوكلت الي مهمة القاء كلمة باللغة الانجليزية اعددتها بإشراف استأذنا فاخر بالطبع، شكرنا فيها باسم الطلبة ألأستاذين على ما بذلاه من جهد في تعليمنا اللغة الانجليزية. المقصف في تسوية مبنى الرئاسة افتتح المقصف الذي كان يديره كل من السيد محمد البكري والسيد عبد الرؤوف ابو عزام، ويطل مدخله على الجهة الشرقية، وأمامه ساحة واسعة. في هذا المقصف كنا نشرب الشاي والقهوة ونتناول المرطبات والسندويشات، وقد وضعت فيه طاولة تنس كنا نلعب عليها في أوقات الفراغ وخضنا مباريات عليها، واستدعى الإقبال على اللعبة الى إضافة طاولة ثانية لاحقا. في الأيام التي يكون الطقس فيها جميلا، كنا نسحب الكراسي من داخل المقصف الى خارجه ونجلس في الساحة الأمامية. وكان ملعب كرة السلة خلف الرئاسة، اما ملعب كرة القدم فكان بعيدا باتجاه الشرق نسير اليه مسافة ربع ساعة تقريبا حتى نصله.رحلة الى الضفة الغربيةفي السنة الأولى قمنا برحلة لا تنسى. أخذنا الدكتور عبد الكريم الغرايبة برحلة فريدة الى الضفة الغربية استمرت يومين زرنا فيها نابلس وجنين والخليل والمواقع الأثرية في أريحا (قصر هشام) والمواقع الأمامية للجيش العربي. في تلك الرحلة غنى علي البرقاوي بصوته الجميل أعذب الألحان، وزرت منزل زميلنا جميل حجازي بدعوة منه حين وصلنا الخليل، ورحب بنا والده الشيخ أجمل ترحيب. كانت رحلة تاريخية لا تنسى، فبعد سنوات قليلة سقطت الضفة الغربية وانتزعت براءة الأرض الطيبة المباركة. مظاهرات بعد أحد الاعتداءات على قرى في الضفة الغربية، قامت مظاهرات في عمان. كانت الحرب الباردة العربية الإعلامية في أوجها. أغلقت الجامعة أبوابها، فركبنا الباص عائدين الى عمان. حين نزلت من الباص ، وقد عقدت العزم على التوجه الى المنزل في جبل الحسين وعدم المشاركة في المظاهرة ، تقدم مني شرطي سمين وضربني (بالقايش) على ظهري، دون ذنب جنيته. ربما ظن اني أنوي التظاهر فعمل على تفريق المتظاهرين بأسلوب (خشن). استشطت غضبا وقررت، ردا على تلك الفعلة، المشاركة بالمظاهرة. توجهت مع الآخرين الى وسط المدينة، وكان الجيش مستعدا، وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع، وربما أطلق الرصاص على المتظاهرين. تشتت شملنا وركضنا بكل اتجاه. التجأت لإحد المحلات واختبأت تحت طاولة. وانا في مخبأي هذا، سقطت قطرات دم من أعلى. أدركت ان احدهم في مكان ما فوقي. خرجت من مخبأي وسرت في الشارع. التقيت بسكرتيرة الجامعة، لوريس، فناولتني كيسا لأضع فيه كتبي وأخفيها عن أعين الجنود. عدت بعدها الى المنزل في جبل الحسين لا أعرف كيف.أحزاب ودعوات كانت الجامعة ملتقى لشبان من كافة المناطق ومختلف المشارب والميول. وقد وجهت لي دعوات من بعض الزملاء للالتحاق بهذا الحزب او ذاك. لكني كنت أقول لهم باني خلقت قوميا عربيا بالفطرة، ومستقلا واعتز بعروبتي وأردنيتي، ولا ارى فرقا بين مسلم ومسيحي، فكلنا عرب «قبل موسى وعيسى ومحمد»، كما قال المرحوم الملك فيصل الأول عام 1918بعد تحرير سوريا من ربقة العثمانيين الأتراك، وكما قال معاوية بن ابي سفيان قبل ألف وخمسمائة عام: «الدين لله والوطن للجميع». صداقات في تلك الأجواء الرومانسية التي واكبت تفتحنا على حياة الشباب، كنا نلتقي دوريا في منازلنا في زيارات نستضيف أصدقاء فيها. ومن ذكريات هذه الزيارات: زيارتنا الى منزل الأستاذ الشيخ حسن البرقاوي يستقبلنا هو وابنه، زميلنا علي البرقاوي، ويحدثنا بلغته الفصيحة عن تجاربه في التعليم في السلط وغيرها من الأماكن. وكنا نتجمع في جلسات في غرف الأصدقاء القادمين من خارج عمان. وكثيرا ما اجتمعنا في غرفة جميل حجازي، القادم من الخليل، حيث يسكن في جبل اللويبدة (بالقرب من دوار باريس حاليا)، او في غرفة خالد بزاري، القادم من برقا بالقرب من نابلس، حيث يقيم في جبل الحسين، او في غرفة يوسف حداد في جبل الحسين. كانت هذه اللقاءات تصبح بمثابة منتدى، وكنا نسعد بالحديث الدافىء البريء، وبكاسات الشاي تدار علينا بكرم. وكان معظمنا من المدخنين، فتمتلىء الغرفة بسحب الدخان (كنا ندخن سجائر ذلك الزمان من صنف كمال او ريم او جولدستار او فيلادلفيا- وأحيانا يبرز أحدنا ببرجوازية مصطنعة علبة دخان أمريكية، فتختفي سجائرها بسرعة). وكنا نتحدث في مختلف الشؤون، ونتناقش بحماس الشباب، ونترافق للسينما ونناقش مضامين الأفلام او الكتب التي طالعنا. وفي الأيام الجميلة كنا نتسكع في شوارع قاع المدينة جيئة وذهابا، ثم ندخل محلا نشرب فيه قدح شاي، او نسهر على أنغام ام كلثوم في أحد المقاهي يوم الخميس في ليالي الصيف الجميلة ونلعب ورق الشدة. في هذه السنة توطدت صداقتي مع عبد اللطيف العناني وزرته في منزله في جبل التاج. واستمرت صداقتنا قوية حتى الآن، وقد زرته قبل سنوات في منزله في أمريكا حيث استقر به المقام. كما وزرت الصديق خالد البزاري في الكويت عام 1976، وكنت عائدا من قطر في طريقي الى الأردن للعمل محاضرا متفرغا في جامعة اليرموك. كانت سنة جميلة، وقطعا كانت من أحلى سنوات العمر. كنا ندرس في القاعات على ايقاع دق الحجارة التي كانت تعد لبناء كلية الآداب، التي انتقلنا اليها في العام التالي. النتائج مفاجئة تعرفنا في هذه السنة على زملاء أعزاء، ولكن حبل الصداقة انتهى مع بعضهم، حين أعلنت نتائج نهاية العام، وكانت مفاجئة. تبين ان الذين اجتازوا الامتحانات النهائية وترفعوا للسنة الثانية لم يزد عددهم عن70 طالبا وطالبة. كان نصيب الذين لم ينجحوا هو الفصل من الجامعة، فذهب كل منهم في طريق. والتحق العديد منهم بالجامعات العربية المجاورة بالانتساب وحصلوا على شهادتهم متأخرين قليلا عنا. لا شك بان الدراسة كانت صعبة في تلك السنة، وكان فيها تشدد. تركزت فلسفة الجامعة في تلك المرحلة على الكيف لا على الكم، عكس ما حصل للتعليم في الأردن بعد ذلك. غير ان فصل حوالي مائة طالب في نهاية العام،كان يعكس فلسفة متشددة بأي مقياس. لكن ذلك كان عصر وصفي التل الذي كان يريد بناء مجتمع إسبارطي. تميز رغم اللامبالاة لكن المؤكد، ان عام 1962/1963 بقي عاما فارقا في حياة طلبة الفوج الأول في الجامعة الأردنية. ربما شعر الذين اجتازوا تلك السنة بتميزهم. أعرف شخصيا ان جميع من اجتازوا تلك السنة حققوا النجاح في حياتهم، وبرز منهم معلمون ومعلمات ومدراء و شعراء وأدباء وباحثون وأساتذة جامعات وكتاب عمود صحفي ووزير الخ. ويحضرني في فعل الخير تحديدا الصديق عبد اللطيف العناني الذي سعى في فترة سابقة مع الجامعة الأردنية لتمويل مبنى يحمل اسم احد الأساتذة الذين درسونا في السنوات الثلاث اللاحقة . سنة فارقة حقا كان افتتاح الجامعة الأردنية خطوة كبيرة لها ابعاد سياسية كما صار لها ابعاد ثقافية. فحين أغلقت الأبواب في وجه الطلبة الأردنيين في جامعات مصر، ورحّلوا عن مصر اثر قرار مفاجئ، جاء قرار أردني شجاع بافتتاح الجامعة. كان القرار خاضعا لمعطيات الحرب الباردة العربية، لكنه كان القرار الأسلم الذي أشاد حجرا في مسيرة الأردن، كان بمثابة حجر زاوية. اليوم، و بعد مرور نصف قرن على ذلك الحدث، تلهج قلوبنا بالثناء والشكر والعرفان والامتنان لأصحاب القرار في إنشاء الجامعة أولا ، وعلى رأسهم المغفور له صاحب الجلالة الملك الحسين بن طلال، ومجلس الأمناء،ولتلك الثلة من الأساتذة الذين بنوا الجامعة الأردنية وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد. لقد فتح إنشاء الجامعة في تلك المرحلة العصيبة والمفصلية طريقا للمستقبل الواعد زاد الأردن منعة وعزة وأهّل طلبته ليسعوا في بناء الوطن، وأقطار عربية عديدة عملوا بها، وكان القرار في كافة الأحوال وشم جميل على خد الوطن الأجمل.تكريم الفوج الأول كرم دولة رئيس الجامعة الأسبق الدكتور عبد السلام المجالي الفوج الأول بعد مرور 25 عاما على تأسيس الجامعة، كما وكرم الدكتور خالد الكركي الفوج الأول قبل سنوات والقى كلمتهم الدكتور محي الدين توق . الى لقاء قريب ولأن ذكرى مرور نصف قرن على تأسيس الجامعة لن تعود، ولأن عجلة العمر تدور، فقد تنادت فئة من خريجي الفوج الأول، لعقد اجتماع يحدد مكانه قريبا، لكي نلتقي فيه، نستعيد ذكرى السنة الأولى عبر رحلة حافلة امتدت على مدى خمسين عاما. وبالتأكيد فان اللقاء سيكون جميلا وقد وخط رأسه الشيب، (والشيب فيه وقار كما يقول المتنبي). واتفقنا مبدأيا ان نعمل في ذلك اللقاء على تكريم الأساتذة الذين علمونا في السنة الأولى وزرعوا فينا فرح الغد ، ليروا ثمار ما غرست أيديهم المباركة، ونشكرهم على عطائهم الذي لا يضاهى، ونفرح بهم مقدرين لهم ما بذلوا للوطن ، مد الله في اعمار من بقي منهم معنا، ورحم بواسع رحمته من غادرنا منهم ومن رفاقنا في الفوج الأول . وسيكون هذا اللقاء بالتأكيد فرصة لنا لاستعادة الذكريات وتجديد الصداقات وتبادل الهدايا. لذا فان الدعوة موجهة لجميع طلبة السنة الأولى ليتواصلوا مع عضو هذه اللجنة الدكتور موسى جبريل على بريده لتنظيم ذلك اللقاء في أقرب فرصة ممكنة.
كلية الإعلام- جامعة اليرموك- قسم الصحافة(jibrilm@ju.edu.jo)