القسطل.. قصر الغبار الساطع!! (2)

القسطل.. قصر الغبار الساطع!! (2)

كتابة وتصوير: مفلح العدوان - روح الأمويين.. نعم ها هي هالة تضفي حضورها على المكان، وكأني أراها بكل ألقها الشفيف عنوان عظمة لكل أثر في هذه المنطقة.. روح الأمويين، وتداعيات كثيرة أتلمسها في فضاءات القسطل، وكأني أسمع هناك أيضا، تراتيل الحجاج وأدعيتهم وهم يستريحون هنا في طريق ذهابهم أو إيابهم في الحج. القافلة تمر، وتأتي غيرها، وكل سنة حجاج آخرون تتبارك بهم القسطل التي ذكرت كمنزل من منازل الحج عند القدماء من الجغرافيين العرب، حيث قال الحربي عن القسطل في معرض تتبعه لمنازل حجاج طريق أهل الشام: «من دمشق إلى الصنمين، ومن الصنمين إلى أذرعات، ومن أذرعات إلى الزرقاء، ومن الزرقاء إلى القسطل، ومن القسطل إلى قبال، ومن قبال إلى بالعة، ومن بالعة إلى الحفير، ومن الحفير إلى معان».كما مر بالقسطل ابن طولون الصالحي في رحلته إلى الحج في شهر شوال سنة 920ه/1514م، وأوردها بالصاد، فقال: «ثم مررنا بين قرية أم العمد وقرية الخيرا ثم على قرية القصطل وقت الظهر ثم على قرية جيزا..».نقوش.. أدعيةدرب الحج.. تفصيلات أخرى حول قرية القسطل، وعلاقتها بقوافل الحجاج، يشير اليها الدكتور صالح موسى درادكة، في كتابه (طرق الحج الشامي في العصور الإسلامية/ الطرق في شرق الأردن خاصة)، حيث يقول في هذا السياق: «ومما يجدر ذكره أن اسم القسطل تردد في المصادر الأدبية والتاريخية كمركز على طريق الحاج، كما كشفت في القسطل مجموعة نقوش من الأدعية التي توحي بأنها أدعية حجاج ذاهبين لقضاء فريضة الحج أو عائدين لبلادهم بعد قضائها..». وفي موقع آخر من الكتاب يقول الدكتور صالح درادكة بأنه «ذكرت القسطل في مسير خالد بن سعيد بن العاص لفتوح الشام حيث نزل بجيشه فيما بين (آبل الزيت) وزيزا والقسطل. وأقام العباس بن الوليد بن عبد الملك في القسطل، ورفض مشايعة أخيه يزيد في طلب الخلافة».قال الشاعر..كما ترد القسطل في شعر كثير من الشعراء الذين تم توثيق قصائدهم، وذكرت فيها القسطل، ومنهم كثير الذي أشرنا إلى واحدة من قصائده، التي كتبها مدحا للأمويين، ذاكرا فيها الموقر والقسطل، وهنا نشير إلى قصيدة أخرى كتبها كثير في مدح الخليفة يزيد بن عبد الملك، وترد فيها القسطل، حيث يقول كثير:«أقول إذا الحيّان كعب وعامرتلاقوا ولفتنا هناك المناسكجزى الله حيّا بالموقر دارهموجادت عليه الرائحات الهواتكبكل حثيث الوبل زهر غمامةله دررٌ بالقسطلين حواشككما قد غممت المؤمنين نبائلأبا خالد صلت عليك الملائك»وقد عنى بالقسطلين: القسطل الأردنية، وقسطل: موضع بين حمص ودمشق.كما أنه كان قد قال جرير كذلك:يا عين جودي بدمع هاجه الذِّكرفما لدمعك بعد اليوم مدّخرإن الخليفة قد وارى شمائلهغبراء ملحودة في جولها زورقد شفّني روعة العبّاس من فزعلما أتاه بدير القسطل الخبروأيضا قال الفرزدق:وهم على ابن مزيقياء تنازلواوالخيل بين عجاجتيها القسطل. أقدم مئذنةأتأمل قصر القسطل، وأريد وصفا له، فكل حجر فيه تنطق بعظيم التاريخ، وعمق الذاكرة. أتلمس التفاصيل هناك، والفسيفساء، والقناطر، ودرج المسجد. أنقل وصفا لتلك التفاصيل التي أراها في القسطل، واحد لمنى احمد الطائي، في كتابها المعالم الأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية، عام 2004م، والثاني للرحالة تريسترام وما كتبه عام 1872م، إضافة إلى ما أشار اليه مصطفى الدباغ في «بلادنا فلسطين».أقرأ في كتاب المعالم الأثرية لمنى الطائي: «..القسطل.. واحد من أقدم القصور الأموية وأفضلها من حيث الصيانة. تشمل آثار القسطل مجموعة واسعة من المواقع، مثل القصر المركزي والحمامات، بالإضافة إلى خزان ومسجد وبيوت صغيرة ومقبرة وسد، وبه أقدم مقبرة إسلامية في الأردن. القصر المركزي مزخرف بالنقوش الحجرية وفيه اثني عشر برجا، شبه دائري لدعم وحماية الجدران. تضم ساحة القصر خزانا مركزيا للماء، وتشاهد بقايا المسجد شمال القصر المركزي. ويرجح أن موقع القصر الأصلي كان غسانيا، وأن جبلة بن الحارث الأمير الغساني هو بانيه. وقد كشف أعمال التنقيب في الموقع عن بقايا مسجد ومئذنة، وقد تكون أقدم المآذن في المملكة الأردنية للفترة الأموية». أنقاض قلعة قديمةأما الرحالة ه. ب. تريسترام فيقول عن القسطل في كتابه «رحلات في شرق الأردن عام 1872م: «وصلنا القسطل، ووجدتها تختلف عن سائر الآثار التي زرتها إلى الآن بالأردن، فقد وجدت الأكوام الأثرية العادية والكهوف، والحيطان، وأعداد لا تحصى من الأقواس تمتد فوق الجانب الغربي من التل، ويبدو بوضوح أن الجانب الغربي مبني على أنقاض قلعة قديمة محكمة البناء، وربما فوق قلعتين، والتي لا تزال أجزاؤها الشمالية في حالة ممتازة وإن كانت صغيرة. وتبلغ مساحة قلعة القسطل 30 * 20 ياردة، وهي ذات زاوية واسعة شبه دائرية تقع في القرنة الشمالية الغربية، محاطة بدربزين وأعمدة مستطيلة مربعة ذات ثنيات وأخاديد على الطراز الكورنثي، يقود إلى بيت درج لا زال قائما حتى الآن، وفي داخل الجزء الجنوبي من الحائط هناك تجويف مشكاة-محراب، وعمودان من الرخام النقي الأبيض، مطروحان أرضا، ويبدو أن هذه المنطقة مملوءة بمواد قاسية صلبة بنيت بعد الانتهاء من انشاء القلعة. ويبدو أن البناء كان في الأصل معبدا محصنا، وهو من ضمن تحصينات القلعة الرئيسية، يقف هذا المعبد على قمة التلة، وهو إلى الجنوب مباشرة من التل أو البناء الآخر، وهو بمساحة 84 ياردة مربعة، وقد شاهدت قواعد حصينة حول البناء، مبنية من مواد صلبة وقوية سماكة ستة ياردات، ويفصل بينهما 14 ياردة. ولهذا البناء مخزنان على الأقل، لم يبق منهما إلا المخزن الأسفل بأساساته، مع عدد من القناطر في الغرف العلوية. أما العنبر أو الردهة فتمتد بالكامل حول جدران القلعة من الداخل، مع إبقاء مساحة مفتوحة في الوسط، حيث لم يزل يقف فيها عمودان حتى الآن، ولم يزل نفق الردهة الخفيضة باقيا على حاله حتى يومنا، بينما يتميز العديد من المواد الصلبة بنصوص نبطية، وعليها كالمعتاد وسوم القبائل. أم في الطابق الأرضي فيوجد ثلاثة عنابر رئيسية خاصة في الجوانب الجنوبية الغربية والشمالية،ن وفي كل منهما غرفة صغيرة تفتح على الجانب الذي يليها عبر أبواب منخفضة مع قناطر مستوية في أعلى الأبواب، لا تتجاوز ارتفاع الرأس. أما الردهة الموجودة في المخزن العلوي، ففيها باب مقنطر شبه دائري مبني من مادة صلبة، مبني جيدا، أما مسطح العنابر السفلي الجانبية فيبلغ 8 * 6 ياردات، حيث تفتح جميعها على الساحة الرئيسية. أما المدخل فيأتي من الشرق، ويبدو أن القلعة القديمة قد بنيت كبيوت في زمن الإمبراطورية النصرانية، وأنه تم ارتكاز هذه الأقواس، وأشباه الأقواس عليها من كل جانب مثلما هو الأمر في أم الرصاص. وهناك جزء كبير من المدينة القديمة في الجانب الشمالي الغربي حيث توجد الأقواس والقناطر المعتادة مع وجود بعض بقايا الهندسة الإغريقية المتمثلة بالمعبد الذي يتميز بفن النحت والزينة».الحارث بن جبلةويشير مصطفى الدباغ في بلادنا فلسطين إلى أن القسطل «تحريف كلمة Castle الافرنجية بمعنى القلعة، تقع على مسافة 30 كم جنوب عمان. ينسب بناء القسطل إلى الملك الغساني الحارث بن جبلة نحو(529-596م)، وأما بقايا حصنها فيعود إلى قلعة رومانية شيدت من الحجارة الضخمة. إن الوليد الثاني/ الخليفة الأموي الذي عاش سنين طويلة في بادية الأردن كان ينزل القسطل وأسكن بنيه فيها».فرسان دلماشياوحول الحارث بن جبلة يقول فريدريك ج بيك في كتابه (تاريخ شرقي الأردن وقبائلها) بأنه «بلغ الغساسنة أوج مجدهم في عهد الحارث الذي كان من القوة بحيث كانت كلنته تذهب تشريعا يعمل به من شمالي سوريا إلى الجوف وربما إلى تيماء أيضا. وينسب إلى هذاالملك بناء القسطل والزرقاء وقد يكون هو الذي بنى قصر المشتى وحمام الصرح في البلقاء، وأذرح والجرباء ومعان القديمة التي هي الآن خرائب تعرف بالحمام..».. وقول فريدريك ج بيك في موضع آخر من كتابه حول القسطل أنه «يقول أحد الثقاة أن قلعة القسطل بنيت بين عام 400 و 500 بعد الميلاد. ومن الصعب جدا أن نفهم لماذا لم تشيد هذه القلعة في زيزياء مع انه كان بها حامية من فرسان دلماشيا وخزان مياه كبيرة. وعدا ذلك فقد كانت زيزياء من المدن العظيمة أيام الرومان وكثير من أبنيتها ظل قائما حتى عام 1834 عندما أتى ابراهيم باشا وهدمها. ويقول مؤرخو العرب ان باني القسطل هو الملك الغساني الحارث بن جبلة (531-571) وهذا يعلل مركزها لأن الملك العربي يفضل طبعا (حصن الخان) الذي يبعد عن المدينة الرومانية زيزياء وحاميتها».