سليمان القوابعة - هذا الذي نُبديه من طرف اللسان على عَجل لا نراه فائضاً عن الحاجة ونحن نميل إلى ساحتنا الثقافية ثم نلتفت إلى قامات عالية يصاحبها الفعل المتوخى وحسن الأداء بجهد محمود.نقول هذا ونحن نجد حولنا من يمتلكون التميز والحرص على النهج الذي اختطوه لمسيرتهم وارتاحوا إليه وهم يكتفون بهيبة تواضعهم فيصدّهم وقارهم عن امتلاك مهارة البحث عن أضواء المواقع وسط نُخبٍ كنا نعلق عليها آمال العطاء المرجو، ويحتشد في زوايا تلك النخب من يستديرون حول ذواتهم في مجالات تعج بأساليب النفاق وما يُعيب وجه الثقافة وبأساليب هابطة مكشوفة أصبحت بضاعة سوق أصابت حياتنا ولم تسلم منها ساحتنا الثقافية.ولنا جميعاً أن نقول إن أصحاب القامات الرائعة وبأعدادهم المتواضعة نجدهم بيننا، تحركهم مسؤولية مهمات سامية نحو رفد الأجيال الناشئة بالعلم والاقتدار، كما أننا نأخذ نصيباً مما لدى أولئك العلماء حين نلتقيهم صدفة في ندوة أو لقاء عارض بعد سفر يحملنا إلى مراكز الثقافة الرئيسية في العاصمة أو غيرها وبعد غياب لنا، إذ لا تسعف بعضَنا دائماً وسائلُ السفر لنكسب فسحة من راحة وزيادة في معرفة مع الصحبة ومن نعرف، فذلك الغياب مشكلة مَن هم مع سكنهم في الأطراف البعيدة لهم ظروفهم، وإن واجههم اللوم أو العتب ممن لم يدركوا واقع الحال. ورغم هذه الإشارة، لا نعدم التواصل مع من نلتقيهم من الزملاء عندما يسمح الظرف بذلك.ويبقى السؤال حول موضوع هذه العجالة، فذلك جانب من تداعيات قديمة وفدت إلى الذاكرة ذات لقاء مع أستاذ رفيع القدر والتهذيب هو د.يوسف بكار من خلال جلسة جاءت صدفة معه وبحضور مجموعة من الأصدقاء، وكنا نظن أن تلك المناسبة لن تطول، ففي مطلعها توجه الحوار نحو فضاءات الشعر الجاهلي وما عَلق في البال لديّ من مستور زمان غائب يخصني ومن طرف حديث أعادني إلى العام 1976 وسيرة التبادل الثقافي بين الأردن والمغرب وإلى ندوة هناك في معهد محمد الخامس التابع لإقليم أغادير حيث كنتُ مدرّساً هناك.وفي تلك الندوة وقع في سمعي ما أشعرني بالضيق وأثار حفيظتي، وهو يخص أستاذنا الكبير د.ناصر الدين الأسد -أطال الله في عمره- الذي كان محط جانب من تلك الندوة.وقد أشار إليه المنتدون وإلى منهجيته في كتابه عن مصادر الشعر الجاهلي وعلاقته بكتاب د.محمد نجيب البهبيتي (تاريخ الأدب العربي في نهاية القرن الثالث الهجري) في طبعته الثالثة التي تلت الطبعة الثانية وقبلها الأولى في العام 1951. وهذا الكتاب واسع الانتشار في المكتبات المغربية، وكان للمنتدين إصرار على إدانة الأسد، وهم يتبنون وجهة نظر البهبيتي وكلامه الذي يلوم فيه الأسد وما يُقال من أن الأسد استلب من كتابه نحو خمس وعشرين صفحة دون أن يوثق ذلك.. إلخ.وبعد انتهاء الندوة ذهبت مسرعاً إلى «خزانة» (مكتبة) المعهد الذي كنت أدرّس طلبتي فيه فاستعرت كتاب البهبيتي الذي أسهب في صفحات منه حول عمل الأسد، وبأسلوب جارح ومباشر في آن.وفي تلك الجلسة مع د.يوسف بكار أشرت إلى ما جرى، فعاد ليتناول الموضوع بتحليل موسع وبحسّ الأكاديمي المدرك ومنهجيته، فكان رائعاً بحق وكَبُر قدره لدي. وكم تمنيت والمخيال يأخذني بعيداً إلى المغرب، لو أن بكار كان بين أولئك المنتدين، لزادَ الندوة قدراً وهيبة. أجل، لم يتوقف الوقت بين يدَيّ الأستاذ الفاضل عند حد ما قيل، إنما اتسع الحديث معه بعفوية عجيبة إلى مدارات أخرى في عالم الثقافة وهو يشاركنا بتلطفه بما نطرحه والزملاء من أسئلة كأننا نقيم ندوة طارئة تُعرّج على اتجاهات ذات قيمة ومنها مفهوم التناص الذي أشار محدثنا الكريم إلى أنه «التحويل» عند «كرستيفا»، الأديبة البلغارية المقيمة في فرنسا، إذ تراه مثل «أسد في نسيجه خراف».ومع أستاذنا الجليل، مال الحديث إلى أسماء اقتربت من مواضيع متشابكة لتحوم حول الطيب صالح وغسان كنفاني ونزار قباني ونازك الملائكة والشعر الحر وقصيدة النثر.ولما حطت على الجلسة رباعياتُ الخيام، أفاد أستاذنا بأن تلك الرباعيات قد تُرجمت مرات ومرات وعلى مدار ست وخمسين ترجمة، وهو يدرك ما أحاط بحياة صاحبها المسلم السنّي من أقاويل مغايرة وتُلصق حياةَ الرجل بالكأس.لقد أفاض علينا الأستاذ بكار بخواطره وما ترجمه من اللغة الفارسية التي يجيدها وقد عايشها في إيران.ودون أن نشعر بأثر الوقت، أعادنا الأستاذ بكار ومن خزائنه الثرية، إلى د.إحسان عباس وبما اطّلعنا عليه لنرى أن أستاذنا هو إحسان عباس نفسه.. وفي البال ما نعلمه أيضاً عن مؤلفات د.يوسف بكار وقد أحصاها وذكرها د.سليمان الأزرعي، إذ تجاوزت اثنين وخمسين كتاباً، وإن زادت جهوده في مجالات ثقافية أخرى. ويكفيه ما ذكره الأزرعي، من أن أحد تلك الكتب (وهو «اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري») كان من المراجع المهمة لطلبة قسم اللغة العربية في جامعة دمشق حين كان الأزرعي طالباً في تلك الجامعة أواخر ستينيات القرن المنصرم.مَن يطّلع على كتب أنجزها د.يوسف بكار، لا يسعه إلا أن يقف إكراماً واعتزازاً وتقديراً لمكانة هذا الرجل الذي أثرى المكتبة العربية بنفائس ما لديه، تلك المأثورات والكتب الرائعة التي لم تكن مثل قصاصات لغيره وتتكئ على غيرها بأسلوب ما.مرة أخرى نسأل: كيف يأخذنا النسيان بعيداً عن أصحاب الإنجاز والفضل وهم أعمدة بحقٍّ في فضاءات الإبداع والتميز؟التحيّة للأستاذ د.يوسف بكار الذي لم ينصفه آخرون في زمن الشِّلَل والمحاصصة.. إنه عالِم ذو مرتبة جليلة في عالم الأدب ولم تشدّه يوماً أضواء الإطراء وسلوكات المُصانعة، إنما اكتفى بما يقدِّم وما لديه من تواضع العلماء..
ذاكرة التراث
12:00 7-12-2012
آخر تعديل :
الجمعة