هزاع البراري - بهجت طبارة عسكري مؤسس، ورجل أمن محترف، ترك ذكراً طيباً وتاريخاً مشرفاً، وقد ارتبط بالهاجس القومي التحرري منذ صباه، وعايش في سبيل ذلك أحداثاً جساماً، وواجه تحديات كبيرة، فخرج منها، قوي الإرادة متمتعاً بخبرة حياتية وعسكرية كبيرة. استطاع بفضل عزيمته وقابلية العالية في التعلم والإجادة، وضع بصمته الخاصة على أكثر من مرحلة من المراحل التي مرت بها الأردن والمنطقة بشكل عام، وقد دفعه انتماؤه للأمة العربية، وإيمانه بحقها في الحرية وتقرير المصير، أن يبني الهدف الذي سعى من أجل المساهمة في تحقيقه طوال حياته، فهو ابن الحواضر العربية، جوالاً بسلاحه وفكره ويقظتها دفاعاً عن هذه الثغور العربية، فلقد توزعت سنوات عمره بين الأمكنة الممتدة من ساحل البحر الأبيض إلى ضفاف الرافدين، حتى استقر في عمّان عاصمة الدولة الأردنية. كان الفريق بهجت طبارة أول من نهض بمسؤولية مدير مديرية الأمن العام.مما فرض عليه القيام بجهود تأسيسية وتنظيمية كبيرة لهذا الجهاز المهم، وقد بدأت نواة جهاز الأمن العام منذ تأسيس الإمارة، بعد تشكيل أول حكومة لشرق الأردن، حيث تم تأسيس قوة من الدرك وكتيبة الدرك الاحتياطية بالإضافة إلى الكتيبة النظامية وقوة الهجانة، وعين علي خلقي الشرايري مستشاراً للأمن والانضباط، وفي شهر آذار 1922 تم تغيير اسم هذا المنصب ليصبح مديراً للأمن، وعين رشدي الصفدي فيه بدلا من علي خلقي الشرايري، وفي عام 1927 أنيطت مهمة الأشراف على الأمن العام، الذي يعد حينها جزءاً من الجيش بمساعد قائد الجيش للأمن العام، وقد شكلت قوة البادية لحفظ الأمن في البادية والأردنية عام 1930، حيث تم تجنيد عدد من رجال البدو في هذه القوة، وكان من مراكزها الاجفايف والأزرق والجفر والمفرق.بقي الأمن العام مرتبطا بالجيش حتى 14 تموز عام 1956 عندما صدر قرار بفصل الأمن العام عن الجيش، ليكون مديرية مستقلة، بهدف تطويره وتوسع مهامه، وقد عين على رأس هذا الجهاز، ليكون أول مدير لمديرية الأمن العام، وكان في ذلك الحين برتبة أمير لواء، وقد وصل الأمن العام إلى هويته الاعتبارية المكتملة عام 1958 وتم ربطه بوزارة الداخلية. ومن أجل تكريس مسيرة هذا الجهاز على أسس قوية، صدر قانون الأمن العام رقم 38 لسنة 1965، لينظم مهام وواجبات الأمن العام وهيكليته، بذلك تقدم هذا الجهاز خطوات واسعة حتى صار على ما هو عليه اليوم من جهوزية واحترافية مشهودة.ولد بهجت طبارة عام 1895 في مدينة بيروت بلبنان، وهو بذلك لبناني الأصل ينتمي إلى عائلة طبارة التي تعود بنسبها إلى المغرب، وهو من القبائل العربية التي شاركت في فتح المغرب قادمة من الحجاز، وقد استقروا في الأندلس كونهم أمراء حرب، وبعد ذلك نقلوا إلى المغرب واستقروا فيه، وقد رحل نفر منهم إلى بيروت وطرابلس منذ القرن الحادي عشر للهجرة، لأسباب دينية وتجارية، وأصبحت عائلة طبارة عائلة بيروتية عريقة، تنتشر في مناطق عدة منها، وتتصل بآل طبارة في مدينة طرابلس، كما انتشرت عائلات من آل طبارة في سوريا والأردن.نشأ طبارة في بيروت ودرس في مدارسها، وقد تربى على القيم الإسلامية والقومية العربية، حيث أفاد كثيراً من المناخ العلمي والعروبي الذي ساد في تلك الفترة، الذي تبناه كثر من رجال عائلة طبارة، منهم الشيخ محمد بن يحيى طبارة، وهو أحد مؤسسي جمعية المقاصد الخيرية في بيروت، وكان عضواً في محكمة استئناف الحقوق بولاية بيروت وله مؤلفات عديدة، وقبله عدد من شيوخ الفقه والإفتاء والخطابة، أما الشيخ أحمد طبارة فقد كان مناضلاً وسياسياً، حرر جريدة « ثمرات الفنون « وأصدر جريدة « الاتحاد العثماني « وقد نادى مع عدد من المفكرين العرب بمحاربة الظلم العثماني الذي طال العرب، وطالب باللامركزية، ويقظة العرب ووحدتهم، وهو المناخ الذي نشأ به الفريق بهجت طبارة، فقد أنهى دراسته في بيروت، والتحق بعدها بمدرسة التعليم العسكري في اسطنبول، مما اضطره لمغادرة بيروت باتجاه عاصمة الدولة العثمانية، وكانت اسطنبول تستقطب خيرة الشباب العربي المتعلم، وكان التحاق عدد منهم بالجيش العثماني، أمراً لا بد منه في ظل وجود التجنيد الإجباري المفروض على العرب.لاحظ التمييز بين الأتراك والعرب، وتواصل مع أصحاب الفكر التحرري، من شباب ومفكرين عرب، وقد تأثر بفكرهم، وآمن بضرورة تغيير الواقع إلى الأفضل، وكان تلميذاً عسكرياً متفوقاً، حيث تفوق على كثير من أقرانه الأتراك، وكانت تجربته في اسطنبول غنية بالنسبة له، فقد نهل من الثقافة المتنوعة فيها، وصار على دراية جيدة بما يدور في الدولة والعالم من أحداث، ولعل ذلك كان مخزونه لقادم الأيام، فقد أهله للتقدم في حياته العسكرية والمدنية، وكفل له التميز والنجاح في كل الموقع والأماكن التي خدم فيها، وهو بذلك قد أتقن الاحتراف في كل أمر تصدى له.بعد تخرجه في مدرسة التعليم العسكري في اسطنبول، أصبح ضابطاً في الجيش العثماني عام 1915، وكانت الدولة العثمانية تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية، وتراجعاً كبيراً في مختلف المجالات، وبعد خدمته في مواقع عدة للجيش، عين قائداً للحامية التركية الثانية المرابطة في مدينة بغداد العراقية، وكانت البلاد العربية الباقية تحت حكم الأتراك تستعد لإعلان ثورتها الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي، وهو حلم طالما راوده منذ دراسته في اسطنبول، فقد عمل على استغلال أول فرصة سانحة من أجل الانضمام لجيش الثورة، الذي دخلت القواته العربية إلى دمشق، ورفعت علم الثورة العربية على الدوائر الحكومية، واستمرت جيش الثورة يطارد فلول الأتراك إلى ما بعد حلب. وتم تشكيل الحكومة العربية في دمشق.وقد انضوى طبارة تحت راية الحكومة العربية، خاصة بعد أن تولى الأمير فيصل عرش سوريا، حيث كان ضمن الجيش الفتي لهذه الحكومة العربية الناشئة، غير أن المؤامرة الغربية واتفاقية سايكس – بيكو أدت إلى سقوط هذه الحكومة، في أعقاب خسارة العرب لمعركة ميسلون مع الفرنسيين، فعانت منطقة شرق الأردن من فراغ سياسي وإداري، فقد كانت تتبع الحكومة العربية في دمشق، فوجه أحرار العرب رسالة للشريف الحسين بن علي، لإيفاد أحد أنجاله لقيادتهم من أجل حماية شرق الأردن ومواجهة الأطماع الغربية، فأرسل الأمير عبد الله الذي وصل معان عام 1920، وقد أنضم إليه الفريق بهجت طبارة مع عدد كبير من رجالات الأردن وأحرار العرب، وانتقل معه إلى عمان، حيث أعلن الأمير عبد الله بن الحسين عن قيام إمارة شرق الأردن عام 1921.التحق بهجت طبارة بالجيش الأردني الفتي، وكان واحدا من ألمع ضباطه، وقد أهله تميزه ليكون مرافقاً لجلالة الملك لفترة من الوقت، وقد تسلم رئاسة بلدية مدينة نابلس عام 1957، وقبل ذلك عندما تم فصل الأمن العام عن الجيش عام 1956، أصبح الفريق بهجت طبارة أول مدير لمديرية الأمن العام، وكان له بذلك السبق في ريادة التأسيس، وقد وظف في سبيل ذلك خبراته العسكرية والأمنية والحياتية، ومن المناصب التي شغلها أن عين محافظاً للعاصمة عمان، وعندما أحيل على التقاعد، صدرت الإرادة الملكية بتعيينه عضواً في مجلس الأعيان عام 1960، وكان قد أصدر في عام 1931 كتاباً بعنوان « الشرطة والدرك والجيش منذ عهد الإمارة « أرخ فيها لهذه الأجهزة المهمة وبين أهدافها وواجباتها وتشكيلاتها المختلفة.خلال خدمته في مجلس الأعيان وقبل اكتمال الدورة البرلمانية للمجلس، توفي يوم 27 كانون الثاني 1962، وشكل فقده خسارة كبيرة، حيث ودعت الأردن واحداً من رجالاتها الأحرار المخلصين، الذي سيبقى في الذاكرة الوطنية حياً لا تغيب ذكراه.hbarari54@hotmail.com
بهجت طبارة.. أول مدير للأمن العام
12:00 26-11-2012
آخر تعديل :
الاثنين