د. جلال فاخوري

تعتمد نظرية اللعبة أو الصراع بين أطراف اللعبة على تحليل إستراتيجية مواقف الصراع، أي اعتماد إستراتيجية أحد الجوانب بشكل عام على توقعات الجانب لإستراتيجية الجانب الآخر وذلك للتمكن من أقصى فرص الحصول على نتائج ملائمة وعليه يكون من الضروري وضع مجموعة من القوانين أو القواعد المعقولة للتصرف. لقد بين أصحاب نظرية اللعب أمثال مارتن شوبيك وفون نيومان وجون ماكدونالد ومايلز كوبلاند وغيرهم وجود وضعين أو حالين للعبة العلاقات: الحالة الأولى هي حالة ناتج الصفر والثانية هي حالة تاريخ اللاصفر. وبمعنى آخر فإنه في الحالة الأولى يكون ربح دولة على حساب دولة أخرى وعليه يمكن أن تكون الفائدة مقبولة بين الدول المتصارعة على أساس مبدأ الحد الأدنى للفائدة القصوى التي يكون فيها الجانب الضعيف قادراً على الإستجابة لأدنى حد من الخسارة. أما في موقف اللاصفر ونظراً لأن الفائدة المتوخاة غير محددة فيمكن زيادتها باللجوء إلى الأسلوب التعاوني الذي لا يسمح بالصدام بين المتصارعين وهو موقف تتوزع فيه ثمار الربح نتيجة التعاون. إن اللجوء إلى نظرية اللعبة في العلاقات بين الدول تجنب الدول صراعات الحروب وغالباً ما يلجأ صناع السياسة إلى نظرية الصفر لانها أكثر فاعلية في تجنب الحروب ومع القليل من الحذق السياسي والمهارة في اللعب يمكن تحويل هذا الموقف إلى جانب اللاصفر وهذا ما ينقص الكلفة المطلوبة للإستعادة الدائم في لعبة الصراع. والشاهد المطلع على نظرية اللعبة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب تجاه المبادرة العربية يلاحظ حرص جميع من يحكم إسرائيل على لجوء إسرائيل إلى موقف الصفر الذي تكون فيه أية أرباح إسرائيلية هي على حساب الجانب الفلسطيني خاصة والعرب عامة. فالحسابات الإسرائيلية تخضع عادة لقواعد تؤدي إلى التنبؤ بما ستكون عليه القرارات ونتائج هذه القرارات. ولعبة العلاقات أشبه ما تكون بلعبة البوكسر أو البريدج أو الشطرنج التي لا تتخذ فيها القرارات إلا بعد دراسة وافية ومستفيضة لكي تؤول إلى نتائج إيجابية . فإسرائيل في خطاب رئيس وزرائها أخيراً كانت تضرب بشدة على أعصاب العرب والفلسطينيين لتتمكن من إستيعاب الإستجابة لردود الأفعال على الطرح الإسرائيلي. إن إسرائيل تعلم دوماً وفي كل الظروف أن طروحاتها لا يمكن أن تكون مستجابة أو إيجابية لدى الجانب العربي كما أن المبادرات والطروحات العربية ليست إيجابية لدى إسرائيل. لذلك فلجوء إسرائيل إلى لعبة العلاقات خاصة في جانبها الصفر هو لجوء إلى إطالة أمد اللعب والذي لا يؤيد إلى فوائد مقبولة. فما معنى أن يكون خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي أخيراً خاليا من أية إيجابية يمكن قبولها عربياً؟ فرئيس الوزراء يعرف مسبقاً أن العرب سيرفضون الطرح، وهو بذلك يضع الكرة في السلة العربية بدل أن تكون في السلة الإسرائيلية، وقد حقق بعضاً من طروحاته التي قبلتها الولايات المتحدة وأوروبا ورفضتها روسيا. ولعل اللافت للنظر أنه في الوقت الذي تتبنى فيه الولايات المتحدة وقف الإستيطان بما فيه الجانب الطبيعي من النمو تقبل الدعوة الإسرائيلية لعدم رفضها قيام دولتين مما يعني معه أمراً خطيراً من قبل الولايات المتحدة إما أنها لم تفهم الطرح الإسرائيلي وهو ما لا يمكن الحكم على الولايات المتحدة وبهذا الجانب وإما أن الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي حول هذا الطرح قد يسهلّ مهمة الولايات المتحدة في إقناع العرب والفلسطينيين بقبول الطرح الإسرائيلي على أية حال فسواء قبل العرب أو رفضوا الطرح الإسرائيلي فإن النظرة الأمريكية للسلام العربي الإسرائيلي ستبقى مرفوضة لأنها دعوة لا تحمل معنى للسلام بل زادت الطين بله. ولنا أن نلاحظ أن التوجه الأمريكي نحو التعامل مع حماس يحمل أمريكا على الإعتقاد أنها قد تضع حماس بمشروع إسرائيل. إنها لعبة العلاقات التي قد لا تؤدي إلى فائدة وهي كذلك للآن، ويمكن للمرء أن يلاحظ أن اللعب الدولي غير مستقر فمثلاً نشجب ضرب الديمقراطية والحرية في إيران ثم نعود للقول أن ما يجري في إيران شأن داخلي وأن الشعب هو الذي يقرر وقد قرر وفي أفغانستان تدخل الولايات المتحدة معارك طاحنة وترفع أعداد جيوشها بشكل استثنائي ضد طالبان ثم تقول إنها تريد من طالبان دخول الحكومة. فهل بعد الآن يمكن للمرء أن يتنبأ بما يحصل يومياً وتغير سياسات ولعب خبيث في العلاقات: إنها لعبة السياسة والعلاقات الدولية. أليست كذلك؟.