إبل عبد الله بن عمر وبيت مال المسلمين
12:00 19-9-2009
آخر تعديل :
السبت
إبل عبد الله بن عمر وبيت مال المسلمين
كان اللقاء والحديث في الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة يوم الاثنين 13/9/2009 يدور حول الحالة الاقتصادية في البلاد ومواطن الخلل فيها وإجراءات الدولة لمواجهتها والتغلب على ما تخلفه من مشاكل. كان اللقاء واحدا في سلسلة لقاءات تناولت الأسباب الاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والإدارية لظاهرة العنف المجتمعي عندنا كما عاشها المواطنون مؤخرا.
وكان من أبرز ما تناوله المحاضر والأعضاء المشاركون دور الدولة المجتمعي الذي بدأ الجميع يرون ضرورة العودة إليه كما عرفناه قديما. وهو الدور الذي كادت تودي به سياسات السوق المفتوحة.
لقد بنت الدولة الأردنية بقطاعها العام، بالدرجة الأولى، وبسواعد أبنائها، إنجازات كبيرة ما تزال حتى اليوم على حالها، لم يزد عليها كثيرا القطاع الخاص بعد استفراده بالسوق، إثر تراجع دول الدولة المجتمعي وحلوله محلها، منذ عقدين من الزمن. لقد قيل أن دور الدولة التقليدي يشجع على فساد الإدارة، وأن سياسات السوق الحرة، بالمقابل، كفيلة بالبناء الأكثر فعالية بأقل التكاليف.
لكنهم يتوقفون عن الحديث عن الفساد غير المنضبط الذي يصاحب سياسات السوق وما رأيناه من دكتاتورية رأس المال وقدرته على مصادرة كل شيء لصالحه بما فيه سياسات الدولة وقراراتها وإرادتها إذا فكرت بحماية مواطنيها ضد الاحتكارات وأساليبها في الهيمنة المطلقة.
هذا بالإضافة إلى قدرة هذه الاحتكارات على فرض حالة من التعتيم على كل نشاطاتها بما فيها تعيشها على ما بناه غيرها والادعاء بأن بعض النجاحات المشهودة هي من صنعها. وقد سمحت أشكال التغول الجديدة بالإثراء غير المشروع، وإساءة استخدام السلطة والتعسف بأدواتها، وما صاحب الحالة الناجمة عن ذلك من فقر وبطالة وفقدان ثقة بسيطرة القانون وغضب عام وعدم استقرار، وميل لدى الناس- مواطنين وجماعات وعشائر- لأخذ القانون بأيديهم للحفاظ على حقوقهم وربما للاعتداء على حقوق الآخرين.
كثرت الاقتراحات بشأن الحلول الممكنة، لكن قصة من التاريخ، كانت الأبلغ فيما يجب البدء به، وهي قصة إبل عبد الله بن عمر، امير المؤمنين.
تقول القصة أن الخليفة عمر بن الخطاب كان في جولة تفقدية له في المدينة، إذا رأى إبلا سمانا بهية المنظر تشكل مع الإبل الضعيفة حولها تعارضا غير طبيعي: ابل سمينة جميلة وأخرى جلد على عظم لا تقوى حتى على حمل نفسها.
سأل الخليفة: لمن الإبل؟'' فقيل له، ''هي لعبد الله بن عمر، ابن أمير المؤمنين.'' فبش الخليفة وأخذ يردد معجبا: ''بخ... بخ!!!'' حتى جاءه عبد الله بن عمر مسلما، فسأله الفاروق: '' أهي لك!!'' فأجاب عبد الله، ب'' نعم يا أمير المؤمنين... اشتريتها بحر مالي وأحببت ان أترزق بها.'' فأمره الخليفة ببيعها واسترداد رأسماله، وإعادة الفضل لبيت مال المسلمين. وفسر أمره قائلا: ''لقد سمنت لأنها إذا تزاحمت الإبل على المرعى، قال الناس اتركوها، فهي أبل ابن أمير المؤمنين؛ وإذا تلاحمت على السقيا، قيل اتركوها، فهي أبل ابن أمير المؤمنين. لقد سمنت من حق الناس في المرعى والسقيا، فالناس أحق بما كسبت. بعها وأعد لبيت المال ما لبيت المال.'' كانت قصة عظيمة جاء أمر الخليفة عمر بن الخطاب من خلالها لنا نحن كما لو كنا نحن المقصودين دون غيرنا؛ كما لو أنها قد قيلت أصلا لنسترجعها اليوم علنا نستطيع الاهتداء بمبادئها.
ولو حصل ذلك لما تحولنا إلى ما يشبه مجلس إدارة لمجموعة من الشركات العائلية والوطنية التي لا هم لها سوى الربح المادي ومراكمة الثروة على حساب الوطن.
لم تبن هذه الشركات الوطن لتستحوذ على مقدراته؛ ولا كانت إبل أصحابها سمانا حينما هلوا بها على الوطن، بل كانت جلدا على عظم تتعثر بنفسها لا تكاد تبقي ظهرا ولا تقطع أرضا. وها نحن نراها وقد سمنت فجأة حتى بلغت الملايين الكثيرة بل البلايين. لم يبنوا شيئا فوق ما بنى الناس الذين يقفون اليوم أمام أبواب تغلق في وجوههم، ما لم يتدخل سيد البلاد صاحب الجلالة الملك المعظم فيأمر كما فعل أخيرا حين منع رفع اسعار المياه والكهرباء التي كانت مرفوعة فوق رؤؤس العباد بانتظار الانتهاء من شهر رمضان.
نتمنى أن نرى بيت المال يستعيد ما هو حقه مما له بين الناس. ولو فعل، لما كنا لننوء بحمل ضائقة اقتصادية ومالية واجتماعية وسياسية، يكاد يمنعنا ثقله من اللحاق بالاخرين.