10 سنوات على رحيل «أسد محمد قاسم» الشاعر نموذج البطل الدرامي

10 سنوات على رحيل «أسد محمد قاسم» الشاعر نموذج البطل الدرامي

وليد سليمان - جاء وصف أسد محمد قاسم لمدينة اربد في خمسينيات القرن الماضي، قوله: «كانت بلدة نظيفة فيها مجموعة من المقاهي، يتمتع المرء أن يجلس فيها كمقهى (الكمال) وكانت الجلسة في المقهى تساعد على القراءة والكتابة إذ كان الناس في تلك الأيام، أكثر بساطة ودفئاً في العلاقة الإنسانية».في اربدوفي إربد قام أسد قاسم بتأسيس نادي (اليرموك) مع بعض أصدقائه، في شقة بعمارة «سعد جمعة» في شارع الهاشمي، بجوار مقر «الإخوان المسلمون»، ولم يكن نادي اليرموك ناديا رياضيا وحسب، بل ثقافيا تلقى فيه المحاضرات الثقافية، وتقام الأمسيات الشعرية، والندوات السياسيّة أسبوعياً..، ويشكّل الإخوان المسلمون في هذه الندوات نصف الحضور في الغالب، وكان (واصف الصليبي) وهو مثقف وطني، ومن مدرسي مدرسة إربد الثانوية واحداً من الذين يحاضرون في النادي عندما كان مديرها الأستاذ (سيف الدين الكيلاني) .. كذلك الأستاذ (عبدالعزيز الخياط) أستاذ اللغة العربية والدين، وقد أصبح فيما بعد عيناً في (مجلس الأعيان)، كان من المحاضرين في هذا النادي، مما جعل لتلك المدرسة دوراً بارزاً في الحياة الثقافية خاصة من خلال مجلة (صوت الجيل) التي كانت تصدر بجهود مجموعة من الأقلام التي أصبح أصحابها فيما بعد أعلاماً في الثقافة والأدب مثل أديب عباسي وعمر فائق الشلبي (الذي لو أُنصف لكان بحق رائد القصة القصيرة في الأردن.. والأستاذ حسني فريز، وأسد محمد قاسم والمحامي محمود المطلق وماجد غنما وعيسى الناعوري وفدوى طوقان ومصطفى زيد الكيلاني وسعيد التل ومحمود سيف الدين الإيراني ومحمود العابدي وروكس العزيزي والدكتور منيف الرزاز ومحمد أديب العامري وصلاح أبو زيد وسليمان الحديدي وعبدالرحمن منيف ونايف أبو عبيد.محمود عيسى موسىويتابع الناقد الأدبي يوسف حمدان في كتابه الجديد بجزئه الثاني «هواء لنافذة أخرى» حول هذه الشخصية الصارمة في آرائها وحياتها قائلاً: «ولعل ما كتبه صديقه الأديب محمود عيسى موسى عن أعماله الأدبية هو ما يعطي الصورة الأوضح والأكثر دقة وشمولاً لوضع هذه الشخصية الفذة في اطارها اللائق.. إذ يقول: وعندما حدثت نكبة عام (48) تعرضت عائلة أسد لما تعرضت له عائلات الشعب الفلسطيني من تقتيل وتشريد، واحتل اليهود بلدتهم في 16/7/1948 حيث كان أسد في الصف الثالث الثانوي.. وآل تشريد العائلة إلى لبنان إلى «بنت جبيل» بالتحديد، فأقاموا تحت زيتونة خمسة أيام، ثم انتقلوا إلى «رياق» في سوريا حيث أقاموا في مخيم ثم في المزة.وفي العام 1949 أكمل أسد «البكالوريا» بعدها انتقلت الأسرة إلى الأردن لتستقر في مدينة إربد التي فضلها والد أسد تمشياً مع مصلحته التجارية في تجارة الأغنام ما بين الأردن وفلسطين في فترة ما قبل الـ48، وبسبب العلاقة الحميمة التي نشأت بينه وبين عائلة (التل) عندما كان يتردد على إربد بين الحين والحين.مدرس في العدسيةلم يدرس أسد محمد قاسم بعد البكالوريا في الأردن بل عمل مدرسا في بلدة العدسية لمدة سنة واحدة وكانت العدسية بالنسبة لأسد محطة توعية في حياته، عندما تعرف فيها على (البهائية) من خلال العجم الذين كانوا يسكنونها.. فقال «عشقت.. فتعلمت الفارسية» وهدفه كان من تعلمها أن يقرأ (عمر الخيام) بلغته الأصلية.. ولعل قراءة الكتب التي كان يشتريها من مكتبة الهلال «مكتبة صقر نصير» خلال اقامته في العدسية هو ما اتاح له الاستفادة من وقته، فقرأ للفيلسوف نيتشه كتبه مثل: إرادة الحياة وهكذا تكلم زرادشت.. الخ.وكان الهَمّ الوطني وقضية فلسطين الرابط الذي يجمع الجميع في العام 1950 ومن خلال قراءاته الكثيرة والمتنوعة وجد أسد في الفكر الاشتراكي الماركسي ما اقنعه بحقيقة الجدوى لحل المشكلات الإنسانية ومنها المشكلة الفلسطينية فاختار الانضمام للحزب الشيوعي وهو حزب كان في ذلك الوقت محظورا لحظة تشكله في العام 1951 في الاردن.في عمانوكان لأسد محمد قاسم علاقات مع رموز الحركة الوطنية في الأردن وقد عمل لمدة ستة اشهر في عمان حيث تعرف على كل من عبدالحليم النمر، عبدالله الريماوي، عبدالله نعواس، عاكف الفايز، سعيد العزة، وقد صدرت في تلك الفترة جريدة (الميثاق) التي كان يرأس تحريرها سليمان النابلسي بإدارة فايز الروسان، وكان محمود المطلق وشفيق ارشيدات يعملان فيها محررين، بينما عمل أسد مدققا بالإضافة إلى عمله في دائرة الأراضي.. وكان الجميع يطلعون على اشعاره ويعملون على تشجيعه وتحفيزه.جريدة الأردن.. جريدة الجزيرةكان في سن الخامسة عشرة عندما بدأ أسد يكتب الشعر حيث كتب قصيدته الأولى في الغزل بفتاة جميلة من «صفد» قال في مطلعها:نامت عيون العاشقين جميعهاإلا عيونك لم تنم وعيونيوعندما سمع أستاذه محيي الدين الحاج منه القصيدة شجعه واثنى عليه فاندفع إلى قرض الشعر الذي أتاح له الأستاذ قراءته أمام الطلاب مما حفزه على مواصلة النظم الشعري.واشعار البدايات 1949 - 1952 كانت كلها تدور حول نكبة فلسطين وكان ينشرها في جريدتي «الأردن» و»الجزيرة» الأردنيتين، بالإضافة إلى ما كان يرسله إلى الإذاعة الأردنية.هذا مع العلم أن كثيرا من نصوصه ما زال محفوظا في «بودابست» عاصمة المجر التي عمل في إذاعتها العربية، وقبل ذلك كان قد استقر به المقام لعدة سنوات في تشيكوسلوفاكيا, ومن قبل في بيروت ودمشق والعراق وذلك بسبب ظروفه السياسية.. لكنه عاد إلى الأردن في العام 1992 ليستقر في مدينة اربد حتى توفاه الله في العام 2002 وهو في عزلة طوعية!!في رثاء عراروادرك أسد محمد قاسم «عرار» في اشهره الأخيرة, وكان عرار يعاني المرض وادخل على أثره إلى المستشفى الطلياني في عمان وبعدها فارق الحياة.. ومشى أسد في جنازته, وكان من المعجبين به, وحفظ الكثير من اشعاره لفرط تأثره به, وأنشد على ضريحه قائلا: عفواً ابا وصفي يعذبني اسىحيران بين الصمت والاجهارشاهت معايير الحياة فزينتخرز اليمين كحلية ليسارسأدب صوتا علّ (طمس) تجيرنيو(جديس) ترسل كلمة استنكارملهم الروائيينكان في حياته ومسيرته الإبداعية والكفاحية ملماً للعديد من الروائيين العرب الذين اتخذ العديد منهم حياة أسد محمد قاسم وشخصيته نموذجاً للبطل الدرامي, وتجلى في (الطروسي) للروائي حنا مينه السوري, وفي (الأوبرا والكلب) لعلي الشوك العراقي, وفي (شيخ العشاق) لعلي التل الأردني المقيم في لندن, وقد صدرت هذه الرواية باللغة الإنجليزية.. وفي (أعاصير في بلاد الشام) و(حب في بلاد الشام) لناديا خوست السورية.شخصيات أخرىوفي هذا الكتاب البحثي والنقدي يرصد الناقد والشاعر يوسف حمدان المسيرة الإبداعية لكل من الأدباء الأردنيين: يوسف ضمرة, خليل قنديل, زياد عودة, ديانا ابو جابر, مريم الصيفي, عائشة الرازم.. ولشخصيات من خارج الأردن مثل: ليلى عثمان, فروغ فزخزاد, فرانسواز ساغان.. جاكلين آخر زوجات بيكاسو.. ثم في باب آخر يستعرض قارئاً وناقداً لعدد من كتب مختارة مثل: أدب الأطفال في الأردن لأحمد المصلح, لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة لمايكل كايذرس.. ثم هناك باب آخر للحديث ولنقد بعض المسلسلات الدرامية الأردنية القديمة وهي لكل من: بشير هواري في رحلة عذاب, وطاهر العدوان في وجه الزمان, ورياض سيف في التراب المر, وإبراهيم العبسي في رياح الليل ووجوه وأقنعة, ومحمود الزيودي في المحراث والبور, واحمد عودة في الفرح المنسي.وفي الختام يضع المؤلف بعض المقالات التي كتبت حديثاً عن ذكريات ضوضاء الريح لكل من رشاد أبو شاور ونضال القاسم ووليد سليمان ود. حسين جمعة ووفاء الحيوك ووفاء التميمي.