ياسين الجيلاني - للضحك دلالاته الاجتماعية والنفسية والبيولوجية، وله- ايضا - دلالاته الدينية
والخلقية ، باعتباره ظاهرة» سيكو – فسيولوجية» ، لها آثارها الايجابية على العقل الإنساني وسلوكه، ،تقضي عن كون الضحك شرا، وما ينجم عنه من الخرافات والمحرمات والعصيان والظنون السيئة التي تحيط به.
..والضحك وسيلة فاعلة، تحقق للإنسان ضرباً من الاتزان بين قواه الحيوية ووظائفه العضوية. وهو كظاهرة إنسانية يدخل في صميم تكويننا البيولوجي باعتبارنا بشراً، وانه في معظم الحالات لا ينطوي على معاني الطرد والاستبعاد، بل على معاني القبول والاستحسان، كما جاء في كتابات وآراء ومواقف الحكماء والرسل والأنبياء، وباعتباره تعبيراً عن حالة الابتهاج أو الغبطة والسرور.
الحكيم لا يضحك
يقول علماء الأخلاق: «إذا كان الضحك ظاهرة عامة إنسانية، فإن الحكيم لا يضحك إلاّ وهو يرتعد! إن الضحك رجس من الشيطان، فهو شيء من أخصّ خصائص الإنسان! والضحك أيضاً في جوهره تناقض: فإنه دليل العظمة اللامتناهية من جهة ولكنه كذلك دليل الشقاء اللانهائي من جهة أخرى»! وهذا العالم النفسي برجسون Bergson يقول : «إن الضحك ضرب من المرارة التي تكشف عما في الطبيعة البشرية من خبث وشر وسوء نية... أما اللورد شترفيلد Chesterfied، فقد كان ينهى أبناءه عن الضحك العامي المبتذل قائلاً لهم: «لست أحب أن يراكم الناس إلا مبتسمين، ولكنني لا أحب أن يسمعكم الناس ضاحكين»، والبسمة هنا علامة الترفع والارستقراطية، بينما الضحكة هي دليل على الضعة والعامية والابتذال!. ولعل من هذا القبيل أيضاً، ما يروى عن الملك فيليب الثالث من أنه لم يضحك طوال حياته، اللهم إلا مرة واحدة (ولو أنها كانت ضحكة ملية تليق بجلالته، فقد ضحك عند قراءته لرواية دون كيشوت Don Quichotte.
عبد الناصر .. لم يضحك يوماً
يؤرخ عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أنه لم يضحك يوماً، إلا بعد تأميم قناة السويس، وأن السادات ضحك بعد تحطيم خط» بارليف «وانتصاره في حرب (6) أكتوبر، أما حسني مبارك، فقد كان يضحك باستمرار!؟.
أما عباس العقاد في خاتمة رسالته عن الضحك فقال: «قُلْ لي مِمَّ تضحك، أقل لك من أنت».
وإزاء هذه الدلالات المختلفة للضحك، يجدر بنا أن نقف وقفة تحليلية عند دلالته الدينية والخلقية، لنتبين من خلالها مواقف الأديان السماوية الثلاثة منه، وهل الضحك يحمل في ذاته العليا صبغة أخلاقية لها دلالاتها الاجتماعية، أم أنه سلوك مجاف للأوضاع الاجتماعية دون أن يكون مع ذلك منطوياً على أدنى صبغة لا أخلاقية.. أم أننا نذهب مع بعض علماء الدين وحكماء الأخلاق الذين استمطروا اللعنات على الضاحكين والمازحين وأهل الفكاهة؟
خلو التوراة من كل روح فكاهية
لاحظ الفيلسوف الانجليزي «هويتهد» خلو التوراة من كل روح فكاهية فقال: «إنه ربما كان السبب في انعدام الفكاهة تماماً في كتابات اليهود الأقدمين، أن شعب إسرائيل كان مضطهداً معذباً فكان هبوطه النفسي عاملاً مهماً من عوامل انصرافه عن الضحك والفكاهة، ويقول هويتهد أيضاً: «إن الضحك لهو فضيلة إلهية، وإنه لأمر خطير بالنسبة إلينا نحن شعوب أوروبا الشمالية أن تكون الأديان العبرية خالية تماماً من كل صبغة فكاهية. وأن سليمان الحكيم قد قرر في أمثاله أن: للضحك وقتاً وللبكاء وقتاً. ولكننا نراه يعود فيقول في سفر «الجامعة» إن في الضحك مساً من الجنون.
... وفي الديانة المسيحية؛ لم يذكر عن السيد المسيح عليه السلام، أنه ضحك يوماً في حين نص الإنجيل على أنه بكى ثلاث مرات! ولئن كان القديس بولص قد أوصى المسيحيين في إحدى رسائله «بأن يفرحوا في كل حين إلا أنه – كما قال رينان – لم يكن يعرف حتى لغة الابتسام!.
أما الكاتب الكاثوليكي الشهير «لامينه» فقد اشتط في حكمه على الضحك حتى لقد كتب يقول: «إن الضحك ينطوي في جميع الحالات على حركة تبدأ من الذات وتنتهي إلى الذات، يستوى في ذلك أن نكون بإزاء ضحك السخرية القاسي المرير. أم ضحك اليأس المليء بالفزع والخوف، أم ضحك الشيطان المهزوم الذي يصر مع ذلك على المقاومة، فيلوذ بكبريائه الغاشمة التي لا تلين، أم ضحك الأبله والمعتوه...الخ». والضحك عموماً لا يكسب الوجه على الإطلاق أي تعبير من تعبيرات التعاطف أو المشاركة أو المودة، وإنما هو يشيع القبح في أكثر الوجوه انسجاماً، ويطمس معالم الجمال في أبهى القسمات!. فالضحك هو صورة من صور الشرّ، لا لأنه يعبر عنه تعبيراً مباشراً، بل لأنه يكشف عن موطنه ويزيح النقاب عن مُسْتَقَرَهُ.
روّحوا القلوب ساعة ..!
.. تشدد حكماء العرب في النهى عن الضحك المبتذل، فقال قوم منهم «ليكن بدل الضحك عند الإيناس تبسم وبشر، فإن التبسم دعابة، وهذا أبلغ في الإيناس من الضحك، الذي قد يكون استهزاءً وتعجباً، ولكن العرب قد فطنوا إلى أن المزاج ينقي عن النفس ما طرأ عليها من سأم ويزيل عن القلب ما ألمّ به من هم، لا بد للمصدور أن ينفث.
وفي الإسلام، روي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو أملك الخلق لنفسه، أنه تبسم حتى بدت نواجذه، وأن نبينا المصطفى قال: «روّحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّتّ عميت. وقال عليه السلام: «الضحك ضحكان: ضحكٌ يحبه الله، وضحكٌ يمقته الله، فأما الضحك الذي يحبه الله فالرجل يُكشِّرُ في وجه أخيه حداثة عهد به وشوقاً إلى رؤيته.
وأما الضحك الذي يمقت الله تعالى عليه، فالرجل يتكلم بكلمة الجفاء والباطل ليُضحك أو يضحك، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً. إن الله سبحانه وتعالى – ليضحك إلى ثلاثة: للصف في الصلاة وللرجل يصلي في الجوف الليل وللرجل يقاتل . ويذكر الحسن البصري في كتابه «أدب الدين والدنيا» في معرض الحديث عن مزاح الرسول أن عجوزاً من الأنصار أتته فقالت: يا رسول الله أُدع لي بالمغفرة فقال: «أما علمت أن الجنة لا يدخلها عجوز؟ فصرخت، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «أما قرأت من القرآن قول الله عز وجل «إنا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكاراً عُرُباً أتراباً؟!.
... ولكن نبي الله الذي كانت دعابته على هذا النحو، كان يمزح ولا يقول إلا حقاً. كذلك روي عنه صلوات الله عليه أنه قال: «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه».
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «إذا ضحك العالم ضحكة، مجّ من العلم مجة، وقال بعض البلغاء «من قل عقله كثر هزله».
المعايير السلوكية الجمعية
الضحك ظاهرة انسانية بحتة، أو قل إن الضحك هو الانسان نفسه أو مقياس للإنسان، ولكن بعض ضروب الفكاهة، قد تنطوي على ازدراء واستخفاف بالمبادئ الأخلاقية أو سخرية من القيم الدينية .. فليس بمستعبد أن يكون ضحكنا في بعض الحالات على حساب المبادئ الاخلاقية، او أن يكون هزلياً قائماً على التضحية ببعض المعايير السلوكية الجمعية.. وبأن بعض النكات الشعبية والرسوم الهزلية والصور الكاريكاتورية قد تخفي وراءها شيئاً من الاستخفاف بالقيم الروحية ،كالنكات التي تدور حول الجنة والنار والحياة الأبدية والرسل والأنبياء.
إن إزدياد اقبال الأفراد والشعوب على الفكاهة. قد يقترن بازدياد قسوة المعيشة، مما يدلنا على أن الضحك قد يكون فناً تبتدعه النفس البشرية لمواجهة الفساد الإداري والمالي من جهة، وشدة وقسوة وغلاء الأسعار والفقر والبطالة والحرمان من جهة أخرى، وقد يصبح الضحك وسيلة فاعلة لتحقيق ضرب من «الصحة العقلية» لدى الفرد أو المجتمع، لو أنه استطاع أن يحمل في طياته، على أن يكوّن عن الواقع صورة صافية، لا تكدرها وساوس أو عداوات أو تصفية حسابات أو تحزبات، أو آراء أخلاقية مُسبقة أو أفكار اجتماعية مُبَتَسَرة.