توجهت السفارة المصرية إلى جاليتها في الأردن بتوجيهات لعدم التواجد نهائيا في أماكن المسيرات التي انطلقت في عمان يوم الجمعة، وطلبت من رعاياها الإلتزام «حرفيا وتماما تعليمات وتوجيهات السلطات الأردنية في هذا الشأن، وذلك للأهمية القصوى.»، تصرف سليم ويحسب للسفارة التي نأت بمواطنيها عن قضية إشكالية تخص شعبا شقيقا.
الخبر ليس في تعميم السفارة المصرية، ولكن في الرسالة الضمنية التي يحملها، مع الانتباه إلى أن صحيفة الأهرام الأولى في مصر، والتي تخضع كغيرها من الصحف القومية لسيطرة الإخوان المسلمين، نشرت ذلك التعميم، بما يعني لهواة القراءة بين السطور، أن الإخوان في مصر ينأون بأنفسهم على الحراك الأردني، ويضعون النقاط على الحروف بأن التجربة الأردنية لا يمكن أن تكون مشتقة من تجربتهم، أو موازية لها.
الإخوان في الأردن لا يمتلكون المبررات الموضوعية للتجييش على الطريقة المصرية، وليس ثمة مجال للمقارنة بين أوضاع الأردن وأي دولة أخرى في الربيع العربي، ولعل ما يحظى به الشعب الأردني من شروط معيشية يتفوق كثيرا على ما حظيت به شعوب الربيع الأخرى.
البعض لن يعجبه ذلك للأسف، ومن منظور سوداوي سيبدأ بمقارنة الأردن بقطر أو الإمارات أو الكويت، ولكن المعادلة الصحيحة، هي مقارنة الأردن بالدول غير النفطية، والخروج من أوهام دولة الرفاه التي يطالب بها البعض، فالأردن يقارن عمليا بسوريا ولبنان وتونس وإلى حد ما بالمغرب، ويمكن أن تقارن، مع التحفظ الشديد، بمصر.
مصر شهدت انهيارا نوعيا وكميا في جميع أدوار الدولة في العقود الأخيرة، وتحولت إلى دولة عشوائية بالكامل، تغول الفقر لم يكن القضية الأولى والملحة، ولكن سطوة الأجهزة الأمنية والتعذيب وامتهان الكرامة الذي يمكن أن يمارسه أصغر مخبر في أمن الدولة تجاه المواطنين، وكان دخول أحد أقسام الشرطة لتسجيل الجوازات بالنسبة لنا كطلبة أردنيين في مصر تجربة مريعة، فنشاهد الهوان الجماعي الذي يخضع له المصريون من اعتداء بدني ولفظي ممعن في احتقاره لقيمة الإنسان.
أجهزتنا الأمنية لا تتكون من ملائكة، ذلك صحيح، ولكنها على الأقل تتعامل بصورة راقية مع المواطنين، ويمكن مراجعة شهادات الأردنيين ممن عاشوا في مصر والعراق وسوريا وعن كيفية تعامل الأمن مع المواطنين في تلك الدول.
لقد تقدمنا إصلاحيا كثيرا، ليس منذ بداية الربيع العربي، وإنما خلال عقدين ونصف من الزمن، فربيعنا بدأ منذ 1989، وأتذكر عندما انتقلت للدراسة في الأردن في منتصف التسعينيات أن الناس كانوا يحذرونني من التحدث بأي رأي سياسي أمام زملائي في الدراسة، وحتى سائقي الأجرة، ولكنهم كانوا يحملون أفكارا قديمة، اليوم يمكن للجميع أن يعبر عن رأيه، وبصورة مفتوحة، هل ذلك مرتبط بالربيع العربي، لا، هذه المسألة أصبحت أمرا واقعا في السنوات الأخيرة.
مقارنة أخرى ضرورية، مع الانتفاضة الأولى، انطلقت في عمان مظاهرات مساندة للشعب الفلسطيني أخذ بعضها نبرة عالية في الاحتجاج، وكانت منطقة الرابية تشهد حفلات من غيوم الغاز المسيل للدموع، وبعد ذلك بسنوات، كان الأمن يقوم بمساندة مظاهرات الأردنيين الكبيرة التي انطلقت لمساندة الفلسطينيين أيام العدوان الإسرائيلي على غزة، في الوقت الذي جرى فيه قمع المتظاهرين المصريين الذي خرجوا للسبب ذاته.
الخروج إلى المظاهرات في العامين الأخيرين تحول إلى نزهة، ولم يكن ينقص في بعض المناسبات إلا أن يقوم الأمن العام بتقديم الورود للمتظاهرين، بينما كان متظاهرون احتلوا وول ستريت يسحلون في الشوارع!!! حققنا مكتسبات كثيرة، ولكن هناك من يريد سرقتها، فهل ندافع عن مكتسباتنا، أم نعيد الأمر كله إلى المربع الأول؟