نضال حمارنة - لم أكن يوما مغرمة بالحقائب ، ولازلت أعتبرها همّا ثقيلا يضاف إلى هموم الحياة ، مع ذلك أراني أكدّس شتى أنواع حقائب السفر في غرفتي ..ولا أتخفف منها .. فهاجس الترحال يلاحقني . في طفولتي غادرت بلدي ، ومرت السنوات وانا المسافرة عبر بلاد كثيرة حتى غدوت امرأة من عواصم تنام بجوار حقائبها .. وتتأقلم بسلاسة مع أرضها الطارئة . أكره الحقيبة النسائية – الجزدان – بعاطفة شديدة ، وأحملها مضطرة لأنها تحتوي قيد نفوسي ورقمي الوطني وبطاقة انتمائي النقابي – رابطة الكتاب – والموبايل ..الخ ، وما أحبه فيها مجموعة أقلامي وكراستي الصغيرة . فالحقيبة عبء لابد منه في حياتي كما في حياة تلاميذ مدارس العالم .بصمات فنون الزمن عبر القرون ومع نشوء الحضارات ظهرت الحقيبة ، ثم صنفت حسب استعمالاتها وأحجامها ، وحملت بصمات فنون الزمن الذي صنعت فيه . فحقائب الصفوة لها جمالياتها ، والحقائب الشعبية لها حُسن بيئتها ، أما القباحة فتكمن في الأنواع البازارية والمقلدة . حقائب الإنسان الأول من جلد الحيوان الطبيعي ، وفيما بعد صنعت من الخشب والمعادن المتوفرة ، وعندما تخفف العالم من ارستقراطية الفخامة عادت الحقيبة الجلدية الى الصدارة مع البلاستيكية والقماشية لخفة وزنها ومرونتها وتعدد استعمالاتها .. للرياضيين للشباب للموسيقيين . ثم ظهرت السامسونايت حقيبة رجال الدولة ورجال الأعمال والبنوك . وقد أسّر لي سائق يعمل على طريق السفريات :» بعرف الراكب من شنتّو .» حقائب المبدعين أعطى الشاعر محمود درويش تأويلاً رمزياً لافتاً لحقيبته بحيث برزت دلالة الشتات في ثنائية – الوطن ، والمسافر - . وربما احتفظ ادوارد سعيد بالحقيبة التي حملت امتعته من القدس إلى القاهرة ومن بعدها إلى أميركا . أعتقد أن الشعراء الطلقاء ومنهم أرتور رامبو ومصطفى وهبي التل لم يحملوا حقائب ، وإنما منحوا أقدامهم حقوق الترحال عبر دروب لا نهايات لها ، يدخلون الأماكن الجديدة وكأنهم ساكنوها ، ويتواشجون مع شتى أنواع البشر ، وينتمي إلى هؤلاء الطلقاء أيضاً الروائي المغربي محمد شكري . وتختلف حقيبة الطبيب الشاعر ابراهيم ناجي عن حقائب أطباء عصره ، فخلف سماعته وعلب الإبر الطبية بضع أوراق لضرورة القصيد . أما حقيبة الشاعر نزار قباني الدبلوماسي المخضرم تنطق أناقة وترتيباً ، وتحفل بالأوراق وربما الكراسة المليئة بعطر الياسمين والورد الدمشقي .محفوظ تخلّى عن حقيبته نهائياً أظن؛ أن الروائي نجيب محفوظ كان قد تخلّى عن حقيبته نهائياً بعد أن رفض الملك أحمد فؤاد التوقيع على منحته الدراسية – دكتوراة في الفلسفة – في جامعة باريس لأسباب غريبة . فيما بعد وطوال حياته؛ كان يرفض السفر خارج مصر ، حتى أن ابنتيه تسلمتا جائزة نوبل بدلاً عنه .كاتم صوت في حقيبة الرزاز وربما وضع مؤنس الرزاز كاتم صوت في حقيبته، يوم غادر دارته في جبل اللويبدة إلى عمان الغربية .. وهناك استبدل الصوت بغزارة الانتاج الأدبي . وإذا تابعنا أسفار المغترب الأزلي غالب هلسا نجدها – تحت طائلة الاضطرار- كان يغادر مبعداً أو مطروداً أو ملاحقاً ، فهو المسافر بدون حقائب . لم يأبه الشاعر بول ايلوار ملاحقة النازيين له وهو يحمل قصائده في حقيبته السوداء ، ليلصقها فوق جدران أحياء باريس في عتمات الليل . وأتصور أن حروف قصائد الشاعر سان جون بيرس العابر للقارات تعبق منها روائح الفواكه الإستوائية الطازجة ، وأن حقيبته نديّة ملونة بخيوط شمس المحيطات . أما الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث فقد حملت في حقيبتها وهي تغادر إلى لندن حشرات والدها ونباتاته ، وظلت لدغات الحنين تلاحقها إلى اللحظة التي وضعت فيها رأسها في فرن غاز مطبخها تستنشق آخر نسمات الحياة المسمومة . تخلّى المهاتما غاندي عن حقيبته بعد أن عاد من بريطانيا إلى وطنه ، مكتفياً بمعزة وحفنة ملح ، يجوب بهما أرض الهند ، يحرّض الناس بروح صابرة على نيل الاستقلال.حقائب قذرة بعض المهن القذرة تحتاج إلى حقائب تشبهها ، وعادة ماتلزمها حقيبتان ، فالقاتل المأجور لديه حقيبتان الأولى لسلاحه المفكك المخفي والثانية لثمن القتل . كذلك المُرابي وتاجر السلاح والمخدرات .. حقائب هؤلاء تفوح منها رائحة الدماء البريئة بلا توقف .
السائق قال لي : «بعرف الراكب من شنتّو»
12:00 26-9-2012
آخر تعديل :
الأربعاء