كثير من الشعراء يمكن أن يوصفوا بالحكمة، ولكن في الأدب العربي لا يمكن أن يقترب شاعر من مكانة الفيلسوف إلا أبو العلاء المعري، وعلى الرغم من أن ابن سينا قال الشعر إلا أنه يتعذر أن يوصف بالشاعر لما في أبياته من تكلف وفقر فني، ولم يكن الجانب الفلسفي من شخصية المعري يظهر في قصائده الشعرية فقط، وإنما يتجلى في كتاباته المنثورة أيضا، ومن أهمها رسالة الغفران التي يصور فيها رحلة افتراضية يقوم بها ابن القارح الأديب المعاصر للمعري إلى الفردوس والجحيم حيث يلتقي بشعراء كان مصيرهم الفردوس لأنهم حضوا على الأخلاق الطيبة حتى لو لم يدركوا الإسلام مثل زهير بن أبي سلمى ولبيد بن أبي ربيعة، ومن شعراء العصر الإسلامي، ويلتقي في الجحيم بشعراء مثل امرئ القيس وطرفة بن العبد وعمرو بن كلثوم ممن عرفت قصائدهم بالتهتك والمجون. من المؤكد لدى دارسي الأدب المقارن أن الشاعر الإيطالي الكبير في عصر النهضة دانتي اليجري استفاد من فكرة رسالة الغفران، أو اطلع على أجزاء منها قبل أن يؤلف الكوميديا الإلهية، حيث تتطابق فكرة الصعود إلى السماء والوصول إلى الفردوس والجحيم والتعرف على الشخصيات المعروفة في العصور القديمة والحديث معها، إلا أن المحصلة المعرفية العامة لرسالة المعري تبقى متفوقة على الكوميديا الإلهية، فهي شملت الحوارات حول الشعر والأدب والبلاغة والقواعد اللغوية، وكذلك الأخلاق وفكرة الوجود والغاية منه.
رسالة الغفران
12:00 4-8-2012
آخر تعديل :
السبت