آخر مرة التقيت بالمرحومة السيدة المقدسية فاطمة البديري ''أم مهدي'' التي غادرتنا قبل أيام كان قبل حوالي عام في منزلها بجبل عمان حيث كنت وأحفادي وزوجتي في زيارة (سوق جارا) القريب من منزلها الذي يشبه تحفة معمارية وفي موقع تاريخي ومعروف بجبل عمان مطل على قاع ووسط المدينة: شارع الملك طلال وشارع الملك حسين وشارع الهاشمي وفي مواجهة جبل القلعة وجبلي الاشرفية والجوفة.
أتذكر في هذا اللقاء الودود والطيب والقصير والذي جاء بالصدفة وبلا موعد مع (أم مهدي) وبعد أكثر من عام من رحيل زوجها وأستاذنا المرحوم عصام حماد (أبو مهدي).. أصّرت هذه السيدة المقدسية الرائعة على دخولنا منزلها.
وقصة معرفتي بالأستاذ عصام حمّاد والسيدة فاطمة البديري كانت قبل 25 عاماً، ويجب أن تذكر ومعركة انتخابات رابطة الكتاب على الأبواب في هذه الأيام، ففي العام 84 من القرن الماضي تعسّر قبولي عضواً في هذه الرابطة والأسباب أعرفها جيداً، فقد احتار ''المتنفذون'' فيها آنذاك إلى أي فصيل سياسي انتمي مع انني كنت مستقلاً، وعندما اسأل سكرتير الرابطة(...) ولأكثر من مرة: ما مصير طلبي وهل نظرت فيه لجنة العضوية، فكان جوابه بالنفي والسبب أن طلبي المسكين ضائع؟!.
هاتفت الأستاذ عصام حمّاد، رئيس لجنة العضوية في الرابطة (والذي كان يكتب مقالاً أسبوعياً في زاوية ''سبعة أيام'' وأنا في زاوية ''وراء الأحداث'' في ''الرأي'') متمنياً اللقاء به فرحب بي مؤكداً أنه سيكون في انتظاري غداً في الساعة الثانية عشرة ظهراً في الدار الأردنية للنشر التي كان مديراً عاماً لها.
في اليوم التالي التقيت بالأستاذ (أبو مهدي) الذي كان ينتظرني وزوجته (أم مهدي) على رصيف دار النشر هذه بجبل عمان، كلاهما في قمة نشاطهما ولم يدخلا كما يبدو أبواب الشيخوخة بعد، رحبا بي أجمل ترحيب رويت لهما ''قصة'' فقدان طلبي لقبولي أو رفضي لأكون عضواً في رابطة الكتاب باعتبار أبو مهدي رئيساً للجنة العضوية فيها.
آسف أبو مهدي وزوجته لما حدث معي وتناول على الفور سماعة الهاتف وتحدث مع سكرتير رابطة الكتاب اياه وسأله عن طلبي، وهل هو مفقود حقاً، وبعد أقل من خمس دقائق جاءه الجواب: ان الطلب موجود، فقال له: ضعه على رأس طلبات العضوية في اجتماعها القادم والذي كان مقرراً بعد ثلاثة أيام من ذلك اللقاء العتيد.
وفعلاً عُقد اجتماع لجنة العضوية برئاسة (أبو مهدي) وقُبلت عضواً في الرابطة وابلغني المرحوم بذلك وبعد انتهاء الاجتماع بدقائق.
لقد توالت لقاءاتي فيما بعد بالأستاذ أبو مهدي والسيدة أم مهدي والحديث كان يطول ويحلو عندما كانا يتحدثان عن عملهما في اذاعات القدس وعمان ودمشق وبرلين وذكريات عن حارة الياسمين بنابلس وقد تعلمت منهما الكثير الكثير.
أبا مهدي وأم مهدي.. ناما يا صديقي الرائعين كما تشاءان بهدوء وسلام، فالشر يهطل حولنا، كالمطر والنفوس قد اثخنتها جراح النفي والغربة الرحيل وقهر الأعداء، أودعكما بدمعة حرّاء هي دمعة الوفاء، وعزائي لمهدي ومهند ولديكما وعائلتي حماد والبديري، وكلنا على الدرب سائرون.