قال لي صاحبي الذي أشبهه من وجوه عدة «وأنكره من وجوه عدة، إني نظرت في أدب المرأة نظرة طائرة لم تتوقف إلا عند العناوين، وعندما يبدو لأول النظر من موضوعات تصخب بها الأقلام والحناجر، ثم إني نظرت نظرة «سابرة» مستأنسة تلبثت فيها حتى أمكن لي ان أقرأ ما بين السطور، وأن أعود بالكلام الى مظانه في طوايا الأنفس وتعاريج الأذهان، فوجدت ان كل أدب المرأة مرتهن بالرجل، وأن الرجل هو أفق المرأة الذي لا أفق غيره في كل ما تكتبه، على حين ان للأدباء من الرجال آفاقا متراحبة وانهم يردونها بما هم عقول ووجدانات تريد لتحقق حضورا كونيا بعيدا عن ثنائية الرجل والمرأة، تلك التي تبدي النساء وتعيد في إطارها إلا حالات «نادرة» تكون صاحباتها قد أشربن روح الرجال: قلت لصاحبي وقد أدركت خطورة ما تتضمنه فكرته عن أدب المرأة: انك لتضع نفسك في مهب ريح سوف تضرب عليك بالأسرار، لما ستحاصرك به من اتهامات بالرجعية والتخلف وبما سيواجهك من ضروب الزاوية لما تنكبته من طرائق التجديد وانفتاحات المتجددين.قال لي: ما بالك اذن لو أنني قلت ما قاله العقاد من ان الموهبة الأدبية (والإبداعية عموما) قلما تطرق للمرأة بابا واننا ومنذ فجر التاريخ وعلى كثرة النساء اللواتي فجعن بأبنائهن أو أزواجهن أو آبائهن أو إخوانهن فإننا لا نجد لهن في شعر الرثاء باعا ولا ذراعا بل ما بالك لو ذهبت مذهب من يقول ان ما لوحظ في كتابة المرأة شيء من الابداع الا وأمكن في زعم بعض المشتغلين بالعلوم، ان نرد ذلك الى أثر الهرمون الذكوري في تكوينها.قلت حسبك أيها الصديق فانني أراك لا تتحدث حديثا موضوعيا بقدر ما تتوخى الاثارة والتماس أسباب للاستغراب فما ثم فارق في الملكات بين الرجل والمرأة واذا كنت قد استشهدت برأي للعقاد كتبه في العشرينات من عمره فانك قد لا تعلم ان له رأيا آخر أورده في كتابه العظيم (المرأة في القرآن الكريم) وهو رأي لو كنت استيقنته لكنت رجعت عما في كلامك من شطط وتطرف، ولكنت أنصفت المرأة بما هي انسان كامل الانسانية كالرجل تماما، ان لم تكن تفوقه في جوانب شتى من هذه الانسانية التي يتنازعانها كل بحسب تكوينه الذي فطره الله عليه.قال صاحبي: انني لا اصدر فيما قلته الا عن هذا التكوين الفطري الذي انهيت حديثك بالاشارة اليه واني ليشاركني كثير من العلماء الرأي ان ثمة فارقا بيولوجيا بين الرجل والمرأة، يوجه ملكات كل منهما في سبيل مختلفة، وان كون دماغ المرأة اقل حجما من دماغ الرجل له صلة بهذا الاختلاف وان المسألة ليست شططا ولا تطرفا ولكنها توصيف علمي واقعي، فضلا عن انها لا تعد حكم قيمة على أي من الكائنين المتكاملين اللذين هما الرجل والمرأة.قلت اما ان دماغ الرجل اكبر حجما من دماغ المرأة فلا يعني ذلك ان تفكيره أوسع بضرورة أو أعمق او أدق من تفكير المرأة، بل ان حماقات الرجال وأوهامهم الذكورية تحول في الغالب بينهم وبين ان يستعملوا ربع هذا الحجم من الدماغ، على حين أننا لا نعدم في النساء من يدفعها تكوينها الى استنفاذ اقصى طاقات دماغها على نحو تخلف فيه مئات الرجال وراءها في العقلانية، والذكاء، والتحوط وسائر العمليات الذهنية.ثم ان الله سبحانه وتعالى يقول عن الرجال والنساء:(بعضكم من بعض) ويضع على قدم المساواة، أعمال المؤمنين والمؤمنات والصابرين والصابرات والقانتين والقانتات والصابرين والصابرات والسائحين والسائحات والذاكرين لله كثيرا والذاكرات، فكيف تأتي انت اليوم فتتجاهل ذلك كله وتخرج علينا بمثل هذا الكلام الذي لا يصمد لا لاول النظر ولا لمستأنفه؟قال صديقي وقد بدا عليه الضجر: ان هذا حديث يطول وانني في عجلة من أمري ثم حمل نفسه ومضى لطيته.
أطروحة ودفع
12:00 24-6-2012
آخر تعديل :
الأحد