محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

عن «رصيف 81».. مرة أخرى

عن «رصيف 81».. مرة أخرى

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ

رسمي أبو علي - صديقي الشاعر محمد لافي، آخر إنسان أود الاختلاف معه، وكنت سأتجاوز الأمر لو كان شخصيا، لكنْ هناك أمران لا يمكن أن أجامل فيهما: الفن والسياسة.
وأصل الحكاية أن حواراً أجراه القاص محمد جميل خضر مع الشاعر محمد لافي، نشره «الرأي الثقافي» (4/5/2012)، تحدث فيه لافي عن طفولته، وعن شعره، وعن أشياء كثيرة، وكل هذا كان جميلا، إلى أن تحدث عن «الرصيف» قائلاً: «ثمة أرصفة عبثية ليس لها هدف ولا جدوى، أرصفة ليس لها علاقة بالنضال وليس لها علاقة بأي بعد عام، فعندما، على سبيل المثال، تنشر مجلة (الرصيف) في عددها الأول أو ربما الثاني قصيدة عنوانها (قصيدة الماء) وتحت الحنفية وعاء ماء، فماذا يعني هذا؟ وكذلك الأمر عندما يكتب رصيفي آخر في قصيدة ما: (البحر طبق كبير من حساء السمك)».



ويستطرد لافي قائلا: «رصيفي أنا رصيف الناس المنتمين المناضلين الحقيقيين الذين أصبحوا على رصيف المهمشين والذين توالت خساراتهم.. إلخ».
هنا، ولدى حديثه عن «الرصيف»، والمقصود «رصيف 81»، وعني شخصيا، كوني صاحب تلك القصيدة، فإنني أرى أن لافي ارتكب أكثر من خطأ، حتى لا أقول «خطيئة»، إذ ظهر وأنه لا يعرف شيئا عن تلك الحركة الثقافية الثورية الأصيلة، كما بدا أنه لا يستطيع أن يدرك الوسائل التي استخدمتها لدفع نظرية «الرصيف» إلى الأمام.
أولا: من الغريب أن يظهر لافي كأنه لا يعرف شيئا عن حقيقة «الرصيف» غير انطباعه السريع الكسول بأنه «رصيف عبثي»، فظهر هنا كأنه لا يعرف الفرق بين الوجه والقناع..
لقد كان لافي في «الفاكهاني» عندما أصدرنا «الرصيف»، بعد أن مهدت له مع التونسي الصافي سعيد ببيان وزعناه مجانا في «الفاكهاني» ببيروت، حمل عنوانا صادما (المانفستو الجنائزي رقم صفر- نصوص مضادة- من أجل الإنسان اللاعب- العمل، الفن، اللعب)، استوحينا فيه أفكار ماركس عندما كان شابا وشاعرا، وكان «المنافستو» بمجمله هجوما كاسحا ضد مفهوم المؤسسة، والمقصود المؤسسة الثورية الفلسطينية آنذاك، والتي رأينا أنها أصبحت مترهلة، سلطوية، فوق بيروقراطية، بحيث أخذت بابتلاع الثورة نفسها.. هنا تحركنا عبر نظرية «الرصيف» لتصحيح هذا الخلل الخطير.
لافي كان موجودا هناك، وكان يعمل في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على ما أذكر، أما نحن –الرصيفيين- فكنا نرابط في مقهى «أم نبيل» في قلب الفاكهاني، ومع طول مرابطتنا هناك أصبحنا معروفين للجميع، حيث كان يزورنا هناك أعداد غير محددة من الشباب والشابات مستطلعين أو فضوليين أو متضامنين. الجميع زارنا في مقهى «أم نبيل»، وعدد من القيادات أرسلت جماعتها لاستكشاف الأمر، غير أن لافي لم يقم بزيارتنا ولو من باب الفضول ومحاولة فهم الأبعاد الحقيقية لهذه الحركة الثورية التي كانت مختلفة نوعيا عن كل ما كان سائدا في «الفاكهاني» من أفكار وثقافات. ولو فعل ذلك لأدرك أن تحت ما ظنه سخرية وعبثا، تكمن نظرية مستقبلية جديدة تماما في الثورة.
صحيح أننا لعبناها ساخرين وعبثيين، وكان هذا جزءا من حيوية الشباب وطباعهم، لكنه كان أيضا نوعا من تمرير النظرية دون أن يتم الفتك بنا منذ البداية. إن نظرية «الرصيف» هي نظرية الربيع العربي تماما.
يزعم لافي أن «رصيفه» هو «رصيف المناضلين الحقيقيين..»، وربما كان هذا صحيحا في بعض نصوصه الشعرية، لكن الفيصل هنا هو الممارسة وليس الادعاءات الشعرية..
وعلى مستوى الممارسة، أود أن أذّكر صديقي محمد لافي، أنه كان واحدا –وعلى مدى سنوات- من أبرز الشعراء الذين دعموا حركة الانشقاق الفتحاوية العام 1982 والتي قادها أبو خالد العملة وأبو موسى ضد ياسر عرفات، وكان هذا الانقلاب المسلح –وكان كاريكاتيرا على كل حال- مدعوما مباشرة وتماما من المخابرات السورية.. ولا أريد أن استطرد في الحديث عن ذلك الانقلاب الفاشل الذي دعمه لافي، إذ كان واحدا من هيئة تحرير نشرة كان يصدرها التنظيم المنشق..
وسؤالي هو: هل لمن دعم انقلابا كهذا، أن يكون «رصيفيا» منحازا للمهمشيين أم مساندا لمجموعة هوجاء من العسكر الذين كانوا مجرد أدوات في يد المخابرات السورية؟
كنت في دمشق في تلك الفترة، ورغم الضغوط الهائلة التي مورست ضدي لدعم ذلك الانقلاب الأخرق، إلا أنني بقيت رصيفيا متمرسا هذه المرة في مقهى الروضة في حي الصالحية، مستمتعا بإطلاق القهقهات المدوية مع صديقي الرصيفي «أبو روزا وولف» الذي كان قد عاد لتوه مع معتقل «أنصار».

 «حساء السمك»
أشار لافي إلى قصيدة أقول فيها:
«لا أدري لماذا يكثرون من الحديث عن البحر
مع أنه في رأيي ليس إلا طبقا شاسعا من شوربة السمك».
وعدّ لافي هذه القصيدة –رغم أنه أوردها مفككة تختلف عن الأصل بصورها وإيقاعاتها- نموذجا عبثيا لـ «أدب الرصيف». هنا أيضا أطلق لافي حكما سريعا متعجلا، وهنا أيضا لا بد من توضيح بعض المسائل، إذ إننا أصدرنا عددين فقط من «رصيف 81»، قبل ان ينشق الشاعر علي فودة وينفرد بإصدار المجلة بعد أن تلقى تشجيعا ودعما ماليا من «أبو عمار».
وعلى هامش المجلة، كنت أنشر قصائد في الصفحات الثقافية لصحيفة «النهارط التي تولى تحريرها الشاعر الإشكالي الكبير، صديق «الرصيف»، شوقي أبي شقرا الذي كان معنا «على الخط» بشكل أو بآخر..
كانت تلك القصائد أشبه بحرب عصابات ثقافية تحت شعار «اضرب واهرب»، أما قصيدة «حساء السمك»فقد كنت أعرف أنها تحتوي على طاقة استفزازية، ولكن ضد من؟ ضد هؤلاء المرضى بعشق السلطة عموما.. السلطويون وأضرابهم في الأحزاب والتنظيمات الثورية، والذين كانت بيروت تعج بهم آنذاك..
كنت أدرك مدى حساسيتهم السلطوية، ومدى حساسية مخيالهم السلطوي، فكأنهم يقولون: «إذا كان البحر بجلالة قدره وإجماع الناس جميعا على احترامه ومهابته، قد تحول في نظر هذا الرصيفي إلى مجرد طبق شاسع من شوربة السمك، فكيف يكون الحال معنا؟». كنت أعرف أنني أضرب على قرون استشعارهم السلطوي المريض، وثبت أنني كنت على صواب، فبعد نشر القصيدة تصدى الشاعر القومي السوري غسان مطر فنشر مقالة في مجلة «الكفاح العربي» وصفنا فيها بأننا «مخربون وعملاء للإمبريالية وإسرائيل.. إلخ». هنا أيضا لم يستطع ذلك الشاعر أن يجرنا الى المهاترات، إذ كتبت ردا نشرته في «النهار» أيضا أخاطب فيه الشاعر المتقد غيظا أقول فيه:
«إذا كنت رأيت البحر طبقا شاسعا من شوربة السمك.. فلماذا أنت منزعج يا صديقي.. أتراك قريبه؟ أم محاميا وكلك للدفاع عنه..».
هكذا كنت أخوض معاركي الثقافية: قهقهات وسخرية وعبث.. لكن ذلك لم يكن إلا قناعا..
وهكذا، عبر قصائد شعرية مكثفة كنا ننشرها في «النهار»، كنا نشن معركة «عصابات ثقافية» على البنية الفوقية الإبداعية لمجمل الإبداع الثقافي آنذاك، خصوصا الشعر، وتحديدا الشعر الغنائي الذي وجدناه غير مناسب إطلاقا في تلك المرحلة، إذ إن تلك المرحلة، كما هي المرحلة الآن، ليست مرحلة غناء وطرب وسلطنة، وإنما هي مرحلة مواجهة وصدام، ويجب أن تكون روح الشعب والإبداع صدامية، لا منتشية ومسلطنة..
هذا الأمر مسّ حساسية شاعرنا الراحل الكبير محمود درويش، الذي استفزه موقفنا، فكتب مقالته الشهيرة في «الكرمل»: «أنقذونا من هذا الشعر»، وأعاد نشره في صحيفة «السفير»، وكان ذلك في عام 1980 أو 1981.

 نظرية جديدة في الثورة
يجب التمييز بين المجلة التي أصدرناها وتحمل عنوان «رصيف 81»، وبين النظرية الثورية التي كان لي شرف صياغة خطوطها العريضة ضمن البيان الافتتاحي للعدد الأول من مجلة «رصيف 81».
أما المواد الإبداعية التي احتواها العددان الأول والثاني (شعر، قصة، مقالات)، فكانت متواضعة حقا، إذ إننا كنا في بداية المشروع، ولم يكن لدينا نماذج جاهزة لـ «ثقافة الرصيف»، ولهذا فإن الشاعر محمد لافي على حق حين يعرّض ببعض المواد التي نُشرت في هذين العددين، كالقصيدة الألمانية التي أشار إليها، فضلا عن تجارب أخرى قدمها صديق «الرصيف» د.عادل فاخوري تحت مسمى «العقيدة الإلكترونية».
لكن أهمية «الرصيف»، تكمن في كونها نظرية ثورية جديدة تختلف تماما عن جميع النظريات الثورية السابقة.
في البداية حرصنا على القول إننا مستقلون استقلالا كاملا ولا نلتقى تمويلا من أحد، إذ إن مصدر التمويل كان تبرعات بسيطة من أصدقاء ومؤيدين، وبهذا الصدد قلت: «ليس وراءنا أحد، وبعبارة أوضح، فإننا لا نقبض من أحد، ولذلك لا يحاولن أحد استخدامنا لهذا الخط السياسي أو ذاك، فنحن من هذه الناحية غير قابلين مطلقا للاستخدام».
وكانت «نظرية الرصيف» مستقبلية استشرفت الآتي، وتنبأت ضمنا بتفكك المجموعة السوفياتية قبل أكثر من عشر سنوات من تفككها، وقلت في «بيان الرصيف» إن العالم سائر إلى أن يكون أحادي القطب، وإننا سنكون الرصيف أو الهامش الذي يحاور هذا القطب ديموقراطيا.. وتحدثت عن الخيار الثالث من حيث طبيعة العلاقة بالغرب: لا قطيعة ولا تبعية.
كما نادينا بإنشاء تيار تلقائي يحدثه الرصيفيون المهمشون، وهاجمنا فكرة الحزب، لأن الحزب ذا الطبيعة الهرمية يستلب سلفا حرية الأعضاء، ولهذا يمكن عدّنا على أننا كنا فوضويين بالمعنى الثوري للكلمة، أي أن توكل مهمات الثورة إلى المنغمرين في النضال بشكل تلقائي وعفوي دون حزب يؤطر نضالهم، لأن الحزب في المدى البعيد سيتحول لا محالة إلى حزب بيروقراطي معادٍ للطبيعة الأولى للثورة، تماما كما حدث مع جميع الثورات الشيوعية والتحررية الوطنية، حيث آلت الأحزاب الثورية السابقة إلى أحزاب معادية للشعب بسبب مصالحها وتشبثها بالسلطة.
وباعتماد الفوضوية والعفوية وعدم اشتراط أي مؤهل ثقافي أو اجتماعي لمن يريد أن يساهم في عملية التغيير، أكدنا أننا لم نجعل من أنفسنا أوصياء على أحد، وتركنا للعملية الثورية أن تبدع أسلوبها التنظيمي في العمل دون أي مركزية، وهذا تحديدا يفسر غياب القيادة في جميع الانتفاضات التي تمت في الدول العربية ولكن بالتأكيد هناك قيادة مركزية –قيادة وليست زعامة- تعيد إنتاج الوقائع لحساب الجميع، ولا تعطي أي أهمية لمجدها الشخصي أو لشهرتها، أي أنها قيادة منكرة لذاتها حتى إشعار آخر.
والآن، وبعد مرور أكثر من عام على الانتفاضات والحراكات الشعبية في أكثر من خمس دول عربية، فإن ملامح هذا التحرك في الحالة النموذجية -حالة المسيرات السلمية- هي الملامح نفسها لنظرية «الرصيف» التي ناديت بها قبل أكثر من ثلاثين عاما.
عندما أتحدث عن حكايات «الرصيف»، فإنني أتحدث لا عن حكايات قديمة وذكريات، وإنما عن أمور تحدث الآن، وسوف تستمر في الحدوث مستقبلا ضمن منهج استمرارية الثورة دون توقف، إذ سيكون دائما هناك أسباب لاستمرارها، والثورة التي تتوقف ستدخل في الاستنقاع، وبالتالي ستصيبها أمراض الترهل والبيروقراطية وحساب المصالح، وعندها ستنقلب على أهدافها كما رأينا في ثورات كثيرة سابقة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress