على الرغم من أن الظروف الصعبة، القاسية، التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني، ومعاناته المثلثة جراء التمييز في مناطق الأحتلال الأولى عام 1948، ومن الاحتلال العسكري الاستعماري في مناطق الاحتلال الثانية عام 1967، ومن ظروف التشرد والأبعاد واللجوء في أقطار الشتات والمنافي، للجزء الثالث المحروم من وطنه ومن العودة إليه، فالمكونات الثلاثة إما محرومة من الوطن أو تفتقد للأمن والاستقرار والحرية داخل الوطن .
رغم ذلك، ورغم تفوق المشروع الأستعماري التوسعي الأسرائيلي، بشرياً وسياسياً وإقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً وإستخبارياً، وما يسببه ذلك من إطالة في المعاناة، والوجع، رغم ذلك، توقف الفلسطينيون بمكوناتهم الثلاثة في مناطق 48 ومناطق 67 وفي بلاد اللجوء والتشتت مستذكرين النكبة، وما حلّ بهم، مستوعبين دروس التاريخ، متمسكين بحقوقهم الكاملة غير القابلة للتصرف أو التبديد أو التلاشي، حقوقهم الثلاثة المترابطة، حقهم في المساواة في مناطق 48، وحقهم في الاستقلال في مناطق 67، وحقهم في العودة إلى الوطن من المنفى واللجوء واستعادة ممتلكاتهم المصادرة من قبل الدولة العبرية.
مظاهر التوقف عند النكبة، بعيداً عن التباكي، يعيد التأكيد، وبشكل متواصل وبارتفاع نسبة المشاركة واتساع قواعدها، على أن هذا الشعب الذي هزم هزيمته على حد وصف رئيسه أبو مازن، لن ينحني أمام الإسرائيليين ولم يستسلم لمشروعهم، بل إن التفوق الإسرائيلي شكل حوافز للفلسطينيين نحو المزيد من العمل، وبأدوات خلاقة، ووسائل مدنية، تزيد من حالة الارتباك والعزلة للمشروع الإسرائيلي الصهيوني، ومزيد من التعاطف والتأييد والإسناد لعدالة المشروع الوطني الفلسطيني .
إتساع دائرة المشاركة الفلسطينية يعود لسببين أولهما لأن خيار الفلسطينيين واحد لا ثاني له وهو خيار مواصلة النضال وتحقيق الانتصار في المساواة والاستقلال والعودة، وثانيهما لأن عدوهم الإسرائيلي لا يترك مجالاً للتغيير أو التبديل أو التراجع، فالطرح الإسرائيلي يزداد شراسة وعنجهية، مما يبدد الوهم لدى أي فلسطيني في البحث عن أي صيغة للتعايش مع الاحتلال والعنصرية والتشرد، ولذلك تزداد قواعد المشاركة الفلسطينية وتتسع شاملة المكونات الثلاثة، كل منها حسب ظروفها سواء في أراضي 48 أو مناطق67 أو في بلاد اللجوء والشتات والمنافي.
ثمة إقرار إسرائيلي، بحقيقة النكبة التي حلت بالفلسطينيين وعلى حياتهم، وبالتالي تفهمهم للحراك الفلسطيني ومشروعية مطالبه، فقد كتب آري شبيط، في هآرتس مقالاً من أبدع ما قرأت لإسرائيلي عن نكبة الفلسطينيين، كتب يقول :
« لا يوجد يوم لا أفكر في كارثتهم لأنه هل يمكن سوى ذلك؟ حينما أسير في شوارع الحي المقدسي الجميل الذي سكنته نصف حياتي – تنظر بيوتهم إلي، وحينما أجري مستمتعا في أزقة يافا يضربني غيابهم، وحينما أتنزه في جبال يهودا لا تتركني أنقاض قراهم، فهناك اشجار التين الغائبة والصبار الذاوي والأنقاض، كان الفلسطينيون هنا وما عادوا هنا، وكارثتهم جزء لا ينفصل عني. والنكبة لحم من لحم بلدي. لا يجب ان تكون معاديا للصهيونية كي تتذكر النكبة، فقد تذكرها الياهو مريدور ونتان ألترمان وموشيه ديان وعزرائيل كارليباخ، فمن نشأ حقا من هذه الأرض لا يستطيع ان ينسى أنها كانت حبلى بشعبين والذي عاش حقا في هذه البلاد يعلم انه حينما حانت ساعة الولادة تغلب أحد التوأمين على الآخر ونحّاه، والتوأم الذي نُحي الى خارج البلاد هو الذي خلّف وراءه البيوت الحجرية الجميلة في الطالبية وأزقة يافا القديمة وآثار القرى، واشجار التين وشجيرات الصبار والخِرب، أي مدنية كانت هنا ولم تعد موجودة، وشعبا خرج الى الجلاء تحاول اسرائيل الرسمية إنكار الكارثة الفلسطينية، والحقائق معروفة، لكن الحقائق تُنحى جانبا ان القصة هي قصة صعبة، فلن يكون هنا في نهاية الامر سلام اذا لم نعترف بكارثتهم، لكننا لا نستطيع ان نعترف بكارثتهم إذا ظلوا يستغلون كارثتهم ليجلبوا علينا كارثة، فالقصة الاسرائيلية الحقيقية هي قصة كارثة اليهود في الغرب، وكارثة اليهود في الدول العربية، وحاجة هؤلاء واولئك اليائسة الى ارض اسرائيل، حينما يعترف الفلسطينيون في نهاية الامر بالقصة اليهودية الكبرى وبالكارثة اليهودية الكبرى سنستطيع نحن ايضا الاعتراف بقصتهم وبكارثتهم».