لن أقترب من الحديث عن ذلك «الاربعاء..». والعنوانُ هنا، هو ذرٌّ للرماد، في عيون حدّقت طويلاً في عتمة ليل طال فجرُهُ. وذرُّ الرماد ليس بهدف التعمية على أحاديث لم يأن أوانُها، بل للتخفيف مما تراكم من رماد حرائق اشتعلت في تلك الليلة، فاستُنفرت لها نواميسُ وشياطينُ غابت من ذاكرات كثيرين ..!؟
في أربعاء الرماد، استيقظ خوفٌ غريب، أو أوقظَ من سُباته.
فبالخوف، تُسحق عقول البشر. وبهِ يُمتهن العقل، حتى يذوي او يضمحل. وللشرق العربي، في صناعة خوفه، عادات. بل قُل: للخوف في الشرق أنواعُ. فالملل ينسجُ خوفه، والفقر يضفر جديلة خوفه. واليأسُ، أيضاً، له في الخوف تنويع.
لمواسم الرماد فصولها. والخوف فيها صار الموسم الأطول، يلي الشتاء مباشرة. او في الحقيقة يبدأ واياه. فبأول المطر، يُغسل الوقتُ، مما تبقى من روائح الفصول. ثم (...). ثم يتكاثر النمل الطيار ، حتى يحجب السماء.
ألا تذكرونَ أنّهم جاؤوا مع آخر المطر ..؟!
وعندها، يبدأ موسم الخوف، او يبدأ موسمُ رماد آخر، وفيه: الخيَالات السرية تشتعل. والقرائحُ تُشحذ. ويستعيدُ النفاقُ سطوتَه ومجدَه. الى ان يتمّ تتويج الكلام الفارغ سيّداً، لموسم الخوف الرطب..!
النابهون، يُضيعون الفكرة بالدوران حولها. والبارعون في الكتابة والتشويق، يمارسون هروباً من الموضوع الى الأبد. والمحترفون، يبتدعون، ذكاءً، المشيَ فوق الحقائق، او بمحاذاتها، فتتوالد مخلوقات غريبة، لا يجرؤ الناس على الاقتراب منها، لبشاعة أشكالها ودمامتها.
ببراعة التحايل على الموضوع ، تصير اللغة وسيلة تعتيم. وبالاحتراف تستعيد الممالأةُ مجدَها الغابر. ويصبح مفهوم معرفة اتجاه الريح عنواناً لحياة من نوع خاص. أو اسماً سرياً توافقوا جميعا على كتمانه. اسمٌ يملأ الفراغَ كلّه: الخوف. وهو هو اضمن المصدّات والحصانات لمن يزرعون الخوف.
تضيقُ الصدور، بقدر ما تتّسع الرؤى. والسأمُ، من نفاق «القادر المحتكم..» وتعاليه، يَعمُّ. و أنبياءُ الغضب يواصلون ركضَهمُ، الطويلُ والمدمّرُ، في مقابر الآلهة الميتة . اما أُمراءُ اليسار.. ، فلَهُم في المشي عادات: يحتفلون حين يذهب الناس الى النوم. ويعتقدون أن البلاءَ نفسَه قادرٌ على ابتداع وسيلته لمقاومة السأم. يعودون الى الناس كأنّهم اشباح تفسّخت جلودُها، كلما هبّت الريح، التي يعرفون اتجاهاتها: زُهّادٌ في كل شيء، حتى في السلطة والمصالح، وهُم، في الحقيقة، يريدونَها الى الابد، ويعاقبونك ان لم تُخمّن ذلك وتدركه بدون سؤال..(!؟).
بالرغبة العمياء، يقودون ابن آدم العربي الى مصيدته. وحين يصلُ الصيّادُ الى قعر رغبته. ويكتشفُ انها كانت مصيدته. يتكاثرون عليه كلّهم : الخوفُ، النابهون، البارعون، المحترفون، منافقو «القدرة والاحتكام..» المتعالي ووكلاؤهم المحليون، انبياء الغضب، أمراء اليسار (...). فقط، من اجل اقناع هذا المذعور بآخر حقيقة علمية توصّلوا إليها وهي: ان فراشات الليل تجلب الشؤم ..(!).
انه الخوف وازمانه. به يُملأ الفراغُ. فيُحييه، فتنتعش نفوس الخائفين بحضور الفراغ الحيّ. حقاً، انه خوف حيٌّ ايها البارعون... ولكنه ايضا، بعد إذنكم ، منفعة.
المفارقة، أن هؤلاء القادرين غفلوا عن وحشة «أربعاء الرماد ..» واسطورتها، وما تُبقيه في النفوس من جفاف كريه، لا يُرطّبه ماءٌ أو مطر..!