أنظار العالم كلّه، والعرب بخاصة، تتجه الآن إلى جمهورية مصر العربية حيث تجري انتخابات رئاسة الجمهورية للمرة الأولى منذ ثورة 25 يناير « كانون الثاني» عام 2011، أي اختيار رأس السلطة التنفيذية في الدولة.
الاستبشار والتفاؤل هما عنوان هذه الانتخابات التي يتوقع لها أن تدخل بمصر وشعبها إلى مرحلة جديدة ، جمهورية جديدة ، وديموقراطية حقيقية واعدة .. بعد أن جرت انتخابات تشريعية اتسمت بالنزاهة والشفافية واختار المصريون خلالها أعضاء مجلسي الشعب والشورى – أي السلطة التشريعية.
ولأن القضاء المصري معروف باستقلاليته ونزاهته وما يشتمل من خبرات وكفاءات وطاقات مبدعة ورجال قانون متميزين ، فإن السلطة القضائية هي الأخرى تشرف على الانتخابات وقد صاغت السلطة التشريعية ضوابطها ومحدداتها.
لسنا في صدد إبداء التوقعات ، فالأهم ليس الشخص الذي ينتخبه المصريون برئاسة الجمهورية ، بل طريقة الانتخاب ونزاهة الانتخابات ومصداقية التمثيل والحرية التامة التي يتحرك في إطارها الناخبون الذين يصل عددهم إلى نحو 51 مليون ناخب وناخبة . وما نتمناه أن تجري العملية الانتخابية بهدوء وصفاء وسلام وبلا قلاقل ولا اضطرابات مثل تلك التي صاحبت مثيلاتها في دول أخرى .. أو حتى في مصر بعد انتخابات مجلس الشورى والنواب ، ولا بد لهذه الانتخابات أن تكون علامة فارقة في التاريخ المصري الحديث.
والمرشحون لرئاسة الجمهورية يتوزعون على مختلف الأطياف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المصرية ففيهم حزبيون ، وسياسيون ، ورجال دولة ، ومعارضون أو مناضلون ( ضد النظام السابق) وممثلون لاتجاهات شعبية وسياسية مختلفة ، وكذلك مستقلون وتكنوقراط.
وتبدو المنافسة أقوى بين خمسة من أصل أحد عشر مرشحاً ظلوا في المنافسة حتى يوم أمس ، وهؤلاء يمثلون التيارين الإسلامي والليبرالي ، بشكل عام ، لكن منهم من ينتمي إلى التيار الإسلامي المعتدل أو الاخواني ، وآخرون ينتمون إلى السلفيين ، ومنهم من ينتمي إلى التيار الليبرالي الوطني، وآخرون ينتمون إلى التيار القومي ، وهناك من يمثل تيار الوسط .
وإذا لاحظنا هذا التوزيع السياسي والأيديولوجي أو الانتماء الفكري للمرشحين ، فإن المنافسة تنحصر بين د. عبد المنعم أبو الفتوح القيادي الاخواني السابق الذي ترشح مستقلاً عن التنظيم الذي استقال منه مؤخراً ، ومرشح جماعة الإخوان المسلمين د. محمد مرسي أحد أقطاب حزب العدالة والتنمية المنبثق عن الجماعة ، والمرشح الناصري حمدين صباحي رئيس حزب الكرامة العربية ، والمرشح عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية السابق ، والمرشح الفريق أحمد شفيق آخر رئيس للوزراء في عهد حسني مبارك .
وهناك انتقادات واسعة توجه للأخيرين شفيق وموسى باعتبارهما ممن عملوا مع النظام السابق ، بينما ينتقد المرشحون الآخرون بأنهم لا يمتلكون خبرة ودراية في إدارة شؤون الدولة باعتبارهم سياسيين حزبيين جاءوا من صفوف المعارضة في زمن النظام السابق ، أيضاً.
على أن صناديق الاقتراع هي التي ستنطق بالقول الفصل ، وتعلن اسم من اختاره المصريون رئيساً لهم في مرحلة يراد لها أن تكون إعادة لبناء الدولة ومؤسساتها ، وسط جدل واسع حول صلاحيات الرئيس القادم وتوجهاته السياسية ودور مصر العربي والإقليمي والدولي .
وفي ظل تحديات عميقة أهمها الفقر والبطالة والمديونية وتراجع الواردات وضخامة النفقات وتضاؤل فرص الحلول وإمكانياتها . ووسط خلافات عميقة حول دور الجيش والدستور الجديد ومدنية الدولة ودور الإسلاميين في صياغة سياساتها .
وما يهمنا ، هنا أن يكون الرئيس الجديد ممثلاً للمصريين كافة ممن انتخبوه أو لم ينتخبوه ، وان يحفظ لمصر دورها وحضورها على المستوى العربي والإسلامي والإنساني .. ولا شك أن نزاهة الانتخابات وشفافية إجراءاتها وسلامتها ، والحرية التي ستجري فيها ، تشكل علامات أساسية لمرحلة جديدة تدخلها مصر العربية بثقة وتفاؤل وأمل وترسخ مؤسساتها الدستورية والمدنية .
إنها اختبار حقيقي لقدرة ثورة مصر على تقديم النموذج الناجح.