د. أحمد النعيمي - كارلوس فوينتيس (من 11/11/ 1928 إلى 15/5/2012) اسم كبير في عالم الثقافة والأدب، إنَّه صاحب «وجوه المكسيك الخمس»، وأدب الواقعية السحريّة الذي ظلّ السِّمة الأبرز لكتَّاب أمريكا اللاتينية، فهل كانت وجوه المكسيك الخمس انعكاساً لوجوه البشرية الخمس، وجهاتها الموزعة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب وقلب العالم الذي انقلب على نفسه مرات ومرات، فتارة ينبض بالحب، ويسعى لإنسانية أفضل، وبشرية أكثر سعادة واستقراراً، وتارة ينبض بالكراهية، ويحمل ألوية الصراع، والموت المجاني، ولعبة الجثث، وإدارة الضغائن والأحقاد؟. رحل فوينتيس وهو يتحدث عن مشاريعه الأدبية؛ لأنه لم يكن يرى الموت سوى طعنة في الظهر لا توقيت لها، وقد كان على حق؛ فالموت ليس اختراعاً بشرياً، ولكن الإنسان حوَّله إلى مؤسسة كبرى وتولى إدارتها!. لم ينل كارلوس فوينتس «نوبل» أبداً، وكان ترشيحه الدائم لها يشبه نكتة الجائزة نفسها التي ذهبت ذات ربيع غامض إلى فتاة عشرينية تنام في خيمة ثورية، وكل همِّها أن تنتقم من الرئيس الذي لم يترك والدها – الذي لا مثيل له- وزيراً أبدياً في حكوماته الاسترضائية!. هذه هي نوبل... وصلت إلى امرأة عشرينية مثلما وصلت إلى الأم تريزا التسعينية التي أمضت حياتها في خدمة الفقراء، وكانت تنام عند أقدام جوعى الهند حتى لا تلدغهم أفاعي الألم، وحتى إذا استيقظوا وجدوها بقربهم تجفف عَرَقَ جباههم مِن أثَر الكوابيس، والخوف مِن الموت جوعاً. هذه هي نوبل: لم ينلها كارلوس فوينتس، ونالتها الأم تريزا في آخر حياتها خجلاً ومخاجلة، فماذا تكون هذه الجائزة؟!. هي على الأغلب جائزة سوف تتخلص من أوحال السياسة وتصل إلى مستحقيها ذات يوم لكن مع وصول «غودو» وتوليحه إلى جمهور «صاموئيل بيكيت» بيد من لحم ودم، ووردة صيفية!. ليس لكارلوس فوينتيس في تناوله للواقعية السحرية مِن نظير سوى ماركيز، ويبدو أن نوبل لم تكن لتصل إلى ماركيز لولا أنّ القفز عنه كان سيبدو كلعبة مكشوفة ليس سمجة فحسب، بل وقذرة أيضاً. فما الواقعية السحرية؟ إنّها ببساطة ملف مضغوط من الحكايا الضاغطة، وصاحب الواقعية السحرية ليس بحاجة إلى خرافة نوبل؛ ذلك أنّه أستاذ كبير في تصوير خرافة الواقع بخرافة موازية، تبدو في ظاهرها غريبة، وفي باطنها تقول: الواقع ما يزال أكثر غرابة من هذه الأحداث الغريبة. كارلوس فوينتس صاحب سيناريوهات أفلام سينمائية عديدة، وصاحب القصص والروايات والمسرحيات والمقالات الآسرة، فماذا تعلمتُ منه؟ تعلمت منه أن المستقبل ليس رجماً بالغيب، وبالمقابل فهو ليس كتاباً نقرؤه فنرى أيامنا القادمة فيه، إنّه أكثر تعقيداً من ذلك إذ يدخل في مناحي حياتنا جميعها، ويتحدد بجملة معطيات وقدرات ومؤثرات: داخلية وخارجية.. ذاتية وغير ذاتية، فقد اهتم الفكر الفلسفي بتقديم تصورات عن المستقبل، إمّا في صورة يوتوبيا، وإمّا في صورة نظريات في فلسفة التاريخ، تهتم بدارسة تاريخ الإنسانية، وتتنبأ بما قد يؤول إليه التاريخ البشري . فماذا قال فوينتس عن مستقبلنا؟. يقول: «من حيث اعتقدنا أن التقدم التكنولوجي والاتصالات الفورية سوف تقودنا نحو نظام عالمي أفضل للمعمورة المشتركة، فإن هذا الباب لم يكد يُفتح حتى دلفت منه مشكلات العالم الثقافية على نحو صاخب بدد بهجة الاحتفال»، وهو أمر يوافقه عليه الروائي الروسي»ألكسندر سولجنتسين» الذي ذهب إلى «أن القرن العشرين لم يشهد نمواً في أخلاق الإنسانية، فقد وقعت حالات إبادة جماعية على نطاق لا نظير له، والثقافة عانت من هبوط حاد، والروح الإنسانية تراجعت، وليس هناك ما يجعلنا نتوقع أن يكون القرن الواحد والعشرون أكثر رحمة بنا، فالعالم يمتلئ بأسلحة دمار من كل نوع، ثم هناك الدمار البيئي، والانفجار السكاني العالمي، والمشكلات الهائلة لبلدان العالم الثالث التي تشكل أربعة أخماس البشرية الحديثة، مما يعني أنها ستكون المُكَوّن الأكثر أهمية في القرن الواحد والعشرين». منذ صدور روايته «المنطقة الأكثر شفافية» أو «المنطقة الشفافة» أصاب فوينتيس شهرة كبيرة، ليس لأنّه روائي كبير فحسب، ولكن لأنّه جريء في طروحاته وأفكاره، ويحمل نظرات مستقبلية ثاقبة، فعلى سبيل المثال كان ينادي بتحطيم قوالب اللغة الاسبانية –التي يكتب بها- ويصفها باللغة البالية، ويدعو إلى منحها حياة جديدة وبثِّ الحيوية فيها، وهو الأمر الذي مارسه في كتاباته التي نالت إعجاب الدنيا. فكم من مثقف عربي – باستثناء طه حسين الذي أسكتته مدافع الهتافات المناوئة له بعد أن همس بالفكرة- تجرأ على أن ينادي بتحديث قوالب اللغة العربية، ومنحها مزيداً من الحيوية والعصرنة؟!. أسس فوينتيس في أواخر العشرينات من عمره مجلة «الأدب المكسيكي» مع أوكتافيو باث، وربطته صداقة قوية بغابرييل غارسيا ماركيز، ودرس في هارفارد وكامبردج، وحصل على شهادات دكتوراه فخرية من جامعات كثيرة عبر العالم. رحل فوينتيس وبقيت أعماله، وما قيل فيه بعد وفاته أكبر بكثير من «نوبل» وألاعيبها الصغيرة، فالرئيس المكسيكي فيليب كالديرون يقول: «أشعر بأسف عميق لوفاة عزيزنا كارلوس فوينتيس... أنّه كاتب عالمي ومكسيكي» ، وصحيفة نيويورك تايمز تقول: «إنّه واحد من أكثر الكتاب إثارة للإعجاب في العالم»، ولعل «نوبل» شبيهة ببطل روايته الشهيرة «وفاة أرتيميو كروز» فأرتيميو ليس سوى خائن لمبادئه استحقّ الشفقة في نهاية حياته.
كارلوس فوينتيس الذي رحل بدون نوبل!
12:00 24-5-2012
آخر تعديل :
الخميس