بوفاة الليبي عبد الباسط المقرحي, وهو المحكوم عليه الوحيد في تفجير لوكربي عام 1988 الذي قتل فيه 270 شخصاً، تكاد تنطوي صفحة من أسرار حكم العقيد القذافي, غير أن الإمكانية ما تزال قائمةً, لتفكيك لغز دفع الشعب الليبي ثمنه بالمليارات, ذلك أن المتهم الثاني في القضية, وهو الأمين خليفه فحيمه ما يزال حياً وطليقاً, بل وقادراً بعد سقوط العقيد على كشف الأسرار, التي من الممكن أن تمنح المقرحي البراءة ولو بعد موته, ذلك أن عار ارتكاب جريمة لوكربي, سيظل يلاحق ذريته وعائلته, خصوصاً واننا سمعنا شقيقه عبد الحكيم يعلن, أن نظام القذافي استغله وحمله مسؤولية عمل لم يرتكبه, في حين أعلن شقيقه الآخر أن كل ظلام العالم لا يمكن ان يطفىء شعلة الحقيقة.
وهكذا نجد أنفسنا أمام حقائق جديدة تتكشف بعد موت الرجل, وما كان لها أن ترى النور لولا سقوط الحكم الدكتاتوري العائلي في ليبيا, وما منحه ذلك السقوط من حرية لأفراد عائلة المقرحي, لاتهامه باستغلال الرجل, الذي لم يكن حتى للحظة واحدة قادراً على مجرد التفكير برفض الأوامر الموجهة إليه من طرابلس, وإذا كانت عائلة الرجل تعلن اليوم أن من حق أطفالهم الحصول على اعتذار من العالم, عن ما لحق عبد الباسط , فإن جهةً ما في ليبيا, أو في هذا العالم, مدعوة لفتح ملف القضية مجدداً, بحثا عن الحقيقة التي نظن أن نظام القذافي حاول إخفاء معالمها, بشراء سكوت عائلات الضحايا, وضمائر بعض السياسيين الغربيين, الذين اعتبروا الجريمة فرصة لابتزاز ملك الملوك صاحب الكتاب الأخضر.
لا نحكم ببراءة الرجل, لمجرد أن عائلته تتهم النظام البائد باستغلاله, وتقديمه كبش فداء لدى القضاء الدولي, ولن يكون ممكناً أن تفضي وفاته إلى إقفال الملف, ذلك أنه رغم التعويضات المالية التي قدمها العقيد لعائلات الضحايا, فإن هؤلاء ظلوا يشعرون بالغبن والغضب, بعد قرار القضاء الاسكتلندي الإفراج عنه, وعودته إلى طرابلس ليقضي فيها أيامه الأخيرة, حيث لقي فيها استقبال الأبطال, وإذا كان رئيس الوزراء الاسكتلندي يعتبر أن وفاة المقرحي, هي نهاية فصل في القضية, لكنها لا تتيح اقفال الملف, ويعلن أن قضاء بلاده مهتم لأي خيوط جديدة في التحقيق، لأنها اعتبرت دائماً أن المقرحي لم يتصرف بمفرده, فان صوته يمكن أن ينضم إلى صوت عائلة الرجل بحثاً عن المجرم الحقيقي.
الإدارة الاميركية من جانبها, تعتبر أن وفاة المقرحي تنهي فصلاً مؤسفاً بعد الافراج عنه، وهي تعتزم الآن مواصلة العمل, لضمان إحقاق الحق من أجل جميع ضحايا الاعتداء, الذين أعرب بعض ذويهم عن فرحه بنهاية المقرحي, فيما يرى آخرون وبثقة معلنة أن لاعلاقة للرجل بالحادثة المروعة, ويأسفون لمعاناته مع المرض قبيل وفاته, وإذا كانت ليبيا القذافي اعترفت رسمياً بمسؤوليتها في الاعتداء, ودفعت قرابة الثلاثة مليارات دولار كتعويضات لعائلات الضحايا, فإن ذلك لايجب أن يعني أن المقرحي وحده هو من يجب أن يتحمل المسؤولية كاملة, وينال وحده العقاب.