عودة الغائب

عودة الغائب

لسنوات وأنا أتابع لهفة المبدعة والباحثة هند ابو الشعر في البحث عن عقيل، خاصة أن حماسها الذي لم يكن له ما يسنده من وثائق ارتبط باسمها العائلي حتى دفع البعض إلى التشكيك بأنها اخترعت تلك الشخصية وأسمتها «عقيل ابو الشعر»، لكني كنت أعلم وله المبدعة في اقتفاء أثار الذين رحلوا بعد أن عمروا لنا عالماً جميلاً، وأولئك الذين ابتلعتهم بحار «السفربرلك» أو منافي الهجرة، لذلك آمنت أنها لا بد ستعثر على عقيل، وقد كان. وها هو بين أيدينا يقوم قيامة لا يعتريها الشك وتدلل عليها كلماته الابداعية في رواية حققت سبق الريادة في الرواية التي كتبها العرب في القرن الماضي.فوق ذلك يتم التيقن من ستة أعمال أدبية أخرى كتبت بلغات عدة في الزمن الذي لم يكن فيه معظم المواطنين الأردنيين يقرأون أو يكتبون، رواية عقيل أبو الشعر ترجمها إلى العربية د.عدنان كاظم  وتولت طباعتها واصدارها وزارة الثقافة الأردنية ضمن المشروع الثقافي المهم الذي أسمته» استعادة عقيل ابو الشعر». في مقدمة هذه الرواية الرائدة التي كتبت ونشرت عام 1939 هناك شرح لكثير من المراحل التي قادت إلى اكتشاف آثار المبدع الرائد، ولكن ما خفى  يستحق استمرار البحث، وهو ما تقوم به الوزارة، ليكون بين ايدينا بعد فترة مبدع أردني مختلف حقق لنفسه ولاسم بلده في الخارج ما كنا ساهيين عنه.اتقن عقيل لغات عديدة وكتب رواياته بالاسبانية والايطالية والفرنسية، واتقن التأليف الموسيقى والعزف، بل نال الدكتوراة في الفلسفة والموسيقى، وشغل مناصب رفيعة في جمهورية الدومينكان، تبدو الاشارات إلى حياته كأنها اشارات إلى شخصية متخيلة، ولكن الحقائق التي بدأت في الظهور تباعاً تحكي سيرة أبعد من الخيال.المفاجأة الحقيقة بالنسبة لي كانت روايته التي ترجمت عن الاسبانية وطبعت بعنوان «القدس حرة»، ففي تلك المرحلة لم يكن الفن الروائي قد تقعد بعد، ولكن عقيل يقوده إلى شكل أقرب إلى الحداثي، أثار النص المثقف الشفاف الجميل والثري بالمتعة والمعرفة دهشتي، نحن إزاء كاتب مختلف، تنعكس ثقافته على نصه ببراعة ودون افتعال.الرواية بدأت بمغامرة واقعية للكاتب حين أرسل إلى القدس لكتابة تقارير عن وصول الهجرات اليهودية إلى فلسطين، من الواضح أن الصحف التي أرسلته وإن لم يذكرها لم تكن انجليزية، فنراه يحمل على الانجليز واعوانهم والصهاينة وعصاباتهم، ويقدم لنا وثيقة غاية في الأهمية حول تلك الحقبة التي نجح فيها المحتل والصهيوني في تزوير حقائق الأرض وتغيير تركيبة المجتمع في المدينة المقدسة، ولكنه وهو الصحفي يشعر بحكم اقترابه من قضايا الانسان هناك، وبحكم ثقافته العالية بالسياسة والفن والدين والأدب إنه مقبل على كتابة نص ابداعي، من تلك التقارير يقدم لنا رواية، ويتواضع في تقديمها إلى حد كبير. وقد قرأنا روايات لكتاب معاصرين تعتمد على تقارير أو رسائل لا ترقى لما وصلت إليه تلك الرواية قبل مائة عام، وإن كان يتحوط لأي ازاحة أو خلل في النص فإنه يقرر بأنه « مسكين..من أين له بالخيال المميز، وأنه بلا موهبة ولا شرارة خيال ابداعي، وهل يمكن تأليف رواية بشخوص حقيقيين وأحداث يومية تافهة؟ ويبدو حينها وكأنه يتحدى قارئه، لأنه في نهاية المطاف ينجح في تأليف تلك الرواية التي أرى فيها أول بدايات التجريب، كما أرى فيها قدرة فذة فاتت كبار كتاب الرواية حين يكتبون عن فئة مثقفة فيكون الحوار ثقيلاً مصطنعاً، في حين أن الحوار على عمقه وثقل المعرفة الفلسفية فيه عند عقيل جاء مقنعاً ممتعاً لا يخدش وجه الفن بل يجمله.أحداث الرواية تعكس حياة فئة من سكان القدس لم يعنى الأدب في الالتفات إليهم، وهم المسيحيون الذين تمردوا على اجراءات التهويد، والذين امتزجت ثقافتهم العربية بالمسيحية والاسلام،  ثم هناك الاجانب الذين أقاموا في بلد المسيح وعانوا من بطش الانجليز والصهاينة، وربما ساعدته ثقافته الكهنوتية على رسم المشهد بريشة فنان يضع بصمة على جدار الكنيسة، هناك حضور عال لثقافته الفنية، وقد تخللت الرواية حكاية حب لا تشبه الحكايات النمطية التي راجت في تلك المرحلة حين يكون الشخوص أقرب إلى الأنبياء، لا تشوبهم شائبة، ولكن نساء روايته كما رجالها حقيقيين يخطئون ويصيبون، بحيث لا يمثل أي منهم البطل التقليدي الذي سيعلم الناس القيم الأخلاقية، وفوق ذلك جميعهم بما فيهم الكاتب نفسه في شخصية الصحفي الراصد نماذج للاختلاط الحضاري الذي مثلته القدس، كما هم نماذج لتفهم القضية العربية، إذ أن البطل الذي اختار مفارقة طبقته ووضعه الاجتماعي إلى صفوف الثوار ينتهي إلى الإعدام.قد تكون للنقاد ملاحظات في بعض مفاصل النص، ولكننا إذا نظرنا إليه في زمانه اكتشفنا كم كان متقدماً ومميزاً ومختلفاً، حتى أنه يقرأ اليوم وينافس ما يطرح على الساحة.أخيراً عقيل أبو الشعر يعود إلينا، دعونا لا نتعامل مع الحالة بانبهار ونقول أن الأدب العربي يكتشف لقية، لأن الكاتب أساساً لم يكتب رواياته بالعربية،  و بذلك هو بعض من نسيج الأدب العالمي. ولكن على الصعيد المحلي يمكن أن نقول إننا نستعيد أباً وابناً لنا، كأنه رد من السفربرلك ، وإن كانت رحلته بارادته بحثاً عن العلم والمعرفة، تحية لكل من بذل جهداً ليضع هذا الكتاب بين أيدينا.