د.موفق محادين - يلاحظ المفكر اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي أن القديم إذا كان يحتضر، فإن الجديد لم يولد بعد.
فلماذا يحتضر القديم، ولماذا لا يولد الجديد بالضرورة؟ وما المشترك بينهما؟
يحتضر القديم، لأنه لم ينبثق من قلب ثورة معاصرة حقيقية، سواءً كانت ثورة بورجوازية ديمقراطية أو ثورة اشتراكية، معرّفة بهوية قومية محددة.
ولا يولد الجديد، لأن ما يحدث ضد القديم ليس ثورة بعد، وبالأحرى هو ثورة بلا اسم، بلا هوية، ثورة ناقصة، وأحياناً مضادة أو برتقالية، سيان. وفي كل ذلك، وفي المرتين، يلعب الإعلام دوراً مقنّعاً في تضليل الرأي العام، وتسويق الأوهام حول «هويات مزورة»، وإذا كان غرامشي قد لاحظ عدم ولادة الجديد، فلدينا من المؤشرات المجربة ما يسمح بمقاربات أولى حول تداعيات احتضار القديم دون أي ولادة جديدة حقيقية.
يخبرنا مفكر آخر، هو المغربي محمد عابد الجابري، أن الحالة العربية -يقصد «الدولة القطرية»- لم تتأسس كحالة مدنية بعد، وأنها لم تخرج من ثلاثية «القبيلة-الطائفة، الغنيمة والعقيدة». وأن الصراع عليها ليس صراعاً معاصراً، بل هو من أجل تداول السلطة بين القبائل والطوائف على الغنائم، وبدوافع هويات أيديولوجية مزورة، سواءً كانت ديمقراطية أو ليبرالية أو إسلامية فيما هي في الواقع عصبيات ليس إلا.
ذلك أن البنية العربية القطْرية (الكيانية) ليست بنية مجتمعات مدنية مندمجة بعد، بل إنها بنية مجاميع ما قبل رأسمالية، توحدها سلطات مركزية عابرة تشكلت بدورها على إيقاع وهامش الصراعات الدولية والإقليمية للمستعمِرين القدامى والجدد، ولم يُسمح مرة واحدة للعرب بإنجاز ثورتهم القومية التي تتطابق فيها الهوية مع السوق ودولة الأمة، كما حاول محمد علي في القرن التاسع عشر، وعبد الناصر في القرن العشرين.
هذا يقودنا أو يعيدنا إلى التساؤلات الأولى؛ ماذا بعد تداعيات انفجار الدولة القطْرية وقد رفع المستعمِرون اليد عنها ودفعتهم أزمة النظام الرأسمالي العالمي إلى التفكير باستبدال حرس ليبرالي جديد بالحرس البيروقراطي القديم، وراحت شظايا دولة «القبيلة-الغنيمة-العقيدة» تتطاير في الشوارع، وتزدحم بتناقضات شتى وتحت عناوين متضاربة: احتجاجات، وثورة مضادة، وثورة ملونة أو برتقالية.
وبقدر ما يسمح فساد القوى الحاكمة واستبدادها بمؤازرة هذه الاحتجاجات والتعديل عليها، فإن هذه القوى تسمح بالمقابل لتوظيفات خطرة من قبل جماعات «الملونين» أو «البرتقاليين» والقوى التي تناصب الفكرة القومية العداء منذ عقود وتقدم نفسها وصيةً على التأويلات الحقة للسلف الصالح.
وهنا، وبعيداً عن نظرية المؤامرة وسيناريوهات منشورة فعلاً منذ سنوات عن استباق انفجار
«الدولة القطْرية» بترتيبات مع جماعات التكفير المسلحة وغير المسلحة والحزام الأخضر حول قلب العالم الجديد (روسيا ثم الصين)، ليس بلا معنى أن تتزامن الانبعاثات «الطائفية» مع تداعيات الفكرة القومية والدولة القطْرية، ومع انبعاث سلفيات أخرى في قلب النظام الرأسمالي نفسه بعد أن ظن الجميع أنه قطع وللأبد مع هذه السلفيات.
والحق أن رجلاً واحداً توقّع ذلك في القرن التاسع عشر، هو ماركس عندما تنبأ في كراسه «المسألة اليهودية» أن الرأسمالية الصناعية ما إن تصبح رأسمالية مالية («إمبريالية» في لغة عصر آخر) فإنها تصبح يهودية أكثر، وهو ما ينقلنا إلى استحقاق آخر خطر يتعلق بنا وبمستقبلنا، ويضيء جوانب مهمة مما يسمى «الربيع العربي» الذي يريدونه ربيعاً في خدمة إسرائيل.
فاندماج إسرائيل في الإمبريالية الدولية فيما هو يؤشر على أزمة وجود شكلية، يؤشر بالمقابل على أن الالتزامات الإمبريالية إزاءها لم تعد سياسية أو أمنية، بل صارت عضوية أكثر، وهذا هو العنوان السري للشرق الأوسط الجديد وما يستدعيه من فوضى هويات في الجوار العربي. وليس بلا معنى أو مصادفة، أن تسخر الإمبرياليات السائدة أكبر ماكينة إعلامية لترويج الربيع المذكور وبيع الناس أوهاماً من الليبرالية والديمقراطية الوشيكة.
القديم يحتضر، لكن ما ينهض على أنقاضه ليس خيارات مدنية، بل هي دورة من الفوضى وحرب قبائل وطوائف وغنائم وعصبيات، و»هويات قاتلة» على حد تعبير الروائي أمين معلوف.
هذا عن تشخيص ما نحن فيه، لكن البديل لا يكون ولا يجب أن يمضي في خدمة القديم الذي يحتضر أو انتظار موته، فأكثر الأوراق يباساً وجفافاً لا تسقط وحدها (لينين)، بل ينبغي اجتراح الحلول من هذا التشخيص لتجاوزه.
وفي ضوء ذلك، هناك مهمتان؛ الأولى راهنة سياسية، والثانية تاريخية نظرية.
وفي ما يخص الأولى، فالمطلوب التصدي لتصدعات الدولة القطرية القائمة التي لا تذهب إلى بدائل مدنية وديمقراطية، وإنما إلى بدائل طائفية وجهوية، وبالتالي فالبديل الآخر هو بلورة كتلة تاريخية في إطار أوسع جبهة ممكنة وفق ثوابت محددة في الحفاظ على مركزية الدولة ووحدة أراضيها ومكوناتها المختلفة، واشتقاق برنامج ديمقراطي انطلاقاً من ذلك، يربط الحريات العامة بالعدالة وثقافة المقاومة والهوية القومية.
أما المهمة التاريخية فهي شديدة الالتباس وما تزال موضوعاً للسجال النظري وتنطلق من غياب الشروط الموضوعية لتحولات ديمقراطية مدنية، وهي شروط تحيل دائماً إلى المجتمع والمواطنة والديمقراطية بوصفها مفاهيم قومية مرتبطة بإنجاز دولة السوق القومي والثورة البورجوازية، أو بتجارب اشتراكية على الطريقة الصينية أو الفيتنامية (التحرير والتوحيد والاشتراكية).
وثمة خيار ثالث يمكن اشتقاقه من التجربة العربية الخاصة التي عرفت شكلين للتوحيد القومي الضيق المرتبط بنمط الإنتاج الآسيوي (النهري) كما في مصر والهلال الخصيب والحضارات القديمة، والشكل الموسع الإمبراطوري مع الإسلام، المرتبط بالنمط الإيلافي التجاري (طرق التجارة البعيدة) كما لاحظ سمير أمين، فيما لم يفلح العرب تحت ضغط الاستعمارَين القديم والجديد في إنجاز ثورة توحيد بورجوازية (تجربة محمد علي في مصر والشام، وتجربة حزب الاستقلال في سوريا التاريخية والعراق).
ويلاحَظ في كل ذلك سجالات لم تتوقف حول الروافع التاريخية للنهوض والثورة العربية، وذلك في غياب «الطبقات التاريخية» سواء كانت بورجوازية أو بروليتارية، فمن الاعتداد بدور المثقفين والتعبئة الأيديولوجية (المفارقة للواقع) إلى مقاربة الثورة المنشودة بمناخات المقاومة كرافعة مجرّبة في التاريخ العربي والعالمي، خصوصاً مع تحطيم تجربة الدولة القاعدة والقائد البسماركي.
*كاتب، رئيس رابطة الكتاب الأردنيين