أحمد جرادات - في عددها الصادر في 4 نيسان 2012، نشرت صحيفة «سودوتشي زيتونغ» الألمانية قصيدة نثر للشاعر الألماني الشهير «غونتر غراس» بعنوان «ما ينبغي أن يُقال»، وجَّه فيها نقداً مباشراً إلى إسرائيل، وعُدَّت حدثاً نادراً ومهولاً في ألمانيا على وجه التحديد وفي الغرب العالم على وجه العموم، بعد صمت طويل حافظ عليه حتى بلغ من العمر عتيّا.«غونتر ويلهلم غراس» (المولود في 1927) روائي وشاعر وكاتب مسرحي وفنان غرافيك ونحات، يعدّ الكاتب الأكثر شهرة بين الأحياء في ألمانيا. وقد حاز على جائزة نوبل للآداب 1999 على الدور الذي نهض به أدبه كضمير أخلاقي لبلاده بعد الحرب العالمية الثانية وكمجسِّد ل»الكفارة» الوطنية عن جرائم النازية المشينة. وقد وصفته الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل بأنه الكاتب الذي تصوِّر حكاياته السوداء المرحة الوجه المنسي للتاريخ. ويُصنَّف أدبه بأنه جزء من الحركة الفنية المعروفة باسم «التصالح مع الماضي». ويشار إلى أن روايته الأبرز (The Tin drum) (1959)، التي وصفتها الأكاديمية السويدية بأنها تعدّ الولادة الثانية للرواية الألمانية في القرن العشرين، تغطي الفترة الممتدة بين العشرينيات والخمسينيات من القرن المنصرم، حيث أفاضت في فضح جرائم النازية.• لماذا صمتَ «غراس»؟ سكتَ «غراس» عن الكلام غير المباح جلَّ عمره، حتى نيسان 2012، عندما بلغ الرابعة والثمانين وأراد أن يتكلم، لكن في فمه ماء آسنة ويستحيل عليه أن يبتلعه،ا لأن ذلك سيكون بمثابة انتحار بتجرع السم، فقرر أن يبصقها. لم يكن بوسع «غراس» الكلام، لأن سيفاً بتاراً كان مصلتاً على عنقه، وعقوبة النطق جاهزة ومعروفة، وهي «العداء للسامية»، بكل ما تنطوي عليه هذه التهمة من ترهيب في ألمانيا تحديداً وفي أوروبا والغرب عموماً. وكان يدرك أن أصله الألماني والجريمة التي التصقت ببلاده ولطَّخت سمعتها وتاريخها وظلَّ شبحُها يلاحقها في صحوها ومنامها (ما يسمى «الهولوكوست اليهودي») سيمنعان إسرائيل والعالم من قبول الحقيقة التي سينطق بها.«لماذا ألوذ بالصمت؟ لماذا صمتُّ طويلاًعمَّا يُمارَس بكل وضوحٍ من ألعاب حربٍلن نكون فيها، نحن الناجين، في أحسن الأحوالِوفي نهاية المطافِ أكثر من هوامش».• لماذا نطقَ «غراس»؟يجيب «غراس» في متن قصيدته عن هذا السؤال الكبير والحاسم، فيقول إنه قرر أخيراً أن يتخلص من الماء التي تملأ فمه، وأن ينطق «الجوهرة»:- لأنه أحسَّ بأن صمته الذي ظل جزءاً من صمت العالم بأسره ليس سوى كذبة كبرى مخجلة تُدينه أكثر مما تشرّفه. - لأن بلاده التي ما انفكت تنوء تحت كابوس «الهولوكوست» ستسلِّم إسرائيل غواصة أخرى تحمل رؤوساً نووية، كصفقة أو كفَّارة أو تعبير عن تأنيب الضمير الوطني والشعبي، بهدف تدمير بلد آخر -إيران- وإبادة شعبه، مع أنه لا يملك قنبلة نووية، في حين أن إسرائيل تملكها منذ زمن بعيد، ولا يجرؤ أحد على ذكرها لأن الخوف أصبح سيد الأدلة.- لأن بلاده ألمانيا تصبح بذلك متواطئة في ومصدِّرة لجريمة شاملة متوقعة، يستحيل العودة عنها إذا وقعت ولا يمكن أن تمحوها الأعذار أو الذرائع لأنها ستكون قد أبادت شعباً كاملاً، وهو الشعب الإيراني، وأشعلت حريقاً عالمياً هائلاً لا يمكن إطفاؤه أو التحكم بآثاره أو حتى التنبؤ بنتائجه. - لأنه بلغ الرابعة والثمانين من العمر، ولم يبقَ في محبرة الكتابة سوى قطرات حبر قليلة وفي سراج العمر إلا نقطة زيت. وإذا لم يقل ما ينبغي أن يقال الآن وهنا -في هذه اللحظات وفي ألمانيا- فقد لا يتسنى له قوله أبداً لأن أوانه يكون قد فات.- لأنه سئم من نفاق الغرب، ويحدوه الأمل في أن يسهم قول الحقيقة في تحرير آخرين من ربقة الصمت، وفي دفع المتسببين بالخطر إلى نبذ العنف والامتناع عن العدوان باستخدام السلاح النووي. وبهذا فقط يمكن برأيه تقديم المساعدة للفلسطينيين والإسرائيليين على السواء، بل للعالم بأسره.• ردود الفعلليس مستهجناً أن تكون قصيدة «غراس» قد قدحت زناد حريق هائل وأثارت عاصفة هوجاء و»تسونامي» جارف -كما أسماه بعض المعلقين- في داخل ألمانيا وخارجها، من أوساط اليمن واليسار على السواء، ناهيك عن الغضبة العرمرية الصهيونية، إلى حد إعلان الحكومة الإسرائيلية «غونتر غراس» شخصاً غير مرغوب فيه، بعد أن كان يُشار إليه على أنه يمثّل ضمير ألمانيا، و»معلم ألمانيا». ونُشرت مقالات وتعليقات هجومية لا حصر لها في معظم صحف العالم، وحتى صحف الإثارة والموضة أدلت بدلوها في شأن هذا «المارق».هذا الهجوم الكاسح غير مستهجن ولا هو بجديد في مثل هذه الحالة، لكن الجديد والأهم واللافت هو ارتفاع أصوات تتراوح بين متفهمة ومتعاطفة ومتضامنة ومؤيدة علناً وتجرُّؤ أصحابها على الدفاع عنه.فهذا «كلاوس شنايك»، رئيس أكاديمية الفنون في برلين، يرى أنه يجب أن يُتاح لكل إنسان التعبير بصراحة وانفتاح عن آرائه، وينبغي عدم إدانته ووصفه بأنه «عدو لإسرائيل»، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمؤلف الرواية الألمانية العظيمة (The Tin Drum) التي تدور حول الحرب العالمية الثانية ونشوء النازية. ويعرب عن قناعته بأن إلصاق تهمة العداء للسامية ب»غراس» وإدانته عليها أمر غير سليم. وشدَّد «كلاوس شنايك» على أن «غراس» عَّبر عن قلقه بشأن التطورات الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط، وأن العديد من الأشخاص يشاطرونه قلقه.ويؤكد الباحث الأميركي «غلين بترسين»، رئيس قسم الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في كلية «كوتي باروخ» على مسألة بديهية، لكنها من المحرَّمات في الشروط الغربية المتعلقة ب»الهولوكوست»، وهي أن الاختلاف مع وجهة نظر الآخر لا تعطيك الحق في الادعاء بأنه لا يجوز له أن يعبّر عن معتقداته. ويقول إن إدانة «غراس» ما هي إلا «نوع من قتل الرسول لأنك لا تريد أن تسمع الرسالة».أما الكاتبة «كريستينا باترسون» فتطرح سؤالاً استنكارياً: «إذا لم يُسمح لحائز على جائزة نوبل للآداب بالكلام، فمن هو المسموح له بذلك إذن؟»، وتضيف أن «غراس» له الحق في قوله إن موقف الغرب من الترسانة النووية الإسرائيلية ينطوي على قدر كبير من النفاق.ولعل الموقف الأشد وضوحاً وأكثر جرأة وأهمية في تأييد «غونتر غراس» ما عبّر عنه فنان ألماني شهير هو المغني «مايكل مونتيكروسا» وفرقته الموسيقية، في أغنية شعبية بعنوان مباشر وصريح: «غونتر غراس على حق... الحرب العالمية باطل».• هل كانت القصيدة مفاجئة ؟رغم المفاجأة التي أدهشت العالم وسقطت كقنبلة على رأس إسرائيل والأوساط الصهيونية والمؤيدة لها، فإن القصيدة لم تولد بنفخة واحدة من روح العدم، وإنما كان لها مقدمات أو إرهاصات تُنبئ بقرب ولادتها:- ففي مقابلة أجرتها معه صحيفة «شبيغل أون لاين» وصف «غراس» عمليات «الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية لحساب المستوطنين اليهود» بأنها «عمل إجرامي»، لا ينبغي وقفها فحسب، وإنما يجب إعادة الأرض إلى أصحابها. - وفي سيرته الذاتية «تقشير البصل» التي نُشرت في العام 2006، كشف «غراس» النقاب عن حدث جلل في حياته، حيث كان قد جُند، وهو في السابعة عشرة من العمر، في «سرايا الحرس النازي» (waffen SS) التابعة للحزب النازي، والتي شكَّلها هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم يكن كشف «غراس» عن تلك الحقيقة بحد ذاتها هو المثير بالنسبة لبعضهم، فمئات الآلاف من الشبان الألمان جُندوا -طوعاً أو كرهاً- في صفوف تلك الوحدات المسلحة، بل المثير هو إخفاؤه تلك الحادثة طوال هذه الفترة، وهو الذي كان قد انتقد الآخرين على ماضيهم النازي، وكان يُنظر إليه على أنه يمثل «كفارة» وطنية ويعدّ داعية للنقد الذاتي. - نشر «غراس» قصيدة رثاء قبيل نشر هذه القصيدة في «ذي نيويورك ريفيو أوف بوكس» بعنوان «كلمات وداع»، نعى فيها صديقه المحرر «هيلموت فريلينغهاوس». وتكاد القصيدة تمثل تمهيداً لصدور «البيان الأول» أو إلقاء «القنبلة الأولى» ضد إسرائيل في قصيدته «ما ينبغي أن يُقال»:«مَن لي بعد اليوم أول من يستشعرْوبكل كياسةٍ يمتنع عن القولِإن وراء الأكمة شيئاً لا يُرىلكنه يغرورق بالكلمات».• القيمة الفنية للقصيدة؟هناك عشرات الترجمات لهذه القصيدة النثرية السياسية المباشرة ظهرت في الصحافة العالمية والعربية بلغات عديدة، وقد قُمت بترجمتها من اللغة الإنجليزية عن نصين صدرا عن وكالة «أسوشيتدبريس» وصحيفة «الغارديان» المعروفتين. وتتألف القصيدة من تسع فقرات غير متساوية في عدد الأبيات. كما قمت بترجمة نص أغنية مايكل مونتيكروسا «غونتر غراس على حق... الحرب العالمية باطل» عن نص مترجم من اللغة الإنجليزية، وتتألف الأغنية من أربع فقرات متساوية في عدد الأبيات.ولا بد من الإشارة إلى أنه يصعب على من لا يتقن اللغة الألمانية أن يحكم على القصيدة من الزاوية الفنية. علاوة على أن الشعر المترجم بصفة عامة يفقد الكثير من مسحاته الفنية والجمالية. بل إن الشاعر الأميركي روبرت فروست يعرِّف الشعر بأنه «ما نفقده في الترجمة». فكيف إذا كان مترجماً من لغتين؟ أي أنه فقد من روحه قطعتين ومن جماله مسحتين؟ يضاف إلى ذلك أن الترجمات التي صدرت حتى الآن للقصيدة تولَّتها وسائل الإعلام كي تفي بتوقيتات صدورها ومقتضيات سبقها الصحفي، وليس من بينها ترجمات أدبية متخصصة، فضلاً عن أن القصيدة نثرية سياسية مباشرة. • خاتمةلماذا اختار «غراس» أن يعبّر عن موقفه السياسي في قصيدة، مع أنه كان باستطاعته أن يكتب «مقالة رأي»؟ لأن الشاعر والروائي والفنان «غونتر غراس»، بصفته هذه، هو الذي أراد، مع سبق الإصرار والتعمُّد، أن يلفت أنظار شعبه وبلده والعالم، خصوصا شريحة المثقفين والكتاب والفنانين، إلى موقفه، وأن يجتذب اهتماماً خاصا يدوم أطول مدة ممكنة، فالمقالة السياسية تضيع في بحر المقالات المتلاطم، وما أسرع ما تُنسى وما أسهل ما يتم الرد عليها أو دحضها أو نسفها بفذلكة السياسيين وكتبة المصالح وسطوة الميديا الصهيونية. لقد أراد «غراس» لموقفه أن يدوم في وجدان شعبه والعالم بعد رحيله، فصاغه في قصيدة، كشاعر وأديب وفنان، وليس ككاتب مقالة. وهو ما أعطاه كل هذه الأهمية وولّد كل هذا الغضب والسخط من جانب خصومه.
ضربة شعرية موجعة
12:00 4-5-2012
آخر تعديل :
الجمعة