لا يختلف السؤال في اليابان عما هو مطروح في أوروبا، أو الولايات المتحدة: هل تستطيع الديمقراطيات النهوض لإنجاز الأمور الصعبة؟ ففي اليابان مثلاً يحاول، رئيس الوزراء «يوشيهيكو نودا»، باعتباره سادس رئيس للحكومة في البلاد خلال فترة قصيرة ومن أكثرهم عقلانية، تقديم إجابة عن هذا التساؤل، فبينما قادت أوروبا نفسها إلى حافة الإفلاس بسبب الإفراط في الإنفاق وتبذير الموارد وتسعى اليوم للخروج من ورطتها، وتعيش الولايات المتحدة على وقع العجز في الموازنة والمناقشات التي لا تنتهي حول سبل الحد منها، تبقى اليابان رهينة المهاترات السياسية التي يجسدها تنصيب رؤساء الوزراء بنفس السرعة التي يغادر فيها دون أن تُحل مشكلة الديون المتضخمة، والتي وصلت حسب تقرير لصندوق النقد الدولي إلى 230 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة 103 في المئة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى مشاكل أخرى مستفحلة يتم ترحيلها من جيل إلى آخر.
لكن «نودا» مختلف عن باقي رؤساء الحكومات، وقد أعطى إشارات قوية حول رغبته في تجاوز تلك المشاكل المزمنة، ففي حوار أجريته معه قال «إن أكبر مشكلة عانت منها اليابان على امتداد العقدين الماضيين، هي تأجيل حل المشاكل وترحيل ما يجب أن نقوم به اليوم إلى وقت لاحق، وهي معضلة علينا تجاوزها». لهذا كان «نودا» سريعاً في وضع مجموعة من الاقتراحات على طاولة البحث وعرضها على الساسة للجم العجز المتفاقم والخروج من النفق المظلم. ومن تلك الاقتراحات رفع ضريبة الاستهلاك لتتعدى نسبة 5 في المئة الحالية، كما يريد رئيس الوزراء إعادة تشغيل المحطات النووية الـ54 في البلاد التي كانت توفر ثلث احتياجات اليابان من الكهرباء، والتي أغلقت بعد التسونامي وتصاعد الجدل الداخلي حول معايير السلامة النووية.
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، يحاول «نودا» تسوية النزاع مع واشنطن حول مصير القواعد العسكرية الأميركية في جزيرة «أوكيناوا»، كما يريد لليابان الانضمام إلى مفاوضات التجارة الحرة بمنطقة المحيط الهادئ التي تخيف مزارعي الأرز اليابانيين، وبالطبع لا شيء من تلك الاقتراحات يمكن تسويقه بسهولة لدى الرأي العام والخصوم السياسيين المتربصين برئيس الوزراء، لاسيما وأنها توفر فرصة جيدة للمعارضة المتمثلة في «الحزب الديمقراطي الليبرالي»، بالإضافة إلى مجموعة من نجوم المعارضة الشعبوية الصاعدة.
ففي حالة شبيهة بما يجري في الولايات المتحدة كان «الحزب الديمقراطي الليبرالي» المعارض من المساندين لفكرة فرض ضريبة على الاستهلاك حتى تبناها رئيس الوزراء علانية، لتقول المعارضة إنها ليست متأكدة من دعمها. ولتخفيف الضغوط الداخلية يسعى»نودا» إلى مساعدة من أوباما خلال القمة المرتقبة بينهما في 30 أبريل الجاري، لا سيما وأنها اللقاء الأول الذي يجمعه مع أوباما منذ تولي «الحزب الديمقراطي الياباني» السلطة في 2009، منهياً نصف قرن من هيمنة «الحزب الديمقراطي الليبرالي».
لكن المشكلة هي التردد السائد حالياً في واشنطن بشأن عمق المساعدة التي يمكن لواشنطن تقديمها لرئيس الوزراء الياباني، فالإدارة الأميركية تثمن تحرك «نودا» في اتجاه العودة بالتحالف الأميركي الياباني إلى صلب الأجندة الثنائية بعدما داعب رؤساء الوزراء السابقون فكرة إقامة التوازن في علاقات اليابان مع أميركا والصين. وكان «نودا» واضحاً عندما قال إن التحالف الأميركي الياباني قناعة راسخة لديه، وأنها «تخدم الأمن الياباني»، مشيراً إلى أن الأمر تأكد لديه عقب كارثة تسونامي وما لحقها من مساعدات أميركية.
غير أن المسؤولين الأميركيين مستاءون من طريقة ممارسة السياسة في اليابان وطبيعتها المراوغة وأحياناً الفشل في الوفاء بالوعود، والأكثر من ذلك يريد هؤلاء المسؤولون مساهمة اليابان المالية في نقل قوات مشاة البحرية الأميركية من «أوكيناوا» إلى «جوام» أو أي مكان آخر في آسيا أو أستراليا، كما أن بعض أعضاء الكونجرس ما زلوا يتذكرون المفاوضات التجارية الصعبة مع اليابان ويريدون فرض شروط صعبة عليها.
وحتى لو مرت القمة الثنائية بين «نودا» وأوباما على ما يرام فإن رئيس الوزراء قد لا يستمر طويلاً في منصبه، خاصة وأن استطلاعات الرأي تشير إلى ارتفاع معدل الاستياء تجاه إدارته من 19 إلى 59 في المئة، كما أنه يدفع ثمن فقدان الجمهور الثقة في المؤسسات اليابانية بعد الاستجابة البطيئة من الحكومة عقب كارثة تسونامي، هذا بالإضافة إلى تصميم بعض الخصوم من داخل حزبه على الإطاحة به.
وإذا كان التحفظ الأميركي إزاء «نودا» مفهوماً في ظل المشاكل الداخلية التي يعاني منها، فإنه لا أحد في أميركا يتمنى إخفاق «نودا» وخروجه من السلطة، والسبب ليس فقط لأنه من أشد المؤمنين بالتحالف الأميركي الياباني، بل أيضاً لأن «نودا» يمثل عودة إلى أسلوب اليابان التقليدي في القيادة السياسية، ذلك الأسلوب الذي يبتعد كلياً عن الكاريزما والشخصيات البراقة، ويعتمد أكثر على القدرات الهادئة في بناء التوافق وعلى التحرك البطيء والمحسوب.
ولو نجح «نودا» في وضع اليابان على طريق أكثر استدامة سيكون دورها أكبر في مساعد أميركا على التعامل مع الصين الصاعدة، ولو استطاع إقناع مواطنيه بسلوك الطريق الذي يريده، فسيتحول إلى نموذج فريد للقادة في باقي الديمقراطيات.
فريد حياة
محلل سياسي أميركي
«بومبيرج نيوز سيرفس»