(المقصدية) .. نظرية المعرفة وآفاق اللغة والأدب

(المقصدية) .. نظرية المعرفة وآفاق اللغة والأدب

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 20-4-2012
No Image
(المقصدية) .. نظرية المعرفة وآفاق اللغة والأدب

سلطان الزغول - تتحكّم المقصدية بكلّ فعل لغوي، فهي تحدد شكله وتعطيه معناه. ولم يَخْلُ أيّ تناول لهذا الفعل من التطرق إليها، سواء كان تناولا نافيا لجدواها في الدرس اللغوي، أو معليا من شأنها ودورها فيه.
إنّ أغلب من قرأ النصّ الأدبي العربيّ، سواء في القديم أو الحديث، قد عرّج على السياق، أو أوّلَ خطاب المؤلف مدّعيا أنه أراد كذا وكذا. لكنّ التناول المنهجيّ الواعي للمقصدية نظريةً معرفية وطرحاَ في اللغة والتأويل النقدي، والذي نضج في الغرب، ظلّ قاصرا في أدبنا العربي. وفي هذا المقام يمكن الثناء على جهود محمد مفتاح دارسا واعيا استطاع أن يسهم في النظرية، ويقدّم لها بعض الإضافات.
مفهوم المقصدية
القصد في اللغة إتيان الشيء، وقصدْتُ قصدَه: نحوْتُ نحوه. وقد سادت نظرية القصد في فكر فلاسفة العصور الوسطى الأوربيين، وكان القصد عندهم هو فعل العقل لإدراك الموضوع، أما المقصدية فهي خاصية الشعور في إشارته إلى الموضوع، أو في طريقه لإدراكه. ثم طوّر هوسرل هذه النظرية حتى أصبحت أساسا معرفيا لفلسفته الظاهرية.
ويقوم مفهوم المقصدية عنده على أنّ كلّ فعل من أفعال الشعور البشري فعل قصدي. أي أنّ الشعور يقصد المُدرك حسّيا، ويقصده لذاته، فكلّ فعل شعوري لديه مُدرَكه الخاص، وهو لا يفصح عن نفسه إلا حينما يقصد شيئا محسوسا، وهو فعل يستخلص معناه من الواقع، ويتمّ التعبير عنه بكلام محدّد المعنى يمكن أن يُدعى المقاصد، أو الغايات.

المقصدية ونظرية المعرفة
إنّ اللغة «شكل من أشكال الوجود. وكلّ معرفة بهذا الوجود إنما تؤدي إلى إعادة فهمنا للّغة نفسها... أن يكون الإنسان موجودا معناه أن ينطق ويتكلّم، ويدلّ ويرمز، كما يفكّر ويتأمل، ويستدلّ ويبرهن، بل معناه أنّه لا يمكن أن يفكّر ويتأمّل إلا عبر اللغة».
تعبّر المقصدية الظاهرة عند هوسرل عن خصوصية الوعي باللغة، وجعلها شأنا من شؤون هذا الوعي. وهي أدخل في الدلالة على حال الأنا عند اليقظة بوصفها حالا نموذجية لوصف حياة الوعي، كما أنها أقرب للدلالة على ما بين الذات المتحدثة واللغة من قرب وتدانٍ. فالأمر لا يتعلّق بالكلمات في حدّ ذاتها، بل بكونها غرضا للنظر، حيث يكون إنجاز الفعل آية على حضور الأنا قرب الموضوع الذي هو موضوع مقصدي. فإنجاز الأفعال على نحو مخصوص يدلّ على أنّ ما اتّصل بالوعي منها هو غرض تجب نسبته إلى الأنا. وينبغي توحيد الأفعال المقوّمة للألفاظ، والأفعال المقوّمة للمعاني وفق نظام الإحالة على المقاصد، أي أن تتّجه الأنا إلى المحتويات المقصدية بوصفها القاعدة القصوى لكلّ إنجاز عبر اللغة.
ويؤكد هوسرل أنّ العبارة مناط المعنى والدلالة، ولذلك ينبغي ضبط مداها على نحو تكون فيه كلّ كلمة وكلّ تأليف بين كلمات ضمن وحدة قول ذات دلالة. فوحدة القول تناسبها وحدة الدلالة، أما المفاصل اللغوية وأشكال القول فتناسبها مفاصل الدلالة وتشكيلاتها. وينجز المتكلّم بنحو مسترسل دلالة باطنية حين يتحدّث، تتطابق مع الكلمات وتحييها، ونتيجة لهذا الإحياء تحلّ الدلالة بالكلمات والأقوال وترقى بفعل هذا الحلول إلى رتبة المعنى.
جاءت فلسفة هوسرل الظاهرية ردّا على تراث الغرب الفلسفي الذي يعلي من شأن الأنا، فالفلسفة الأوروبية الكلاسيكية ترى أنّ الشعور الإنساني هو بالدرجة الأساس إدراك للذات أو لأفكارها حول الواقع الخارجي، أي أنّه شعور مغلق موجّه لانطباعات ومفاهيم تحدث في مساحة الذات المغلقة، ويصل إلى الأشياء الخارجية عن طريق التفكير الداخلي الذي يحصل ما بين المفاهيم والانطباعات. وإذا كان ديكارت قد قرن الوجود بتفكير الأنا، فإنّ هوسرل هدف إلى جعل الشعور قاصدا للأشياء الخارجية، وإلغاء التقسيم التقليدي ما بين الواقع الخارجي والشعور الذاتي، بل محو ما يدعى بالذاتية، فهو يرى أنّ شعور الإنسان يقصد الأشياء أبدا.

 المقصدية في التواصل اللغوي
ميّز «غرايس» الدلالة المقصدية عن الحالات غير المقصدية، موضّحا أنّ كلّ حدث، سواء أكان لغويّا أم غير لغوي، إما أن يكون محتويا على نية الدلالة أو لا يكون كذلك، فتراكم الغمام يدلّ على أنّ السماء قد تمطر، وهو حدث له دلالة ليس وراءها قصد. أما قولنا لأحد الناس: «اقرأ»، أو: «أغلق الباب»، فهو قول ذو دلالة مقصدية واضحة. لكنّ المرسل قد يخفي قصده كي يؤوّل المستقبل مقصدا ضمنيا ليس هو مقصده الحقيقي، مثل تقطيب الجبين للإيهام بأنّه مشغول، والحال أنه ليس كذلك. وتفترض عملية التواصل المقصدية وجود طرفين إنسانيين: مرسل ومتلقّ.
تتحكّم المقصدية بالفعل الكلامي بتحديد شكله وخلق إمكانية معناه، ويفرّق «سورل» بين المقصد، وهو ما كان وراءه وعي، والمقصدية التي تجمع بين الوعي واللاوعي. فالمقصدية تكون وراء حالات عقلية مثل الاعتقاد والخوف والتمنّي والحب والكراهية من جهة، ومن جهة أخرى وراء أحداث توجهها نحو الأشياء والحالات الواقعية. وقد انتبه «سورل» إلى أنّ هناك حالات عقلية أخرى كالغضب والاكتئاب، ليس وراءها مقصدية، لأنّ الرغبات والمعتقدات يجب أن تكون حول شيء ما، بينما لا يكون الغضب أو الاكتئاب دائما حول شيء معين.
ويؤكّد «سورل» أنّ المواضعات الاجتماعية والقواعد وسياقات المنطوق تؤدي دورا أساسيا في تحديد الفعل الكلامي، فليس المعنى حصيلة للمقصدية الفردية حسب، وإنما هو نتيجة للممارسات الاجتماعية أيضا. فالقدرة على فعل الكلام تتحقّق في عقل المرء، أما إنجاز هذا الفعل فهو تعبير عن المقصدية، وكلّ من القدرة والإنجاز ممارسة اجتماعية.
تتخذ نظريتا «غرايس» و»سورل» الذاتَ منطلقا لخلق عملية التواصل. وإذا كان «غرايس» يحصر مقاصد المتكلم بتأثيره في المتلقي بناء على ميثاق بينهما، فإنّ «سورل» وسّع النظرية لتشمل كثيرا من الظواهر الإنسانية واللغوية. كما أنّ الإشارة إلى المتكلّمين ومقاصدهم ذات أهمية بالغة في فهم اللغة عند «ستراوسون» الذي يقول: «إننا لا نفهم اللغة إلا إذا فهمنا الكلام، ولا نستطيع أن نفهم الكلام إلا إذا عرفنا هدف الاتّصال».
ويؤكّد محمد مفتاح أنّ العملية الكلامية تعكس مواقف الذات وأفعالها وحالاتها العقلية، وتمثّل في الوقت نفسه العلاقات الإنسانية المتفاعلة. وهو بذلك ينبّه إلى أهمية المجتمع الذي يخلق التعابير اللغوية ويعطيها معناها.

مقصدية الخطاب الأدبي
الخطاب الأدبي هو توليد وتحويل للقوالب اللغوية في زمان وفضاء معيّنين، بكيفيّة هي جوهره وسرّ حياته وتعيينه. ويصف «سورل» الخطاب الأدبي بالعمل اللغوي غير المباشر، فهو ضرب من الاستعارة القصوى، تتجاوز دلالته دلالة الألفاظ، وترتكز على مواضعات مضمرة خاصة، وعلى عقد واقع بين الكاتب والقارئ. وفي مناقشته لمشكلة الاستعارة يؤكّد «سورل» أنّ المعنى الحرفي للجملة يقوم بدور محدود جدا، ويحاول اكتشاف المبادئ التي تسمح بالانتقال من هذا المعنى إلى دلالة القول عند المتخاطبين، فيبيّن أنّ الاستعارات لا تشتغل وفق التشابه بالضرورة، لأنّ بعض الجمل ليس لها أيّ معنى حرفي، ولا تنطبق إلا استعاريّا.
ويقول علي حرب: «ليست البلاغة صناعة لغوية صرفة، بل هي العلم بالمعاني كما فهمها عبد القاهر الجرجاني». ثم يؤكّد أنّ «الطاقة على الإيحاء التي يمتلكها المجاز هي التي تشكّل الفسحة التي تتقوّم بها اللغة الشعرية والأدبية عامة». ويتشكّل الخطاب الشعري/الأدبي وفق الأحوال النفسية لقائله ضمن بنية نفسية وسياق عام، وهو يتحوّل من حال إلى حال تبعا لمقصديّة قائله وحالته النفسية، كما أنّ تراصّ الكلمات ومواقعها ونسجها في النصّ له دلالة سيميائية، فتقديم بعض الألفاظ –مثلا- يعكس الاهتمام بها بناء على طبيعة اللغة المستعملة، ومقصدية المتكلم.
وينزع كلّ إنسان –كما يؤكّد «بلانشيه»- إلى الاعتقاد أنّ بناءه/تركيبه للواقع هو الواقع مطلقا، والحال أنّه مجرّد تأويل لهذا الواقع. بل إنّ كلّ خطاب ينعكس بفعل التلفّظ به، وبين الشفافية والكثافة يقول الخطاب عن نفسه شيئا غير ما يصرّح به. فكلّ خطاب يستدعي جزئيا خطابات أخرى يواصلها ويولّدها، سواء أدرك ذلك المشتركون فيه أو لم يدركوه، ضمن نسق دائريّ تنشدّ فيه العناصر بعضها إلى بعض. والخطاب الأدبي «لا ينقل العالم بحرفيّته، وإنما يسهم في إعادة صوغ الحياة وتشكيلها. إنّه «ينطوي على توتّر وقلق دائمين، على نفور من المألوف العادي، وعلى رفض للقائم والسائد». ويتميّز هذا الخطاب باستثماره لإمكانيات الرمز والإيقاع، وحرصه على قصدية اللغة الأدبية، بمعنى الارتباط الطبيعي بين الدال والمدلول.
إذا كان بعض الفلاسفة المعاصرين يعارض فكرة أنّ اللغة تخضع للتحكم العقلي أو القصدي من جانب المتكلم، ويعارض النظرية المقصدية مدّعيا أنّها تنظر إلى المعنى على أنّه فاعلية محكومة بالعقل، وتمنح المتكلّمين نوعا من التحكّم الفعلي بمعاني كلماتهم، فإنّ محمد مفتاح لا يجعل المقصدية هي العلة الأولى والأخيرة في إنتاج الخطاب وتفسيره، فهي عنده طرف لا يكتسب معناه إلا بمقابله، وهو المجتمعية. ويؤكّد أنّ «المقصدية» و»المجتمعية» مفهومان ما وراء نظريين. كما أنّه يؤكّد في قراءته لواقع الأدب العربي أنّ اللجوء إلى المقصدية ضروريّ في تمييز بعض الأغراض الشعرية التي تتداخل، مثل شعر الحب البشري والحبّ الإلهي، وشعر الخمرة الدينية والدنيوية، وأشعار التصوّف وبعض الأشعار الفلسفية. لكنّ هذا اللجوء لا يكفي –في رأيه- وإنما يجب أن يُعزَّز بالمعجم والتركيب.
ويلخّص مفتاح وجهات النظر المتباينة حول المقصدية قائلا: إنّ بعض الدراسات التي اعتنت بالمقصدية قد نظرت من جهة تفوّق المتكلّم. بينما نظرت دراسات أخرى إلى دور المتلقي، وتصوّرت ألاّ فرق بين محورَي عملية التخاطب إلا من حيث الأخذ بزمام المبادرة. لكنّ دراسات ثالثة ذهبت إلى جعل المتكلم لعبة في يد المتلقّي، فهو يكيّف خطابه وفق رغبات المتلقّي، ويصير ناطقا باسمه.
وبعد تمعّنه في النصّ القرآني يضيف مفتاح: «لدينا نصوص دينية آمرة أو ناهية، ولنا أخرى محاجة مقنعة، وثالثة متقمّصة لشخصية المتلقي ومتضرّعة له». ولعلّه يشير هنا إلى تطابق النصّ القرآني مع تعدّد وجهات النظر حول المقصدية، فالنصوص الآمرة أو الناهية تأتي من جهة تفوّق المتكلم، أما تلك المحاجة المقنعة فتراعي محورَي عملية التخاطب، بينما تنظر النصوص المتقمّصة لشخصية المتلقي من جهة تفوّق المتلقّي وتضرّع المتكلّم له.
ربما كان انفتاح النصّ القرآني قد نبّه بعض علماء التفسير إلى تأسيس علم «مقاصد الشريعة»، وهو علم يركّز على دور القصد في اتجاهات التشريع، ويأخذ في الحسبان سياق النصّ، وتناسق خطابه، ويلجأ إلى تفسير النصّ المشكِل بغيره من النصوص.
لا تتحكم المقصدية وحدها في إنتاج الخطاب برأي مفتاح، وإذا كان مقتنعا بدور الذات المتكلمة في إيجاد هذا الخطاب، فإنه يُتمّ المقصدية بمفهوم آخر هو «التفاعل»، الذي يعني عنده علاقة المرسل بمتلقّيه، سواء كان المتلقي فردا أو جماعة، موجودا بالفعل أو بالقوة. وهي علاقة تسلب من المتكلم السلطة المطلقة على إصدار خطابه، وتجعله يكيِّف هذا الخطاب على قدر عقل متلقّيه، وضمن قواعد ضمنية أو معلنة تحكم علاقتهما، فينال رضاه ويستميله، ويحصل التفاعل نتيجة إطلاق الخطاب.
يضاف إلى مقصدية المؤلف مقصدية النصّ التي يوضّحها «إمبرتو إيكو» بقوله: «إنّ الديناميّة المجرّدة التي تنتظم من خلالها اللغة في شكل نصوص، تمتلك قوانينها الخاصة، وتنتج معنى مستقلا عن إرادة من يتلفّظ به». ولعلّ اللاوعي الجمعي ينفذ إلى النصّ الأدبي دون أن يقصد مؤلّفه ذلك، ومن هنا جاء قول مفتاح إنّ المؤلف يعيش في سياق عام ذي محدّدات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، وفي سياق خاص به وبمخاطبه، وبهذا تنفتح إمكانات تأويل مقاصد المؤلف تبعا لإمكانات المتلقي الذي قد يضيء مكبوتات من خلال مؤشرات نصّية تكشف عن مقاصد للمؤلف لا يعلم هو عنها.

 أطروحة المقاصد والتأويل
أجمعت التأويلية الفلسفية وبعض فلاسفة اللغة، والتداوليون، على أنه لا غنى للمؤول عن مفهوم القصد والقصدية لإدراك معنى النص، وتأويله تأويلا ملائما ومنسجما. وقد راعى بعض الدارسين استعمال النصوص الموازية للمؤلف نفسه رفعا لإبهام النصّ. فها هو «هوسرل» في تناوله للإشكالية التأويلية ينقل مفهوم التحليل إلى سياق يصبح فيه موضوع التحليل القصدي هو كشف الممكنات الثاوية في الوعي، كشف غرضه الشرح والتبيين والإيضاح لكل ما هو مقصود من جهة الوعي. وبمطابقة قصدية الوعي للتحليل القصدي مطابقة صناعية ومنهجية صارمة جعل «هوسرل» فلسفته الظاهرية فلسفة المعنى، أو فلسفة تأويل المعنى من جهة التحام الفكر بنفسه.
وعندما تصبح القصدية معنى المعنى أو لغة اللغة عند «هوسرل» فإنه يعيد تربية البصر على الإبصار بنفسه. وبعطف البنية القصدية –أي جوهر حركة الفكر في فلسفة «هوسرل»- على أساسها، أي على ذات الفكر، بوصف هذه البنية قطب أفعال، يتمتّن ويرتفع مستوى الكفاءة التأويلية، كما يبيّن «جان غروندان».
ينتمي النصّ بوصفه تجلّيا للحظة إبداعية إلى حياة المؤلف الباطنية، مثلما ينتمي إلى نوعه الأدبي، ولا يحدث الفهم التامّ إلا ضمن هذا الكلّ الموضوعي والذاتي. وعندما نحاول فهم نصّ ما لا نحاول أن ننتقل إلى داخل عقل المؤلف، بل إلى المنظور الذي كوّن فيه المؤلف أفكاره. ولا يظهر النصّ في شاكلة واحدة، وإنما في كيفيّات متعددة وراءها مقصدية المرسل، ومراعاة مقصدية المخاطب، والظروف التي يروّج فيها النصّ، وجنس هذا النصّ. وهذه الخلفيات نفسها تؤدي إلى اختلاف استراتيجية التأويل.
ويرى «هرش» أنّ معرفة مقاصد المؤلف هي خطوة أولى للوصول إلى تأويل موضوعي. وتتجلّى مقاصد المؤلف في قواعد اللغة التي يطلق عليها «مبدأ الاشتراك». وهو يفرّق بين المعنى والدلالة، فالمعنى الذي يمثّله نصّ ما هو ما يعنيه المؤلف باستعماله متوالية من الأدلة الخاصة، أي أنّ هذه الأدلة تمثّل المعنى. أما الدلالة فتعني العلاقة بين المعنى والشخص أو المفهوم أو الوضع، أو أي شيء يمكن تخيّله. والمعنى –عنده- ثابت غير متغيّر، لأنّ مقاصد المؤلف التي صدر عنها هذا المعنى قد أعطيت بكيفية نهائية. أما المتغيّر فهو الدلالة التي يمنحها كلّ مؤول للنص وفق مقاصده. وبذلك يصبح المعنى هو موضوع الفهم والتأويل، أما الدلالة فهي موضوع الحكم والنقد. ومهما اختلفت التأويلات لا تتناقض لأنها معتمدة على أرض معنوية مشتركة قابلة لإعادة الإنتاج، هي المقاصد. وبذلك يقدم «هرش» أطروحة قصدية تبالغ في تعظيم دور الوعي والإرادة في إنتاج المعنى.
تتجاوز مقاصد المؤلف قواعد اللغة وإلزامات الجنس الأدبي، وهي سابقة على النصّ، ويمكن أخذ ما صرّح به منها، كما يمكن أن يرفض، إذ قد يكون هدف المؤلف هو التعمية وتوجيه المؤول في طريق غير سليم. فالمقاصد الواعية وحدها غير كافية، ويمكن أن تكون مضلّلة. أما غير المصرّح به منها فيجب الاجتهاد في الكشف عنه. لكنّ الاستغناء عن المقاصد بشقّيها نكوص إلى بنيوية منغلقة. ولعلّ المقصدية تتوسّط متضادين هما: التأويلات اللامتناهية التي تتناقض أحيانا، والتأويل الحرفي الوحيد. فهي تنطلق من ثبات المعنى لثبات مقاصد المؤلف، ومن تغيّرات التأويل الخاضع لإلزامات عصر المؤلف والسياق الذي يعيش فيه.
إذا كان التأويل «إحالة من دلالة إلى أخرى، وإعادة تأوّل معنى سابق. وتأوّل المعنى مجدّدا لا معنى له سوى أنّه تجديد الفهم نفسه»، فإنّ النصّ الأدبي يمكن أن يقبل تعدّد القراءات، لكن ما لا يقبله هو التأويلات غير المتناسبة منطقيا، لأنها تحطّم أهمّ دعامتين يقوم عليهما مفهوم النص، وهما: الانسجام والتعقيد المنظم.
ويمكن الخلوص إلى أن البنية القصدية هي جوهر حركة الفكر، وبدراسة الفكر من خلال هذه البنية يتمتّن ويرتفع مستوى الكفاءة التأويلية. وأن الخطاب الأدبي عمل لغوي غير مباشر، تتجاوز دلالته دلالة الألفاظ، وترتكز على مواضعات مضمرة خاصة. ويتميّز بحرصه على قصدية اللغة الأدبية، بمعنى الارتباط الطبيعي بين الدال والمدلول.
وأنه لا يمكن إنكار المقصدية في الخطاب الأدبي، وهي تنقسم إلى مقصدية صاحب الخطاب، ومقصدية المتلقي، ومقصدية النصّ الذي ينتج معنى مستقلا عن إرادة صاحبه. وأن صاحب الخطاب، والمتلقي، والسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي يتنازعون صياغة النصّ. والتأويل المنسجم العقلاني ينظر إلى محدّدات وأطر إنتاج النصّ.
كما تتجاوز مقاصد المؤلف قواعد اللغة وإلزامات الجنس الأدبي، وهي سابقة على النصّ. وتنطلق المقصدية من ثبات المعنى لثبات مقاصد المؤلف، ومن تغيّرات التأويل الخاضع لإلزامات عصر المؤلف والسياق الذي يعيش فيه، وما يتسرّب إلى النصّ دون إرادة صاحبه.
وأخيراً، يقبل النصّ الأدبي تعدّد القراءات، لكنه لا يقبل التأويلات غير المتناسبة منطقيا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }