«استباحات..!؟»

«استباحات..!؟»

من حقّ السياستين، التركية والايرانية، أن تستبيحا ما وسعهما من فضاءات المشهد والواقع العربي، ما دام هذا ممكناً. ذلك أن حسابات الأمم محكومة للمصالح الاستراتيجية، أكثر من إنحكامها للعواطف والانفعالات اللحظية العابرة. أما ما ليس من حقهما، فهو ان يكون مطلوبا من المواطن العربي العادي فَهم السياسة بمشاعره وانفعالاته بأداء السياسيين.ففي تفاصيل المشهد التركي، الذي نجح بامتياز في استلاب عروق اللحظة العاطفية العربية، أنّ جموع الاتراك استدلت،  بسرعة مذهلة، في اسطنبول، على رمزيتها، وعلى رمزية ‹›لحظة›› اردوغان في ‹›دافوس››. فوضعت ‹›الهلال والنجمة››، كجزء من العلم التركي الأحمر، على المثلث الأحمر في العلم الفلسطيني. فتداخلت الألوان والرموز، لتعصف بها الرايات، في سماء المدينة، استعداداً لاستقبال اردوغان، بعد اللحظة المدهشة.سياسياً وثقافياً، شكّلت ‹›جريمة غزة›› مسرحاً ‹›كونياً››، لكل من يريد ويستطيع التحرك على خشبته. وهنا، لا علاقة لنجاح اللحظات بالصدق او بالحقيقة، بل بالاستطاعة والرؤية، والقدرة على تركيب المشهد المحلي، فوق خشبة المسرح الكوني، وما يجري عليه من ضجيج.عربياً، سقط الجميع، حتى الغرق، في تفاصيل الاداء الفردي والجماعي، وما يزال. فاستحالت المنطقة، بما هي جغرافيا السيولة الاستراتيجية، الى مسرح للفعل والتجريب والارتجال. أما إيرانياً، فقد استمر الاداء في التحرك ضمن الفضاءات التي إجترحتها سياستهم، خلال الاعوام الاخيرة، بـتأثيرات سياسية بالغة وفاعلة، ولكن من دون زخم معنوي او شعبي، كما شهدته تلك الفضاءات في بداياتها.الجديد، هو التحرك التركي، سياسياً وثقافيا، على مسرح الاحداث وخارجه. وهنا بدت آثار هذا التحرك معاكسة للأداء الايراني، فقليل من التأثير السياسي، وكثير من التأثير المعنوي والثقافي والشعبي، بما يسمح بتهيئة الحيز المسرحي، للسياسة التركية، بشكل لائق، في اللحظة الراهنة وما يليها.دولياً، بما هو الاطار المحدّد للمشهد السائل برمته، فقد بدا المسرحُ مهلهلا ومرتبكا. فإطار المشهد بدا مهمّشا، وزواياه ظهرت بشكل غير مألوف، ما سمح بتخيل اوهام كثيرة، وافقد بعض الشركاء، او المراهنين، الكثير من توازنهم ورصانتهم. فاهتزت الصورة وغامت، وما تزال، وانفلتت وحوش من عقالها، وغمرت المقاتلين نشوة السلاح الفردي. وانتقلت تلك ‹›النشوة›› وعدواها، الى بعض السياسيين، فضجّ المشهد المحلي بارتجالات فردية، لسياسيين صعدوا الى ‹›المسرح الملتهب›› لتوّهم.على اطار مشهد مهشّم، وبعناصر مشهد داخلية فقدت قوامها، جاءت الالوان التركية الجديدة، تتحسّس مساحاتها الممكنة. وعلى نفس المسرح الدولي، المُهيأ لكلّ أشكال المشاهد الغائمة، جاء ارتجال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، لا لوضع اطار جديد، بل لوضع المشهد كله، وكما هو، على الطاولة، وأمام الجميع، وخصوصا امام مَن يحاولون اعادة ترميم المسرح المحترق. فبدا الأمر لهؤلاء ارتجالا خارج السياق، اما شعبيا، وخصوصا في الاقليم، فرأى فيه الناس السياق نفسه، او ما ينبغي ان يكونه.أما اليوم، فقد انتقلت تلك السياستان الإقليمتيان، وكلّ على طريقته، الى اشكال من الصدامات الخفية والمكتومة. هذا فضلاً عن الدخول الفجّ الى مستودعات اسلحة السياسة الاستراتيجية العربية، وبكلّ ما يعنيه ذلك من استباحات حقيقية..!؟ rafiehm@gmail.com