ثمّة قناعة في إسرائيل بأنّ الإئتلاف الحكومي المتطرف، الذي يقوده بنيامين نتنياهو، هو أكثر حكومات إسرائيل يمينيةً وعدوانية ليس فقط تجاه الفلسطينيين بل وأيضاً ضد كل ما هو علماني أو يساري، أو مخالف لآراء الكتل الحزبية المُشاركة في هذا الائتلاف والذي استطاع الصمود ثلاث سنوات (31/3/2009) رغم تنبؤات مبكرة «جزم» بعضها بأنه آيل إلى التفكّك، وأن التناقضات داخله كفيلة بنسفه وبما يفسح في المجال لقيام إئتلاف آخر يقوده حزب كاديما، بزعامة تسيبي ليفني، (بالطبع قبل أن يطيحها شاؤول موفاز بأشهر طويلة)، وربما قيام إئتلاف ثلاثي يشارك فيه بالإضافة إلى ليكود نتنياهو وكاديما، حزب العمل بزعامة إيهود باراك، (قبل أن ينّشق الأخير عن العمل ويؤسس حزباً من خمسة نواب أطلق عليه اسم حزب الاستقلال والذي يتوقع المراقبون أن يختفي من الساحة في أي انتخابات قادمة) بل إن هناك من قال إن أفضل خيار (في حال تفكك إئتلاف نتنياهو) هو الذهاب إلى انتخابات مبكرة وجديدة، حتى يتم كسر المعادلة الهشّة التي افرزتها انتخابات الكنيست رقم 18 (الحالية)، التي منحت كاديما تفوقاً بمقعد واحد على الليكود (28 مقابل 27)، لكن «كتل» اليمين الفاشي والديني، استطاعت قلب المشهد واصطفت خلف نتنياهو لتشكيل حكومة هي الأكبر عدداً في تاريخ إسرائيل (30 وزيراً و7 نواب وزير) ولم تتصدّع حكومة نتنياهو من الأزمات والخلافات التي كانت تحدث بين أركانها سواء في ما خص المفاوضات مع الفلسطينيين او مع مصر مبارك ولا حتى مع الولايات المتحدة وخصوصاً الرفض الذي قوبل به تعيين افيغدور ليبرمان وزيرا للخارجية والمقاطعة من قِبل وزراء خارجية دول عديدة، ومع ذلك «صمد» الائتلاف ولم يحدث ان استقال وزير او هددت «كتلة» بالانسحاب منه، حتى بعد أن عاود نتنياهو «تفاوضه» مع السلطة الفلسطينية على غير رغبة زعيم حزب إسرائيل بيتنا.
الائتلاف الأكثر يمينية وتطرفا، حقق «انجازات» داخلية كبيرة ولافتة وبخاصة هجمته المنسقة ضد المنظمات المدنية والجمعيات الاهلية المدافعة عن حقوق الانسان (تعاونت مع لجنة غولدستون وملابسات سفينة مافي مرمرة التركية) او الداعية الى السلام مع الفلسطينيين والكاشفة لجرائم الاحتلال من استيطان وتنكيل وعقاب جماعي وإهانات وإذلال على الحواجز أو مصادرة الأراضي أو هدم البيوت وغيرها من الممارسات والارتكابات الفاشية فقامت الأكثرية اليمينية (65 نائباً) بتمرير مشاريع قوانين تحول دون تمويل هذه المنظمات والهيئات من صناديق تمولها الحكومة وكانت تقف خلف ذلك منظمة متطرفة اسمها «إن شئتم»، كذلك في اقرار قوانين مثل قانون النكبة الذي يمنع أي جهة او «بلدية» من الاحتفال بيوم النكبة اذا ما كانت هذه الجهات ممولة من خزينة الدولة وقانون عزمي بشارة وايضا قانون لجان القبول «الجيرة» والانسجام الاجتماعي وغيرها، التي تفوح منها رائحة التمييز العنصري واعتبار عرب إسرائيل بمثابة طابور خامس، زد على ذلك الهجمة الشرسة التي تتعرض لها محكمة العدل العليا التي تُتّهم في الأوساط اليمينية، بأنها محكمة يسيطر عليها «اليسار» وتحوي في صفوفها قاضياً عربياً هو سليم جبران الذي لم ينشد هاتكفا (النشيد الوطني) في بيت شمعون بيرس أثناء احتفال بتولي القاضي أشر غرونيس، رئاسة المحكمة العليا (وهو قاض يميني معروف).. وهناك محاولة لكف يد هذه المحكمة من خلال مشروع قانون يعده نائب (وزير عدل سابق) يقول بأن لا يجوز للمحكمة الرفض مرة أخرى لقانون سبق أن رفضته، إذا عادت الكنيست وشرّعته بأغلبية 65صوتاً!!.
آخر ما في جعبة هذا اليميني الفاشي، هو محاولة تمرير قانون يتيح للإسرائيليين الماكثين في الخارج، بالتصويت في انتخابات الكنيست، وهو أمر يبدو في الظاهر عادياً ومنسجماً مع كثير من القوانين التي أقرتها برلمانات عديدة في العالم، وما يزال مواطنوها في الخارج يصوتون في الانتخابات رئاسية، كانت أم برلمانية.
في إسرائيل المسألة مختلفة تماماً والقصد من وراء مشروع القانون هذا واضح وجلي، وهو تعزيز قوة أحزاب اليمين والتقليل من وزن الصوت العربي، في ظل أرقام وفرضيات تقول بالميل إلى اليمين لحاملي جوازات السفر الإسرائيليين ممن سيكلفون أنفسهم عناء الوصول إلى صندوق الاقتراع ... «الإحساس الوطني يزيد كلما ابتعد المرء عن الوطن» يقول يارون لندن (يديعوت احرونوت 10/4/2012)..
الجدل حول هذه المسألة ما يزال متواصلاً، لا يتردد وزير الدفاع الأسبق اليميني المتطرف موشيه ارنس، في طرح سؤال استنكاري، هل الإسرائيليون في الخارج يمينيون؟ يدافع فيه من خلال مقالة في هآرتس عن حق الإسرائيليين في الخارج بالتصويت ويصف من يعارضون بأنهم مرعوبون ويرى في «سلب» الإسرائيليين هؤلاء حقهم الأساسي بصفتهم مواطنين هو أمر «فاضح» ليخلص إلى القول:»..من المنطقي افتراض ان استعمال هذه الطرق لتخويف الجمهور الإسرائيلي لن يتوّج بنجاح ولن يمر»، بعد ان يستهتر وبكلمات قاسية بالذين وقّعوا على عريضة ترفض هذا القانون لأنه «سيُخّرب الديمقراطية الإسرائيلية ويمنع إلى الأبد إمكانية تغيير الحكومة» على ما قال المعارضون.
[email protected]