قصص قصيرة جدّاً

قصص قصيرة جدّاً

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 13-4-2012
No Image
قصص قصيرة جدّاً

أنّا ماريا شوا
ترجمتها من الإسبانية: نهى أبو عرقوب

نشوء وارتقاء
كيف حدث أن صرتُ كهلاً؟
أتذكّر طفولة ثلجية: رائحة النّار، غيْمات البخار الصّغيرة التي تنْفَلت من الصّوف الرّطب فتغرق الغرفة بضباب خانق.. عيْنَي أمي الخضراوَين، اللّتين يصعب إرضاؤهما.
وفي ذكرى أخرى، يعاودني صوت سكّين يشطر جوزة هند، ورائحةُ المناخ الاستوائي المتعفّنة، وقطرات العرق على عنق جدّتي السّمراء: لم يكن لي أمّ هذه المرّة.
لكنّ الأسواّ، ربّما، والمتسبّبَ في هذه المرارة التي أحسّها في فمي، عائدٌ إلى «مناجم الطفولة»: تلك الأيام الطويلة السّوداء التي تنقضي في جمع قطع من معدن برّاق كان الكبار لا يرونه أو لا يقدّرون قيمته.
في بلّور الذّاكرة، أرى ملامح طفولتي المتعدّدة وأعود لأتساءل عمّا جرى لي، كيف حدث أنْ صرتُ كهلاً ومتى، كهلاً وحسب.

صفقة أخرى مع الشّيطان
زيادة العرض تؤدي إلى انخفاض الأثمان. أرواح قديرة تُباع مقابل خدمات هامشية (شقةّ بفضاءين منفصلين، سبعة أشهر من الشّباب، استحسان فتاة شابة، وكفالة ضدّ انقطاع الكهرباء). والأهم أن تتحلّى بالصّبر، فسيّدُ الشّر موجود في كلّ زمان ومكان، لكنّه ليس مسرفا: فلكي لا تُبتَذلَ صورتُه، يدّخر نفسه للعملاء الكبار فقط. وفي قسم المبيعات، يبذل فريقُه كلّ ما في وسعه من جهد. ثمّة أرواح تذهب إلى الجنّة، لا لشيء سوى لأنّ أصحابها يُمضون حياة بأكملها منتظرين بلا جدوى عرضاً مُغرياً.

ضدّ الزّمن
تقول بالوما: «الزمن حركة. وإن استطعنا أن نبقى حقّاً ساكنين، فإن الزّمن لن يمر». تذكّرتُ قصّة لبورخيس يُمنح فيها محكوم بالإعدام أبديّةً ثابتة كي يُنجز عمله، وقد ظلّت الرّصاصة التي كان يجب أن تقتله عالقة في الهواء. بقينا ساكنَتَين جدّاً، إلى أن حانتْ، على الرّغم من ذلك، ساعة العشاء (لم أفهم، يقول بورخس، أنّه في غياب الزّمن لا وجود حتّى للسّكون: إشغال للمكان نفسه في لحظات متباينة).

الحياة كالنّهر
الحياة مثلُ جبل، فمنذ أن يولد المرء، ما من شيء يفعله سوى الصّعود، وحين يصل إلى القمّة، ومهما حاول أن يتشبّث، يبدأ بالانحدار في الاتّجاه الآخر.
لكنْ بعبارة أدق، فإنّ الحياة مثلُ نهر. ثمّة من يرمي بنفسه وسط التيّار، وثمّة من ينظر إليه من الشاطئ، والخطر الأكبر يكمن في الدّوامة.
على أنّ الحياة يمكن أن تكون كذلك مثلَ حصان جامح، أو بُرغيّ، أو شجرة «أراوكاريا» عملاقة وقد غدت شجيرة على يدي بستاني ماهر لكنّه غليظ القلب. مثل قلب درّاقة، مثل رسالة مشفّرة، مثل بصلة. مثل «أوكاب»، مثل استعارة.
وما جدوى أن نعرف ما هي الحياة وما علّتها؟ هكذا يقول المتهوّرون والجاهلون. إلّا أنّه قد تأكّد لي أنّ من لا يعرف الإجابة فانٍ، وكذا من يعرفها.
 
زهرة أزتيكية
لا تقلق، تبدو كرأس سيّدة بارزٍ من مزهريّة مثل زهرة، لكنّها ليست كذلك. أقولها لك أنا التي تعمل هنا. تبدو كتويجاتٍ خصلاتُ شعرها، وهذا العنق الذي يتفرّع مثل غصيْن ورقة. ولكن لا تجزع. فليست هذه زهرة حقيقية، سريعةَ الفناء: في الأمر حيلة، لعبةُ مرايا، أنا رأيتها، هي ليست مزهرية بل هي أصيص بتربة سوداء طيّبة. ليست زهرةً، بل نبتة قوية جدّا، عفيّة جدّا، وأنا أعرفها جيّدا، أروي جذورها كلّ صباح. انظروا إليها كيف تبتسم، كيف تتكلّم وتتمايل، ستعمّر أكثر منّا، أكثر منّى بلا شكّ، أنا التي قبل الأوان، هَرٍمْت.

تمثيل الموت
أطلق رجل النار على نفسه في الشرفة أمام مجموعة من الأصدقاء. مدّ أحدهم يده كي ينقذه، قاوم المنتحر بكلّ ما أوتي من قوة فعضّ اليد التي مُدّت له وقذف بنفسه في الفراغ. ليست هذه قصّة قصيرة. فهذا الرّجل الذي كان ممثّلا، كان لا يخشى من مواجهة موته الخاص، قدر خشيته الانتحار بلا جمهور.
مهنٌ طفولية
في الصّغر، نحلم جميعاً بأن نصير طيّارين، مِظلّيين، رؤساء، أو رجال إطفاء. وكثير منا يرغب أيضاً في أن يصبح جلّاداً ، لكنّه لا يصرّح بذلك لأمّه أبداً.

الطّائر الأزرق
لاحقَ رجلٌ طائرَ السّعادة شهوراً وأعواماً عبر جبال وأنهار عديدة. ثبتَ أمام إغراءات كثيرة، صارع وحوشاً ضارية، وتجاوز آلاماً وتعاسات جمّة، مقدّماً البحث عن السّعادة على كلّ طموح أو ضرورة أو رغبة. انساب الزّمن وأثقل كاهليْه، لكنّ الطائر شاخ هو الآخر، شحب ريشه وبهتت ألوانُه.
ظفِرَ به ذات يومٍ باردٍ مُكْفهر. كان العجوز جائعاً، أمّا الطّائر فكان سقيماً ولكن به بقية من لحم. نتفَ بحذر ريشه الذي احتفظ بشيء من زرقته. شواه وأكله، وعندها شعر بالرّضا، وبالسّعادة للحظة.

لكي تكتبَ رواية
اقتنيْتُ برنامجاً يساعدني على كتابة الرّواية. ومن الحاسوب إلى الطّابعة، بدأتْ تتدفّق روايات تعليمية، وروايات حميمة وأخرى عائلية. وبقليل من الممارسة، توصّلتُ إلى كتابىة الرّواية البوليسية، والسياسية، والإيروتيكية، وروايات الخيال العلمي والجاسوسية. وحين أحطتُ بفيْضِ الإمكانيّات التي يجود بها البرنامج -ومن باستطاعته أنْ يستنفدها؟!- توصّلت إلى إنتاج الرواية-النّهر، والرواية الباروكية، والرواية المسلسلة وحتى الروايات الكبيرة: تلك الأعمال العظيمة التي تتجاوز كلّ الأجناس.
وهنالك برنامج آخر باستطاعته أن يمدح مزايا رواياتي، وينتقدَ بموضوعية عيوبها، ويكتب حولها المقالات بل والدّراسات الأكاديمية. ويبدو أنه يقرأها أيضا، ولكن: كيف لي أن أتأكّد من ذلك؟ فلم يُبتَكَرُ بعدُ البرنامج القادر على التّحقق من فعلٍ على هذا القدر من الغموض والسّرية.

• وُلدت «أنّا ماريا شوا» Ana María Shua في نيسان 1951 في «بوينس آيرس». نشرت أكثر من ثمانين كتابا في القصّة القصيرة، والقصة القصيرة جدّاً والرواية والشعر والأدب السّاخر وأدب الناشئة والسيناريو والمقالات الصحفية. من أعمالها: «كتاب الذّكريات»، «الموت كعرض ثانوي»، «صيّادو الحروف» و»ميزان الغواية». وقد تُرجمت أعمالها إلى لغات عدّة وحازت جوائز عالمية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }