ابراهيم العجلوني

بلغت العماية، وتمكن الهوى في النفس، وغَلَبة السخف بولي الدين يكن، أن يذهب في كتابه الصادر قبل مئة عام (1909): ''المعلوم والمجهول''، إلى أن اللورد كروفر، داهيّة الاستعمار الإنجليزي في مصر هو ''مصلح مصر'' الأكبر، والأب المشفق للمصريين، والظهير الأعم لأحرار العثمانيين، وأنّه .. ''قدِمَ مصر زمان أشكلت أُمورها، وجمّت مخاوفها، فشَدّ أزرها وأنهضها وسط مخاوفها، ووقف بها على حدّ التصافي، فكان لها الطبيب النطاسي كلّما شكت وجَعَاً بادرها بالدواءِ بما يُزيله، وظلّ إلى يوم فارقها يتحدث بفضله من عرفوا حُسْنَ مقاصده وأدركوا مبتدأ أمره، غير أنّه بُليَ بقوم لا يشكرون صنيعةً وإن جلّت، ولا يحمدون حالاً وإن صفت، فنالوا منه وسفَهو عليه، فكان حظهم من ذلك كله أن قال الناس إنّ هؤلاء ليسوا أهلاً للحكومة، وما أصاب ''مصلح مصر'' - وما يزال الكلام على المحتل كرومر - من كيدهم سوء، بل زادت محبته تمكناً من قلوب محبيه وزاد أهل السداد إعجاباً بحلمه كما زادوا إعجاباً بحكمته''. ويقول هذا المنافق في فقرة أخرى من صدر كتابه انه لا يظن ''ان رجلا يشفق على بنيه اشفاق اللورد كرومر على المصريين، فهو أبو حريتهم ومصدر انصافهم ومورد سعدهم، إلاّ أنه كان يخدم من لا يحبونه''. يقول ذلك كله، في الوقت الذي يشدد النكير على الوطنيين المصريين أمثال: أحمد عرابي، وعبدالله النديم، ومصطفى كامل. ويصفُهم بأشنع النعوت ويرى أنهم مثيرون للفتن في وجه الاحتلال الذي كان أكثر رأفة بهم من آبائهم وأمهاتهم بحسب ما يقوله التملق ويدفع اليه السقوط العلمي والأخلاقي في آن. هذه صورة من تهافت صنائع الإنجليز في مصر (قبل مئة عام)، وهي صورة تصلح للتعميم حيثما كان احتلال وصنائع، أو كان حكّام أُجانب تحملهم الدبابات مع صنائعهم، لا يختلف فيهم ''كرومر'' الإنجليزي عن ''بريمر'' الأميركي، ولا تختلف ''فضائل الاحتلال''، على السِنِة المنافقين المتهافتين قدماء ومحدثين، ولله في خلقه شؤون. نقول هذا بعد عثورنا صدفة على كتاب ولي الدين يكن الصادر قبل مئة عام، والمتضمن جوانب من سيرته الذاتية التي سنرى من خلالها الى البنية النفسية لطائفة من الخلق لا بد ان يجلوها الزمان حينا بعد حين لتكون انموذجا للضعف والاستخذاء في مقابل النماذج المشرفة التي عرفها تاريخنا الادبي والسياسي قديما وحديثا، اذ ''بضدّها تتميز الاشياء'' ثم ليكون ذلك دليلا على ان التاريخ لا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة، وان من يخرجون على امتهم وشعبهم بمثل موقف ولي الدين يكن سوف تلحقهم لعنة الاجيال، ويذهبون مثلا ''رجيما'' أبد الدهر، وان كانوا يحسبون انهم - بما سولته لهم انفسهم - هم الفائزون، ألا ساء ما يحسبون، وساء ما يزرون وساء من اتصل بسبب بهم، قديما وحديثا وفي كل حين.