القضاء البدوي

القضاء البدوي

مفلح العدوان - هذا كتاب يعد أقدم الكتب التي عالجت موضوع القضاء البدوي، ووثقت له، في مرحلة مبكرة من تاريخ الأردن الحديث حيث تأتي الكتابة هنا من واحد من رجالات الرعيل الأول، وأحد وجهاء الكرك، وهو النائب العام لحكومة شرق الأردن، القاضي عودة القسوس.مآثر الأجداديأتي اختيار هذا الكتاب في «بوح القرى»، لما هناك من أهمية للموضوع في كافة أنحاء الأردن، وهو يلامس حياة كثير من أطياف المجتمع، حتى مع وجود القوانين والمحاكم المدنية، هذا من جانب. ومن جانب آخر فإنه في سردنا لحكايات القرى، والأمكنة، وتفاصيل سير الأجداد، وجلساتهم، ومآثرهم، كان يمر علينا كثيرا من إشارة إلى بعض قضاة البدو، وكذلك قضايا مهمة وحساسة وجدوا لها الحلول والمخارج من عمقهم في تفهم القضاء البدوي، ولذا تأتي هذه الإطلالة على هذا الكتاب في «بوح القرى»، في جزء منها، لتغطية هذا الجانب، كما وأن هذا الكتاب بحد ذاته يعد وثيقة تؤرخ لمنظومة من الأحكام والأنظمة التي صاغت الأطر العامة للمجتمعات في مرحلة من مراحل حراكها، وتطورها، قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن.مبررات الكتابةأما مؤلف الكتاب فهو علم من الرواد في الوطن، وواحد من رجالات الأردن المعروفين، ولا بد من عرض سيرته الحافلة بالوطنية، ومسيرته الثرية في أكثر من مجال ومضمار. وقد كتب المؤلف في الصفحة الأولى من كتابه بتاريخ 21 كانون أول سنة 1936م، إهداء إلى الأمير عبد الأول ابن الحسين، آنذاك، وفيه يوضح مبررات كتابته للكتاب، ومن سبقه في هذا المضمار، والجديد الذي أضافه على ما كان، حيث يقول «سيدي صاحب السمو الملكي أمير البلاد المعظم.. أما بعد، فقد طالما ساورت نفسي وقد نشأت في محيط الكرك العشائري، وشبت، وشببت، وأنا على أوثق اتصال بالحياة العربية البدوية الصرفة رغبة ملحة في اخراج كتيب للناس أضمنه ما لحياة البدو الاجتماعية وتقاليدهم وعاداتهم وعنعناتهم من نصوص وأحكام. فكان لي من اشتغالي بعلم الحقوق، وانتسابي للسلك القضائي المدني قاضيا ومحاميا ونائبا عاما في حكومة سموكم، وما يفسحه مثل هذا الانتساب لرجل عربي بدوي مثلي من أسباب المقارنة والمقايسة بين القضاء العشائري والقضاء المدني في مجال قد لا يتهيأ مثله لغيري من الباحثين غير حافز على كتابة هذا المختصر في القضاء البدوي وسنن العشائر في أحكامها وهو على اختصاره واقتصاري في تدوين فصوله على ما جرت عليه عشائر الكرك، فعشائر بلاد الإمارة في معاملاتها وتقاليدها الحقوقية قد ضم إلى درفتيه من أحكام القضاء البدوي وأساليب التقاضي ما لم أجد له نظيرا في الكتب العربية التي ألم فيها مؤلفوها بالحياة البدوية وبشؤون العشائر، ككتاب عارف بك العارف الموسوم بالقضاء بين البدو، وكتاب الحبر بولس سلمان المسمى خمسة أعوام في شرق الأردن، وكتاب عوائد العرب لمؤلفه بولس سويد، فإن هؤلاء الباحثين جزاهم الله على جهودهم العلمية أحسن الجزاء قد قصروا كتاباتهم على بحث الحياة البدوية العشائرية بقضها وقضيضها بحثا إجماليا عاما كان من تفاريق فصوله التحدث لقرائهم عن القضاء بين البدو وأحكام العشائر في معاملاتهم الحقوقية حديثا خاصا اقتضاه سياق البحث العام في الذي يعتبر فيه القضاء البدوي وكما لا يخفى على علم مولاي أوفر أجزاء الحياة الاجتماعية البدوية كمية وكيفية وأجدرها بالعناية والبحث المستقل..».البدوي العصريهذه هي الطبعة الثالثة من الكتاب صدرت عام 2011م، وكتب مقدمتها المحامي أديب سلامة هلسا، وقد أشار في سياق مقدمته إلى أن «الكتاب يشكل مقدمة مهمة لموضوع القضاء العشائري والقضاء البدوي ويبين أحكامه، وأقترح أن يكون هذا التراث في متناول طلبة كليات الحقوق الأردنية، وأن يقرر كمساق اختياري لهذا الموضوع من ضمن منهاج الدراسة».أما الطبعة الأولى من الكتاب فكانت عام 1936م، بينما الطبعة الثانية فقد صدرت في عام 1972م، وقد قدم لها الأستاذ إبراهيم قبعة، وقال في مقدمته بأنه «تأتي أهمية هذا الكتاب التاريخي: أولا كوثيقة وكمرجع للباحثين ورجال القضاء وللمتصدرين لمسألة تحديث وإعادة تركيب الهرم الاجتماعي في بلادنا. وثانيا لكون مؤلفه عودة القسوس البدوي العصري، وأحد زعماء عشائر الكرك والجنوب، وكأحد القادة العصاميين الشعبيين في العهد التركي، وكوزير وعضو أول مجلس تشريعي ومن أنزه رجالات القضاء في عهد الإمارة».عناوين.. وأحكاماحتوى الكتاب بعد المقدمة على 12 فصلا، موزعة على عناوين منها: البداة، وانتخاب القاضي، والقضاة، وفي صور انتخاب القاضي إذا اختلف المتداعيان، والوساقة، والرزقة (رسم المحاكمة)، والمحاكمة، وإعلان الحكم، و»سوم الحق» أو الاستئناف، وقضاة المناهي وقضاة المشاهي، وفي ما يستند عليه القاضي في أحكامه، وكيفية أداء الشهادة، والمطاعن التي ترد بموجبها الشهادة. وهناك عناوين أخرى يمتد إليها موضوع الكتاب مثل نصاب الشهادة، والقواعد الجارية والحكم بموجبها، والمرد، والتحليف، والقضايا التي لا يجوز فيها التحليف، والبيع، وعيب البيوع، والعدولة، وشرط الراعي، والشفعة، والميراث، والمحاكمات الجزائية، والقتل وتعطيل العضو، والبشعة، والاغتيال، وقتل المرأة، وقتل الجنين، وأحكام الزنا، وخطف النساء والبنات، وقطع الجيرة، والتجاوز على الدخيل، والتجاوز على رفيق الطريق، وتقطيع الوجه، والتجاوز على الضيف، والتجاوز على الطنيب، وإطلاق الرصاص، ونتف شعر الذقن، والعداية، وحقوق ذوي القتيل الداخلية، وأصول الصلح عن دم أو هتك عرض، والدية، والشروة، وجريمة المرأة، والانفصال الإداري، والإعانات، والخيول وأحكامها، والزواج، والعرس، وبيع الخيل الأصايل، وحقوق الإدارة، وتشكيلات القبائل، وحقوق شيخ المشايخ، والصلح بين القبائل، والأحوال الحربية، وحقوق الغزاة، والغنائم، والعرافة، والجزور، والخاوة، والحسنى، وتبديل الجنسية، وآداب الضيف.قضاة.. وشيوخهنا لا بد من الإشارة إلى بعض الصور التي تضمنها الكتاب، وهي لقضاة وشيوخ معروفين في الأردن، منهم، وكما ورد في شروحات الصور كل من «الشيخ جميل المجالية شيخ مشايخ الكرك، ورفيفان باشا المجالية زعيم الكرك وقاضي المناهي فيها، ومثقال الفايز شيخ مشايخ بني صخر وقاضي المناهي في بدو الشمال، وحمد باشا الجازي شيخ مشايخ الحويطات وقاضي المناهي في بدو الجنوب، والشيخ ابراهيم القسوس من القضاة المسيحيين، والشيخ حسين باشا الطراونة من القضاة».كلمة طيبةفي ختام الكتاب تمت إضافة كلمات، ومقولات، حول المؤلف عودة القسوس، وعن كتابه القضاء البدوي، ومنها ما كتبه معالي السيد عبد الرحيم الواكد، وفي جانب من كتابته يقول الواكد «من هذه المجموعات المدونة والتي اطلعت عليها، وأعجبت بها كتاب القضاء البدوي لمؤلفه المرحوم عودة القسوس النائب العام السابق في الأردن وعضو المجلس التنفيذي. قبل أن أقول كلمتي في الكتاب أريد أن أنوه بمآثر مؤلفه المرحوم. لقد عاش رحمه الله في جوّ قبلي عاصر الحكم العثماني والحكم العربي في سوريا والأردن وكان المرحوم من الرعيل الأول متوقد الذكاء وطنيا فذاً جريئاً مقداماً مخلصاً لبلده وأمته قاضياً حازماً شديداً من غير عنف، ليناً من غير ضعف. فهو يحب المسلم المتدين، لقد شاهدته يؤنب مسلماً يفطر رمضان شارحاً له منافع الصلاة والصوم بصورة لا تقل عن شرحها من أي عالم إسلامي. عرفته رحمه الله محاميا ضليعا غيورا على مصلحة الموكلين لا تهمه أجرة المحاماة بقدر ما يهمه إيصال الحق إلى صاحبه.. إن رجلا هذه صفاته وأخلاقه لحري بنا أن نمجده ونترحم عليه حيثما ذكر اسمه. إن أقل ما يمليه عليّ الواجب أن أذكر بكل تواضع هذه الكلمة الطيبة بحقه». ويضيف السيد عبد الرحيم الواكد: «أما كتابه القضاء البدوي فقد جاء بوقت إصداره درة ثمينة لقواعد القضاء البدوي، فقد أوضح لنا المؤلف كثيرا من القواعد التشريعية التي تسير عليها قبائلنا في حفظ سلامة الدخيل والقواعد المتعارف عليها في قضايا الدم والعرض ومعاقبة من يخرج عليها ولا شك أن من تتبعها يتفهم كيف كان الأمن يحفظ. والقضايا تحل وتحسم منازعاتها بوقت قصير لا يتجاوز في كثير من الأحيان أياما معدودات هذا مع العلم بأن الكتاب تضمن كثيرا من القواعد التي حفظت سلامة الأخلاق ومعاملة الجار والطنيب وإكرام الضيف وآداب الضيافة وكيفية عقد الصلح في قضايا الدم والعرض مع بيان كثير من القواعد المدنية والخلافات الحقوقية والتي تتضمن كثيرا من الأحكام التي نصت عليها القوانين المدنية الحديثة». «أحب بلده حتى الهيام»كما كتب الأديب الأستاذ عبد الحليم عباس كلمة قال في مطلعها «ستكون كلمتي عن –المؤلف- المرحوم عودة القسوس، فأنا لا آبه كثيرا للقضاء، سيان أكان بدويا أم مدنيا، فلقد باعدتني اتجاهاتي الفكرية عن هذه الألوان من المعرفة.. عودة قسوس من الرعيل الأول من رجالات العرب، عرفه أبناء الأردن، أوسع معرفة، عندما نزل الأمير عبد الله –تغمده الله برحمته، وأوسع له في جنته ورضوانه- هذه الديار وأقام فيها حكومة كان هو ورهط مبارك من إخوانه –الرعيل الأول- من أوائل من أقاموا وشاركوا في هذه الحكومة وما تلتها من حكومات.. كان المرحوم «أبو سليم» من هؤلاء، ولكنه كان متميزا عنهم بأشياء كثيرة، وهذه الأشياء قد لا ترفعه على ما فوق إخوته ورفاقه ولكنها تجعله متميزا في صفوفهم، لا تخطئه العين، ولا يخفى أبدا مكانه من بين هؤلاء الأخوة والرفاق. وكنا نحن في سن الصبا والشباب نسمع ما يتناقله الكبار في السن عنه، ونجلس إليه مع أولاده الذين هم في مثل سننا بعض الحين، فنرى فيه –التميز- الذي يتناقله عنه الكبار. كان عربيا في اتجاهاته، ولكنه مع ذلك كان أردنيا أحب بلده حتى الهيام..».وإضافة إلى هذه الكتابات فقد وردت إشارات إلى عودة القسوس، وكتابه القضاء البدوي في غير موقع، يشار إلى بعضها قبل نهاية الكتاب، منها ما ورد في كتاب جذور الوصاية الأردنية في الملفات الصهيونية، في إشارة إلى تقرير اهرون كوهين عن زيارته للأردن، وكذلك ما ورد في تقرير توماس برترام، وأيضا ما كتبه فرانك ستيورات.