ماجد صالح السامرائي - لا يملك قارئ أبحاث د.حليم بركات في دراسة المجتمع العربي المعاصر، إلاّ أن ينظر إليها باهتمام، مقدّراً ما لها من أهمية علمية. وكتابه الأخير "المجتمع العربي المعاصر: بحث في تغير الأحوال والعلاقات" كتاب له هذه الأهمية. فهو يقرأ فيه ما يدعوه "التغيرات الجذرية في المجتمع العربي في القرن العشرين" من دون أن يهمل في هذه القراءة تعقيدات هذا القرن و"خصوصيات أجزائه، وتحولاته، وبناه الظاهرة والخفية، وتناقضاته، وعلاقاته بذاته والآخر، وموقعه في التاريخ الحديث" (ص 13).
يجري هذا كله من موقف الانتماء إلى هذا المجتمع، والتبني الموضوعي لقضاياه من وجهة نظر قومية تأخذ نفسها بروح هذا الانتماء وما يحتم من مسؤوليات اجتماعية وتاريخية، متبعاً بركات في هذا ما يدعوه: "المنهج الاجتماعي التحليلي النقدي" (ص 20).
وإذا كانت موضوعات الكتاب تتسع وتتشعب بحكم اتساع الواقع الذي تتحرك فيه وتشعب قضاياه ومشكلاته، فإن وقفتنا هذه معه ستركز على ثلاث قضايا نعدها جوهرية وذات أهمية خاصة في واقع اليوم، بحكم ما يشهد هذا الواقع من صراعات ويعيش من تحديات، وهي:
- قضية الهوية التي وإن أخذها ببعدها القومي فإنه لم يهمل الإشارة إلى عمليات تفتيتها عبر الإقليمية والتعصب العرقي (الإثني)، متقصياً جذورها وامتداداتها في الواقع الاجتماعي والرؤية الاجتماعية. وإذا كان بعض المفكرين والدارسين يشدد على أن اللغة "تشكل العنصر الرئيس الأهم في تحديد الهوية العربية" (ص 59)، فإنه يضيف "أسساً أخرى كالثقافة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والواقع في البنى الاجتماعية والصراع التاريخي" (ص 61).
- الثقافة العربية من منظور ما تتفتح عنه من -وبما لها من- قيم في الفكر والروح والإبداع، ناظراً إليها في بعديها/ معنييها: الأنثربولوجي والحضاري، ومشيراً "بشكل خاص إلى مجمل المعارف والإنجازات الابداعية أو الفنية والفكرية والعلمية والتقنية"(ص72).
- استشراف الحاضر من خلال مفهومات الجدل الفكري (وليس الصراع)، وقضية التحديث، والتحول الثوري، وما يعيشه الواقع الحاضر من تحديات، لعل أهمها، بحسب المؤلف، حالة الاغتراب في الواقع العربي (إذ يجد أن المجتمع العربي "مغترب عن ذاته، ويسعى جاهداً إلى تجاوز اغترابه وتبعيته"، ص 20)، ومسألة العولمة، وفشل نماذج التنمية، مؤكداً أن التطلع نحو المستقبل سيكون بداية عصر جديد.
أما الصورة الراهنة فيحدد مكوناتها في: الإحساس بالخيبة، والشعور بالحبوط، والعيش في واقع هزيمة معلنة. فالعرب في يومنا هذا، كما يراهم، "يشهدون في عصر ما بعد الحداثة والتحولات الاقتصادية والثقافية العالمية وما رافقها (...)، عودة إلى الانتماءات التقليدية وترسيخاً للواقع القطري الذي رسمت القوى الخارجية خريطته ضد رغبات شعوبه" (ص 19)، ذلك أن التبعية التي تجلّت في فقدان سيطرة الوطن العربي على موارده ومصيره قد أوجدت "فجوة حضارية تفصل بينه وبين المجتمعات المتقدمة التي تمارس عليه جميع أنواع الاستغلال والقهر والاذلال" (ص 25)، وهذا هو ما جعل حركات التطلع إلى المستقبل تجري فيه بكثير من الإحباط، على حد رؤية المؤلف.
وفي هذا تتحدد القضايا التي سنركز عليها في قراءة هذ الكتاب القيم علمياً، وأولها: خطاب الهوية القومية الذي يتعرض اليوم لمحاولات التفتيت والطمس، والذي يعمل العرب، من جانبهم، على تثبيته وتكريسه بوصفه خطاباً جامعاً يعزز وحدة الأمة: واقعاً تاريخياً وثقافة.. ويلاحظ بركات في هذا المجال أن فهم العرب هويتهم غالباً ما جاء فهماً "مثالياً يشدد على عناصر التشابه لا عناصر التكامل" (ص 57)، متخذاً من الاختلاف مع هذا الطرح، بما فيه من مضمونات، منطلقاً يؤسس عليه منهجية رؤيته الاجتماعية والتاريخية لموضوع الهوية التي ينظر إليها كونها "في حالة دائمة من التطور والتكون أو التحول"، وهو ما يمكن، بحسب رؤيته هذه، أن يشكل موضع اختلاف معه يعززه رأيه في "أنها كينونة مستمرة شكلاً ومضموناً، ومن حيث علاقتها بذاتها وبالآخر" (ص 58).
وإذا كان ما يثير موضوع الهوية على هذا النحو هو العلاقة بالآخر، الذي مثّل تاريخياً تحدياً لهذه الهوية وتهديداً، فإن ذلك هو ما يضع هذه الهوية في إطار تعريفي يشدد "على أنها وعي للذات والمصير الواحد من موقع الحيز المادي والروحي الذي تشغله في البنية الاجتماعية" (ص 58)، فهي، من زاوية النظر هذه، وعي بحالة انتماء.
وهو يلفت إلى أهمية العامل الاقتصادي من حيث تأثيره في الهوية العربية بعد أن وجد أن معظم الباحثين العرب، ممن طرقوا الموضوع، قد أهملوا الإشارة إليه، في حين يشكل، بحسب رأيه، عاملاً مهماً من عوامل الوحدة والهوية.. ويجد "أن القوى الاقتصادية والطبقات والعائلات الحاكمة في الأقطار العربية تعمل على تأمين مصالحها الخاصة بالإبقاء على التجزئة، وليس بإقامة الوحدة الضرورية لنهوض العرب"، فهي -أي هذه الطبقات والعائلات- "منشغلة بمصالحها الخاصة على حساب شعوبها والمجتمع قاطبة" (ص 81).
أما حين يأتي إلى التحدي الخارجي فيخلص من قراءته واقعاً، إلى أن هناك "أزمة كبرى في علاقة العرب بالغرب كما هي علاقتهم بذاتهم". وفي ضوء هذه القراءة يجد أن من الخطأ الفصل بين "أزمتَي العلاقة بالذات والآخر"، فالعربي، كما هو في واقعه هذا، "يعاني في علاقته بنفسه وتراثه وهويته كما يعاني في علاقته بالغرب والحداثة" (ص 83).
والقضية المهمة التي يؤكدها في خلاصة بحثه هذا، ويجعل منها منطلقاً للنظر في مصير الاندماج الاجتماعي والسياسي، هي أن الوحدة ما لم تتم "بشكل من الأشكال المتعددة، سيفقد الوطن العربي سيادته بلداً بعد بلد، فيكون من المتوقَّع حلول مزيد من النكبات العربية" (ص 86)، وهو ما حصل ويحصل على أرض الواقع من تعدد "التصورات والخيارات في مرحلة تاريخية انتقالية متأزمة فقدت فيها الأمة سيادتها على مصيرها" (ص 88).
وتتواصل قراءته الواقع العربي اجتماعياً وسياسياً وثقافياً من موقف تحليلي نقدي واضح الغايات والمرامي. فمنطلقاته قائمة على النظر إلى المجتمع العربي في سياقاته التاريخية، ومن خلال تعيّن الحالات التي يعيشها هذا المجتمع: بحثاً في أسبابها، ورصداً لتداعياتها، واقتراحاً للبدائل اللازمة، وإن جاءت بعض هذه البدائل أكثر ارتباطاً بالحلم منها بالواقع الذي يؤشر سلبياته بجرأة ووضوح. واللافت في هذه القراءة هو ما تحيل إليه، في موضوع التحولات التي شهدها المجتمع العربي في القرن العشرين، من أعمال أدبية -روائية بوجه خاص- يجد الباحث فيها رصداً حياً لهذه التحولات والتطورات في الأوضاع الاقتصادية والسياسية بشكل بارز، فيرصد ذلك رصدا تحليلياً معمِّقاً نظرتنا فيه.
وهو إذ يجد في المناحي الإبداعية لمبدعي هذا المجتمع، تعبيراً عن اهتمام واضح بمشكلاته وقضاياه وعلاقاته والتحولات الحاصلة فيه، ما يشكل صورة حية لواقع مأزوم، بدرجة أو بأخرى، إنما ليشير من خلال ذلك إلى حركية الإبداع، مثيراً السؤال عن سبل تغيير الواقع المتعين في ما حدده من أثر للبعد الديني فيه، وتقاليد وأعراف مجتمعية، وحراك سياسي، وسبل تجاوز المعوقات الناجمة عن مثل هذا الوضع، متخذاً من السؤال نفسه مدخلاً للقسم الرابع من الكتاب الذي يقرأ فيه "مكونات الثقافة العربية" بعد أن يضعها ضمن أبعاد ثلاثة يجدها "متفاعلة متشابكة في نسيج متمتيز"، منها تتشكل الثقافة العامة..
هذه الأبعاد هي: القيم، والابداع، والفكر.. وهي، وفق رؤيته، "مكونات أساسية متداخلة". فإذا كانت القيم تشتمل على "الرموز والأخلاق والسجايا والمعتقدات والتقاليد والأعراف والعادات والوسائل والمهارات التي يستعملها الإنسان في تفاعله مع بيئته الاجتماعية والطبيعية ومع الثقافات الأخرى"، فإن "النتاج الإبداعي أو الفنون التعبيرية عن مكنونات النفس الانسانية من أدب (...) وحكايات شعبية وموسيقى وغناء ورقص ورسم" هي المكون الثاني، بينما يشتمل المكون الثالث على "النتاج الفكري من علوم وفلسفة ونقد فني وتنظير حول معنى الحياة وجدواها وسبل النهوض والتغيير"، وما لهذا كله من صلة عضوية "بالتراث الثقافي كما بالواقع [المعيش] والمتبدل والرؤى المستقبلية" (ص 373).
إلاّ أن ما يلاحَظ على الفصل الثالث عشر من الكتاب، والذي تناول فيه بركات "الجدل الفكري: استعادة الماضي، والتحديث، والتحول الثوري"، هو إهماله جانباً مهماً يقع في هذا السياق يمثله الفكر القومي العربي في ركائزه الأساسية، وبما لهذا الفكر من معطيات حية. فإذا كان قد مرّ مروراً سريعاً بقسطنطين زريق، وأشار إشارة أقل من عابرة إلى زكي الأرسوزي (على ما للاثنين من حضور في المشهد الفكري القومي من منظور التحولات الثورية التي حصلت في الواقع العربي إبان الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين)، فإنه قرأ فكر "البعث" متمثلاً بميشيل عفلق قراءة جزئية ومبتسرة (ص 352)، وكأن هذا الفكر الذي قدم، منذ أربعينات القرن الماضي، أطروحات واضحة ومهمة في تاريخ الفكر العربي الحديث، لم يكن موجوداً أو ذا تأثير، ولا خاض عملية الصراع الفكري على الساحة السياسية والثقافية والفكرية العربية منذ ذلك التاريخ، ومن منظور ثوري تغييري كان له أثره الواضح في تشكيل بناء فكري جديد لكل من الماضي (التاريخ والتراث) والحاضر (في مواجهة الأطروحات الإقليمية والتجزيئية والتغريبية)، وتشكيل رؤية واضحة للمستقبل.
ولم يكن ميشيل عفلق وحده على ساحة هذا الفكر، وإنما هناك منيف الرزاز، وعبدالله عبد الدائم، وفي حقبة تالية إلياس فرح (وقد أهمل بركات الإشارة إلى هؤلاء على الرغم من أن لكل منهم إسهامه الفكري الواضح في السياق الذي اتخذه في قراءة موضوعه في هذا الفصل).. وأكاد أقول: إن فكر هؤلاء المفكرين هو الفكر الذي اختبر ما في الحياة العربية من عوامل التراجع التاريخي التي وقفت بوجه حركة التقدم فيه، وهو الفكر الذي تقدم بمفهومات ومعالجات واقعية، وليست مثالية مجردة، واضعاً إياها كمنطلقات للعمل القومي على صعيد الحياة العربية بالمستويات المختلفة: الفكرية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية. وكان هذا الفكر، في أساسياته، فكراً نقدياً على درجة كبيرة من الوضوح والتبلور في صيغة نظرة واضحة المرامي والتوجهات. ولعل من أبرز القضايا التي ركز عليها هذا الفكر، الهوية القومية التي أعطاها بعداً وجودياً يتصل بالتاريخ العربي، من جهة، وبالتكوين الثقافي للأمة، من جهة ثانية.
فإذا ما أردنا أن نقول كلمة أخيرة في الكتاب من حيث الموضوع والمنهج البحثي الذي اتخذ، فهو كتاب يمثل خلاصة خبرة علمية في البحث الاجتماعي بقراءته الواقع العربي بأبعاده المجتمعية والثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية قراءة قائمة على منهج تحليلي نقدي.
وأهميته أيضاً في ما يثير من أسئلة، ويطرح على قارئه من تساؤلات تأتي في مجملها لتشكل فعل تحريك لعقل القارئ باتجاه معرفة واقعه معرفة قائمة على معرفة تفكير نقدي بمشكلات هذا الواقع وسبل معالجتها.
جانب آخر مهم في هذا الكتاب، أنه لا يكتفي برصد المشكلات وتحليلها ونقدها، بل يضع في السياق نفسه ما يدعوه: "رؤى التغيير" التي تشكل البديل المستقبلي لما هو قائم في غير مجال من مجالات الفكر والحياة.