الرجل الذي غير وجه العالم للأبد

الرجل الذي غير وجه العالم للأبد

إعداد - ثامر العوايشة  - توفي ستيف جوبز، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «آبل» التي ساهم في تأسيسها، عن 56 عاماً، بعد معاناة من مرض سرطان البنكرياس، وتأتي وفاته بعد قليل من كشف عملاق التقنية الأميركي عن أحدث منتجاته، «آي فون 4S».
وأعلنت «أبل» وفاة جوبز في بيان بوقت متأخر الأربعاء، جاء فيه: «الإبداع والشغف والطاقة التي تمتع بها جوبز كانت مصدرا لاختراعات لا تعد ولا تحصى، أثرت وحسنت حياتنا..».
ويوصف جوبز بأنه أحد أعظم الرؤساء التنفيذيين في جيله بالولايات المتحدة، وبأنه «ليوناردو دا فينشي العصر، كما امتدحه الكاتب الصحفي بنيويورك تايمز، جو نوكيرا، في وقت سابق بأنه: «واحد من أعظم المبتكرين في تاريخ الرأسمالية الحديث.»
وصارع جوبز لسنوات مرض السرطان قبيل تنحيه، في آب الماضي، كرئيس تنفيذي لآبل لعدم «قدرته الوفاء بالتزاماته والتوقعات.»

الرجل الذي غير العالم

حسب اعتقاده لا يوجد إلا رجال قليلون غيروا مجرى التاريخ كنيوتن، شيكسبير أو أنشتاين وهو يرى نفسه واحدا منهم، إنه الرجل الذي أراد تغيير العالم بالمعلوماتية، إنه الرجل الوحيد الذي يمكنك انتظار مؤتمراته كما تنتظر مباراة في كرة القدم، إنه أيضا من يجبرك على الانتظار لمدة أيام في طابور كبير أمام كل متاجره في العالم عند صدور أي منتج جديد. إنه من دون شك ستيف جوبز أحد مؤسسي شركة التفاحة مع ستيف آخر، ستيف وزنياك. قرر جوبز الاستقالة من منصبه كالمدير التنفيذي للشركة التي أسسها، في 24 أغسطس 2011 وكل العالم تأسف لذلك، رحيل أعظم مدير تنفيذي للعشرية الأخيرة.
ستيف بول جوبز يحمل دما عربيا من أبيه البيولوجي، السوري عبد الفتاح جون جندلي، حامل دكتوراه في العلوم السياسية التي تحصل عليها بالولايات المتحدة وهناك في أميركا تعرف على والدة ستيف، جوان كارول شيبل وأنجب منها ستيف جوبز ومنى سيمبسون (كاتبة أميركية) والذي تم تبنيهما من عائلتين مختلفتين بعد انفصال الأبوين.
و هكذا تبدأ قصة ستيف جوبز في 1955 بحي كوبرتينو في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة مهد التقنية الحديثة، على بعد كيلومترات فقط من منطقة Silicon Valley أو وادي السيليكون أين نشأت أكبر الشركات العالمية كـ هوليت باكارد (HP)، أبل، إنتل وصن ميكروسيستمز (SUN). حيث نشأ في عائلة الجوبز المتواضعة لكن هذا لم يمنعه من تحقيق أحلام الكبار (تغيير العالم)، وكالعديد من أبناء حيه كان شغف ستيف بالإلكترونيات ولتغيير العالم تبدو البداية متعثرة بما أنه كان مجرد مصلح هاو للأجهزة الإلكترونية في العطل الأسبوعية ولم يكن بارعا جدا في ذلك.
و بعد إنهائه دراساته الثانوية في Homestead High School بكوبرتينو في 1972، التحق ستيف جوبز بجامعة Reed College في بورتلاند التابعة لولاية أوريغون أين سيتخلى عن دراسته بعد ثلاثي وحيد. لكنه وفي المقابل واصل متابعته للدروس كطالب حر، مما ساعده في متابعة دروس مهمة في علوم الخط التي يرجع إليها الفضل في جمالية خطوط الماك التي ترونها اليوم، حسب ما قاله في الخطاب الشهير الذي ألقاه بجامعة ستانفورد في 2005 .

لقاؤه مع ستيف وزنياك وإنتاج أول كمبيوتر شخصي في العالم

ستيف وزنياك هو مهندس أميركي من أصول بولندية من مواليد 11 أغسطس 1950 بسان خوسيه في كاليفورنيا أي أنه يكبر صديقه جوبز بخمس سنوات، وزنياك أو WOZ كما يناديه البعض هو أحد عباقرة جيله في ولاية كاليفورنيا. فمنذ سن الثلاث سنوات كان ستيف يجيد القراءة، 7 سنوات صنع الطفل الصغير جهاز راديو بإمكانياته الخاصة، 13 سنة الإلكترونيات لم تعد سرا بالنسبة إليه واختراعات ستيف وزنياك تتوالى أهمها كانت العلبة الزرقاء أو (Blue Box). إلى أن قام باختراع الجهاز الذي سيغير حياة الثنائي ستيف، أول جهاز كمبيوتر منزلي عرفته البشرية. التقى الثنائي ستيف خلال دروس صيفية في علوم الحاسوب بناد يدعى Homebrew Computer Club،  كلاهما أبدى إعجابه بالإلكترونيات وكون الشابان صداقة لا مثيل لها.
سنوات قليلة بعد ذلك وفي 1975 أنهى ستيف وزنياك جهازه الجديد بإمكانياته الخاصة، الأبل 1 أول جهاز كمبيوتر شخصي في التاريخ الجهاز كان محدودا لكن في ذلك الوقت كان جهازا ثوريا فأجهزة الكمبيوتر كانت تشبه خزانات كبيرة بدون شاشة ولا لوحة مفاتيح. وزنياك لم يكن فخورا باختراعه وكان عليه أن يريه إلى أصدقائه في النادي ليدرك قيمة جهازه الجديد، الكل كان منبهرا فبإمكانيات بسيطة تمكن من صنع جهاز كمبيوتر، جوبز لم يخفي إعجابه بالجهاز ولديه الآن فكرة وحيدة في ذهنه، بيع الجهاز. وزنياك اعترف أنه لم يفكر يوما في بيعه لكن جوبز كان مصرا على ذلك، وحين قال له وزنياك: «ماذا لو خسرنا مالنا ؟»، أجاب جوبز: «حينها نكون قد أسسنا شركتنا الخاصة على الأقل»، وقرر جوبز حينها مباشرة تسمية الشركة «أبل» فمن أين جاء ذلك الإسم ؟ تتذكرون تلك المزرعة التي كان يجتمع فيها مع أصدقائه الهيبيز في فترة شبابه، نعم كانت مزرعة للتفاح مع العضة على اليمين لتفادي التشابه مع حبة طماطم وتلك الألوان كانت ترمز لفكرة الهيبيز: تغيير العالم.
منذ البداية سيكشف ستيف جوبز عن موهبته غير العادية في التسويق، فتخيلوا شابا من الهيبيز يريد بيع مجموعة من الأجهزة غير الجاهزة بعد في سوق لا وجود له أصلا. وأول صفقة لجوبز بدت كأنها لعبة أطفال، فلقد تمكن من الحصول على طلب توفير 100 جهاز كمبيوتر لفائدة متجر The Byte Shop أول متجر للإعلام الآلي في وادي السيليكون، وزنياك لم يصدق ذلك حينما أخبره صديقه بأول عقد تجاري لهم، 500 دولار للجهاز الواحد أي بصفقة قيمتها 50.000 دولار. هذه القيمة ستستخدم في تطوير أجهزتهم طيلة صيف 1976 في منزل جوبز، وبدأت أبل في غرفة شقيقة جوبز ثم انتقلوا إلى غرفة الاستقبال لينتهي بهم الأمر في المرآب. العمل في ذلك المكان لم يمنعهم من تسويق 200 جهاز آخر في شهرين، لكن المشكلة التي واجهت ستيف هي محدودية الفئة المهتمة بالجهاز، فكمبيوتر أبل 1 كان معقدا جدا وفقط المهندسون البارعون يستطيعون تشغيله، فلقد كان يجب وصله مع جهاز التلفاز والقيام ببعض الإعدادات باتباع مخطط لذلك، باختصار عملية تشغيله كانت تشبه حل معادلة في الرياضيات.
جوبز تفطن لذلك بما أن هدفه كان بيع جهازه للعموم ولهذا سيطلب من وزنياك تطوير جهازه لهذا الغرض، الأمر الذي لم يستغرق سوى بضعة أسابيع قبل أن يكشف لجوبز مشروع الأبل 2. صحيح أن التطوير كان من وزنياك لكن كل ما تبقى اهتم به جوبز بدءا من التصميم الذي سيتغير ليصبح شكله أكثر قابلية للتسويق مع شاشة وقارئ الأقراص المرنة وغطاء من البلاستيك واللون الأبيض، قام جوبز بتحويل آلة غامضة إلى جهاز موجه للاستهلاك. ولا يتبقى الآن إلا إقناع العائلات الأميركية بشراء جهازهم ولهذا سيطلق حملة إعلانية ستنشرها مختلف المجلات، يظهر فيها رجل أعمال يتابع أسهمه في البورصة مباشرة من منزله، الإعلان يبدو مستقبليا لكن جوبز تخيل الإنترنت قبل 20 سنة من ظهورها. ومنذ الإعلان عن جهازهم الجديد في عامه الأول حققت أبل مبيعات رائعة بالنسبة لها، 1000 كمبيوتر في الشهر.
حكاية أبل تحولت إلى قصة نجاح، في بداية الثمانينيات الشركة الصغيرة التي بدأت في مرآب صغير تحولت إلى مقر ضخم في وادي السيليكون واستطاع جوبز غزو الولايات المتحدة بـ 300.000 جهاز، مدارس أميركا أصبحت مزودة بأجهزة أبل وعلى الأبل 2 إذا تعلم الأميركيون الإعلام الآلي. مع نهاية الثمانينيات أبل تواصل نجاحاتها وحان الوقت للدخول إلى البورصة، 5 ملايين سهم بيعت في بضع دقائق فقط لتقفز قيمة الشركة بنسبة 23% في يومها الأول. وبهذا أصبح الثنائي مليونيرين بعد 14 سنة من العمل بميزانية وصلت إلى 300 مليون دولار لكليهما، جوبز 30 سنة ووزنياك 35 هذا الأخير سيقتني سيارة بورش الفاخرة بلوحة ترقيم تحمل إسم «أبل 2» وشيئا فشيئا بدأ مخترع أبل الانسحاب من الشركة.

سحق جهاز IBM

ستيف جوبز يريد سحق جهاز IBM للمرة الأخيرة ولهذا سيبدأ في خطته بالتفاوض مع عملاق آخر بطموحاته نفسها، رجل الأعمال الشهير John Sculley الذي كان يشغل منصب رئيس شركة بيبسي كولا في تلك الفترة (1977-1983) واشتهر Sculley بإطاحته برمز المشروبات الأميركية كوكا كولا. المهمة كانت لعبة أطفال بالنسبة لرجل موهوب مثل ستيف جوبز الذي أنهى سلسلة مفاوضاته مع مع John Sculley بعبارته الشهيرة :
هل تنوي بيع الماء المحلى طول حياتك، أم أنك تريد تغيير العالم معي ؟
جوبز وبعد أيام قليلة من تولي John Sculley مهامه كمدير تنفيذي لشركة أبل، كرس معظم وقته في مشروعه الجديد «الماكنتوش». المشروع كان مهما جدا بالنسبة له لدرجة أنه سحب كل ما له علاقة مع مشروع الأبل 2 وطلب من الجميع التضحية من أجل الجهاز القادم الذي لن يعطي IBM أي فرصة للمنافسة، فقام بتصميم أقمصة خاصة للمهندسين الذين يعملون على المشروع الجديد كتب عليه «90 سا/أسبوع وأنا أحب ذلك».
جنون جوبز لم يتوقف هنا فقط بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فبعد 3 سنوات من العمل الجاد أصبح الماكنتوش جاهزا للتسويق وتاريخ الصدور سيكون 1984. ولم يكن اختيار التاريخ صدفة بما أنه سيستخدم هذا التاريخ كرمز لحربه ضد IBM، لأن 1984 هو عنوان أحد أشهر الكتب العالمية للكاتب Eric Arthur Blair صاحب الإسم المستعار George Orwell، الرواية تنبأ فيها الكاتب بمجتمع استبدادي ليس له طموحات ولا مشاعر يحكمه دكتاتور سمي بالأخ الأكبر أو BIG BROTHER، ولإطلاق الماكنتوش يريد رجلنا أن يستوحي فكرة إعلانه من الكتاب وهنا سيستعين بأحد أشهر مخرجي الأفلام، البريطاني Ridley Scott وأبرز أفلامه Gladiator في 2000 وروبن هود (2010). رسالة الإعلان كانت واضحة، حيث ظهر فيها عمال شبه آليين بأوجه شاحبة (و هم يمثلون كل الموظفين والشركات المرغمة على استخدام أجهزة IBM) يتجهون نحو صالة عرض خطاب للأخ الأكبر (IBM)، وخلال العرض تظهر عداءة (أبل) ستلعب دور المنقذ بتحطيمها شاشة العرض وتحرير العالم من كل الرداءة والحواسيب الكبيرة التي كانت تسيطر على العالم، ثم ختمت الشركة الإعلان بـ : في 24 يناير، ستعرض أبل الماكنتوش. وسترون لماذا 1984 لن يكون مثل 1984.
وعدم ظهور جهاز الماكنتوش كان لسبب وحيد، ستيف جوبز يريد أن يحظى بشرف تقديم الجهاز شخصيا في عرض يليق بالشعب الأميركي. وبالفعل الكل كان في الموعد يوم 24 يناير 1984 لمشاهدة العرض الأسطوري لأبل، وجوبز لم يحطم آمال الحضور الذين سيشاهدون لأول مرة جهاز كمبيوتر منزلي بمعنى الكلمة، فلقد كان الماكنتوش أول جهاز يدعم الفأرة بما أنها لم تكن معروفة من قبل وحمل معه تحديثات ثورية : ظهور الأيقونات، النوافذ، الملفات، شريط المهام، قارئ الأقراص المرنة وتطوير كبير على الرسوميات ترجمت بأول برنامج للرسم عل الحاسوب. وفي التالي أول عرض للماكنتوش : مبيعات الجهاز ناجحة حتى الآن لكن للأسف لن تطول كثيرا، فكل تلك الإنجازات ستتبخر بعد شهور قليلة من ظهور الماكنتوش والسبب كان عبقري آخر، بيل جيتس.. من لا يعرف بيل جيتس، الرجل المحبوب لدى الجميع كمؤسس ومدير لمايكروسوفت أو كرجل إنساني أو كأغنى أغنياء العالم لعدة سنوات متتالية (1996-2007). وأحد أخطاء جوبز كانت استخفافه بالرجل الذي كان يزوده بالبرمجيات، فبيل جيتس بنفس طموحات ستيف جوبز أنشأ مؤسسته وهو ما زال شابا في العشرين من عمره وهو بالمناسبة من مواليد سنة 1955، نعم بنفس عمر صديقه «اللدود» ستيف.
نحن إذا في بداية سنة 1984، ومايكروسوفت لم تكن تلك الشركة العملاقة التي نعرفها اليوم وكان بيل جيتس يدير مجموعة من الشباب في مؤسسة صغيرة تهتم بتطوير البرامج فقط. وفي تلك الفترة كان بيل مجرد مزود بسيط يعمل يوميا عند شركة أبل ولا أحد كان يرى فيه الخطر القادم، فاستغل رجلنا العبقري هذه اللامبالاة للتعرف على أسرار جهاز الماكنتوش فلقد كان يسأل عن كل شيء يتعلق بطريقة عمله بداية من نظام التشغيل إلى طريقة عمل الأداة الجديدة «الفأرة». المدير التنفيذي السابق لمايكروسوفت لم يخف إعجابه بجوهرة أبل، وشارك شعوره في كلمة ألقاها علنا مدح فيها الماكنتوش: «إذا كنت تريد أن تصبح مرجعا، فلا يجب أن تأتي بجهاز مختلف فقط بل يجب أن يكون جهازا جديدا حقا يجعلك تنبهر. ومن بين كل الأجهزة التي رأيتها، الماكنتوش هو الجهاز الوحيد الذي وصل إلى هذا المستوى».
كل شيء يشير إلى أن بيل جيتس يحضر لشيء ما مستقبلا فإعجابه هذا سيدفعه إلى القيام بكل بساطة، بنقل فكرة الماكنتوش وبرمجة نظامه الخاص ثم بيعه للشركات المنافسة مثل IBM وCompaq. وفي أحد الأيام كان بيل جيتس يتحدث أمام جوبز مع أحد موظفي أبل عن طريقة عمل الفأرة، وهنا تفطن ستيف جوبز لأول مرة بخطورة الموقف فصرخ في وجه موظفه وطلب منه ألا يتكلم عن الماكنتوش في وجود جيتس. ستيف جوبز كان محقا في تخوفاته لكن للأسف، فات الأوان وسنة واحدة كانت كافية لبيل جيتس حتى يعلن عن أول نظام تشغيل بمعنى الكلمة.
و بأعجوبة تمكنت أجهزة الـ PC من تدارك تأخرها في مجال أنظمة التشغيل، الفأرة، الأيقونات، النوافذ، الملفات، شريط المهام، قارئ الأقراص المرنة، كل ما له علاقة بالماكنتوش ظهر في نسخة مقلدة وبسعر أقل بكثير من جهاز أبل الذي وصل سعره حينها إلى 2638 دولار مقابل 99 دولار للويندوز 1.0 والفرق بين مايكروسوفت وأبل، هو أن مع مايكروسوفت لست بحاجة إلى تطوير نظامك الخاص أو شراء جهاز جديد لتحصل على التقنيات التي وصلت إليها أبل. وبمجرد سماعه الخبر السيئ طلب ستيف جوبز من موظفيه المجيء ببيل جيتس، جيتس لم يتهرب وكان واثقا من نفسه وبمجرد دخوله إلى مكتب ستيف بدأ مؤسس أبل يصرخ في وجهه: «لقد خنتنا، لقد نقلت الماك، كيف يمكن أن نثق فيك بعد كل هذا..»، لكن جيتس لم يهتز لهذا ورد بكل هدوء: «لا أرى أي مشكل، فكلانا قلد Xerox، أنت دخلت من الباب ونحن من النافذة».
و هكذا حلت الكارثة بأبل ولأول مرة منذ إنشائها، أحس الجميع أن شركة كوبرتينو في خطر حقيقي وكل الأنظار تصوب الآن نحو مؤسسها ستيف جوبز. ولم يكن أمام المدير التنفيذي (حينها) John Sculley إلا اتخاذ قرار عزل ستيف جوبز من شركة أبل.
رغم كون جوبز قائد رائع لشركة أبل، إلا أنه لم يكن محبوبا من بعض الموظفين الذين نظروا إليه كشخص متقلب الأوضاع، وبحلول منتصف العام 1985 بدأ صراع قوى داخل شركة أبل أدى في النهاية إلى قرار طرده من الشركة التي أسسها.
نحن إذا في عام 1997، وخلال هذه الفترة كانت أبل في انهيار مستمر وواصلت مايكروسوفت التهامها لحصص الأخيرة حتى وصلت حصة بيل جيتس من سوق أنظمة التشغيل إلى نسبة 97%، ولم يستقر المجلس الإداري قبل رجوع جوبز على مدير معين، وتعاقب على المنصب العديد من المدراء التنفيذيين آخرهم كان جيلبرت أميريو «Gilbert Amerio» والذي بدوره لم يجد حلاً لإنقاذ الشركة غير إعادة مؤسسها ستيف جوبز حيث دعاه للانضمام لمجلس الإدارة وتعيينه كمستشار للشركة في عام 1995، بعد أن استحوذت أبل على شركة نكست بقيمة 400 مليون دولار، وفي 1996 نشرت مجلة Business Week مقالة تنبأت فيها بسقوط أبل وعنونت على غلافها «انهيار رمز أميركي»، بعدها بسنة أي في 1997 تم تعين ستيف جوبز رئيساً تنفيذياً مؤقتاً، وفي يناير 2000 تم تعين ستيف جوبز رئيساً تنفيذياًً دائماً للشركة حيث كان يملك 30 مليون سهم حينها.
من الواضح أن جوبز استغل فترة غيابه عن الشركة لإعداد مخطط الإنقاذ، حيث أنه ومباشرة بعد عودته في 1997 قرر الرجل الذهبي عقد مؤتمر ضخم على الطريقة الهوليودية لعرض مشروعه، مؤتمر Macworld بمدينة بوسطن سنة 1997. الكل كان في الموعد في انتظار مفاجآت ستيف، الذي لم يخيب آمال الحضور بالإعلان عن شراكة (تخيلوا مع من؟)، مايكروسوفت لا ليس مزحة بما أن الحضور اعتبرها كذلك لكن جوبز لم يعودنا على المزاح في أمور تتعلق بالمنافسة، ليس هذا فقط بل كان مديرها التنفيذي بيل جيتس «الخائن» كما وصفه عشاق التفاحة كان أيضا حاضرا في القاعة مباشرة عبر الأقمار الصناعية، ليؤكد شخصيا هذه العلاقة الجديدة بين شركتي أبل ومايكروسوفت وأهم ما جاء فيها: تزويد الماكنتوش ببرنامج الأوفيس، اعتماد متصفح Internet Explorer كالمتصفح الافتراضي للنظام وتقديم صك قيمته 150 مليون يورو لأبل.  بعد أن أوضح رؤيته المستقبلية للعودة بأبل إلى المنافسة، انطلق رجلنا مباشرة في مشروع جديد سيطلق عليه اسم iMac لكن عليه أولا إيجاد التصميم المناسب لجهازه الجديد الذي سيذهل العالم مرة أخرى، وهنا سيكتشف بين أروقة الشركة مستقبل أبل صاحب تصاميم أجهزة أبل الرائعة (الأيفون، الأيباد، الأيبود، الماك بوك..) إنه البريطاني، جوناثان إيف «Jonathan Ive» (نائب رئيس قسم التصميم الحالي) الشاب صاحب الـ 25 عاما، فبعدما أذهل رئيسه بتصميم جهاز الـ iMac بألوانه الرائعة، لم يتردد جوبز حينها في تبني ذلك التصميم. وبعد عام فقط وفي 1998 حان وقت الإعلان عن جهاز أبل الجديد، الذي سيعود بقوة إلى المنازل الأميركية ويحقق أرباحا مريحة للشركة لكن الكمبيوتر لم يثر إعجاب الشركات بما أن الويندوز كان أكثر تطورا من الناحية البرمجية بالإضافة إلى توفر برامج تدعم هذا الأخير أكثر من الماكنتوش.

المنافسة في مجال جديد

جوبز لديه مشروع آخر على الورق، يريد المنافسة في مجال جديد ولهذا فهو بحاجة مرة أخرى إلى جوناثان إيف الذي سيكلفه بمهمة تصميم جهازه القادم، الأيبود ذلك الجهاز الصغير بالتصميم غير المألوف والذي بإمكانه تخزين كم هائل من مقاطعك الموسيقية (1000 مقطع موسيقي في جيبك، كما جاء في الإعلان)، وهو باختصار أفضل مشغل موسيقى في بداية القرن الـ 21. وفي 23 أكتوبر 2001 أعلنت أبل عن جهازها «الثوري» الجديد، في 3 نوفمبر 2001 ظهرت أول نسخة لبرنامج iTunes الشهير على موقع الشركة لإدارة ملفاتك المنقولة نحو مشغل الموسيقى، أسبوع واحد بعد ذلك أولى نسخ الأيبود تظهر لأول مرة في السوق. الجهاز يحمل 5 Go من حجم التخزين، الشحن ونقل البيانات تتم عبر FireWire ومتوافق مع أجهزة أبل فقط (Mac OS 9 وMac OS X مع iTunes 2.0) ثم مع الويندوز في 2002. في 2010 أبل تسيطر على سوق مشغلي الموسيقى، 275 مليون جهاز تم بيعه من أبل منذ انطلاقته، وفي 2009 اعترف Eli Harari المدير التنفيذي لشركة SanDisk بفوز أبل في هذا المجال قائلا: «لا يمكننا إزاحة الأيبود».
طموح جوبز لم يتوقف هنا بل سيقتحم مجالا جديدا بالنسبة لشركته وطبعا مع مصممه المدلل، جوناثان إيف الذي سيصمم مرة أخرى جهازا سيلقى نجاحا باهرا حتى يومنا هذا، هاتف الأيفون الذكي بأول شاشة لمس والذي اكتشفه العالم في 9 يناير 2007، مجلة Time وصفته باختراع السنة، في 2008 أعلن ستيف جوبز عن تطبيقات الأيفون. اليوم تنوي أبل إصدار النسخة الخامسة من هاتفها والذي من المتوقع أن يصدر قبل شهر أكتوبر القادم، بعد أن أعلنت عن تخطيها حاجز 100 مليون هاتف في حجم مبيعات الهاتف خلال المؤمر الذي عقدته في مارس 2011.
و نواصل مع إبداعات ستيف جوبز الذي وجه اهتماماته منذ 2001 إلى الأجهزة المحمولة، مقدما لنا بذلك طريقة جديدة للتناغم بين الإنسان والأجهزة الإلكترونية. أعلنت أبل عن جهازها الجديد والأول من نوعه في 27 يناير 2010، ليسوق في 30 أبريل من السنة نفسها بالولايات المتحدة محققا مبيعات وصلت إلى 3 مليون نسخة في 80 يوما فقط. 2 مارس 2011 أعلن جوبز عن النسخة الثانية من الأيباد رغم عطلته المرضية التي أعلن عنها في 11 يناير 2011، ليكون موعد التسويق في 11 مارس بالولايات المتحدة. حقق الأيباد 2 مبيعات وصلت إلى 15 مليون نسخة في 9 أشهر.
للأسف النهايات السعيدة لا نصادفها إلا في الروايات ففي 2004 اكتشف العالم أن ستيف جوبز مصاب بسرطان البنكرياس (أخطر السرطانات وأكثرها فتكا)، ورغم خطورة المرض قرر ستيف استخدام العلاج الطبيعي إلا أن هذا لم يجدي نفعا، وانتقل بعدها بستة أشهر (المدة التي حددتها الإدارة للعلاج) إلى المداواة بالمستشفى أين سيجري عملية جراحية ستتم بنجاح. عودة جوبز كانت سريعة بداية من معرض أبل Apple Expo سبتمبر 2004. ليختفي بعدها لمدة سنتين ويظهر في مؤتمر أبل بمناسبة WWDC 2006 في سان فرانسيسكو، بنقص كبير في وزنه. 27 أغسطس أعلنت Bloomberg عن طريق الخطأ خبر وفاة جوبز في مقالة من 17 صفحة، لكنها سحبته بعد 30 ثانية من نشره. يناير 2009 نشر ستيف جوبز في رسالة عبر الإنترنت معلومات عن مرضه مؤكدا أن نقص الوزن يرجع إلى الحمية التي كان عليه اتباعها. يوليو 2009 كشفت صحيفة WSJ أن جوبز قام بعملية زرع للكبد، 9 سبتمبر أكد مؤسس أبل الخبر وقال بأن الكبد نقل من شاب مات في حادث مرور في العشرينات من عمره، وكشف للجمهور أنه سيتبرع بأعضائه هو أيضا. 2011 قرر رجل أبل الأسطوري الاستقالة من منصبه كمدير تنفيذي لشركة كوبرتينو، وهذا ما جاء في نص الرسالة: «لطالما قلت إنه إذا جاء اليوم الذي لا يمكنني فيه القيام بواجباتي على أكمل وجه ووفقاً للتوقعات المطلوبة من الرئيس التنفيذي، فإنني سأكون أول من يعلمكم بذلك. لسوء الحظ، لقد جاء ذلك اليوم».
هكذا انتهت رحلة ستيف مع أبل، الرجل الذي حلم بتغيير العالم وهو الآن يغادر من الباب الواسع، استمتعنا بمنافسته الشرسة في كل المجالات التقنية، استمتعنا بأجهزته الثورية، لم نر أنشتاين أو نيوتن لكننا فخورون برؤية ستيف بول جوبز.