«الحادثة» معالجة درامية تهجو مسألة عدم احترام المواطن

«الحادثة» معالجة درامية تهجو مسألة عدم احترام المواطن

عمان - جمال عياد - ضمن مشروع المخرجة سوسن دروزة في مشاركة فنانات لبحوثها المسرحية الذي أطلقته منذ مسرحية «مصابة بالوضوح» مع ساندرا ماضي، في نبش المسكوت عنه اجتماعيا وسياسيا، قدمت مساء الأحد والأثنين، مسرحية «الحادثة» بمشاركة صبا مبارك، وبحضورجمهور كبير فاض عن سعة قاعة المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي، إلى جنباته، ضمن موسم مسرح الكبار الذي تقيمه وزارة الثقافة، بالتعاون مع نقابة الفنانين.
البناء السطحي للعرض طرح يتحدث عن مشكلة فنانة تدعى سلمى، لاتستطيع حضور تكريمها، في إحدى الملتقيات العالمية بسبب عدم منحها وثائق الأحوال الشخصية وجواز السفر، التي أضاعتها من قبل دائرة الأحوال المدنية.
تقترب التجربة الفنية في السياق العميق للعرض إلى «مسرح المهجرين»، الذي يتناول حال مجاميع بشرية حقوقها مستلبة، كالأقليات الأثنية، أو ممن هُجروا من أوطانهم بسبب الحروب، أو المجاعات، أو الكوارث الطبيعية، والتمييز الديني والعرقي، أو لأي سبب جعلهم ينتقلون إلى فضاءات سياسية واجتماعية ونفسية وثقافية أخرى، غصبا أوقهرا، أو خوفا.
شهد هذا العرض غيابا قويا للنص المسرحي التقليدي، وحضورا لافتا للسيناريو، الذي لم يخل في نظام تواصله من تقلب بصري وسمعي ظل يشد المشاهد، أثناء نسج فضاءات هذه التجربة المسرحية، التي لم تخل من ملامسة عواطف الجمهور الذي ظل يتواصل متفاعلا بين الفترة والأخرى، معبرا عن ذلك بالتصفيق المستمر.
تناولت أحداث هذا العمل، ليس لما يجري لمجاميع بشرية في المدن العربية، وإنما أيضا في أي مكان آخر في هذا العالم لمسألة ضياع وتيه المواطن، في لحظة حرمانه من حقوقه التي كفلها الدستور، وشرعة الأمم المتحدة، لأسباب سياسية، أو لقرارات إدارية، أو «تهجيرية» بفعل الحروب أو حتى لكوارث طبيعية، فيصبح مهمشا، في وطنه، أو في «وطن اللجوء»، ويحصل على لقب ربما مواطن من الدرجة الثانية، أو الثالثة، ليجد أنه بعد أن يفقد رقمه الوطني، يخسر مكاسبه في التامين الصحي له ولعائلته، ومقاعد الدراسة، وفي حالات يجد نفسه على الحدود ليسفر إلى المنطقة التي لجأ، أو نزح منها سابقا، بدون أي تهيئة تراعي ظروفه الإنسانية، وحق الإختيار، وإلى غير ذلك من النائبات اللواتي يقعن على رأس من يفقد فجأة فضاءه الاجتماعي الذي يعيشه.
عمقت أممية، المعنى والرسالة لهذه المسرحية التي أسهم فيها فنيا إيهاب الخطيب، أزياء الملابس التجريدية، التي صممتها ببراعة هالة شهاب غير المرتبطة مرجعية خطوطها ونقوشها بأي هوي فئوية أو لأي بلد معين، وإنما تتعلق بأي انسان في القارات الخمس، من الممكن أن يمر بهذه الأجواء السالبة اجتماعيا.
أفاد العرض الذي صممت السينغرافيا له وأخرجته سوسن دروزة، من تداعيات «الربيع العربي» من حادثة التونسي البوعزيزي، الذي ألهم موته احتجاجا على قمع سلطات بلاده لشعبها الثورات الأخرى في الأقطار العربية.
 لم تغفل المسرحية، التي صاغتها وقامت بأداء الشخصية الرئيسة فيها صبا مبارك، مسألة الإصلاحات السياسية والاجتماعية، لجهة حثها على الأخذ بعين الاعتبار الظروف الإنسانية والسياسية، لأفراد وجماعات من المواطنين نتيجة تداعيات التهجير التي أوصلتهم إلى ما وصلو إليه، وتضرروا كثيرا نتيجة الإجراءات الإدارية ذات الصيغة السياسية، وبخاصة لمن يتعرض في حالات للتعذيب الجسدي القاسي. رغم أن صياغة العرض، الذي وضع الإضاءة له ماجد نور الدين، أطلقت البطولة فيه لدور صبا مبارك، ومن ثم أحمد سرور، إلا أن الأداء كان جماعيا تشاركيا لسليمان الزواهرة، ومنذر خليل، وحسن لافي، في طرح محمولات هذا العرض.
 إيقاع الأداء التمثيلي شهد زخما تعبيريا بفعل تصميم الحركات الإيقاعية لمكسيم عياد، ولم يكن اندفاع الممثل عموما على الخشبة، بطيئا ولا سريعا، بل متوائم في فعله الداخلي والخارجي مع مسار الرؤية الإخراجية التي حافظت طيلة العرض على التعبير بواسطة استخدام الصورة في المسرح، المتأسسة على أداء جسد الممثل، والذي جاء في أحيان ليست بالقليلة أكثر بلاغة من الحوارات في تقديم المعنى، وبخاصة عندما مرت شخصيتا العرض الرئيستين وهما في حالة نزوح أو تهجير، تحملان الحقائب، عندما كانتا تندفعان في سياق العرض الرمزي، بين أطراف خلفية المسرح.