د.بسمة أحمد صدقي الدجاني - تجربة فريدة تعيشها عندما تعبر المحيطات والبحار وتسافر لأكثر من ثماني عشرة ساعة لتصل إلى بقعة من أبدع ما خلق الله سبحانه وتعالى في أقصى غرب الكرة الأرضية لتسمع اللغة العربية وتتحدث بها دون غيرها من اللغات.
ففي رحاب كلية مِلز في أوكلاند قرب سان فرنسيسكو مع برنامج جامعة ميدلبيري الأميركية، عشنا تجربة غنية، حيث أمضينا أسبوعاً وسط مائة وثمانين طالباً أجنبياً يتعلمون اللغة العربية في برنامج دراسي مكثف خلال الفصل الصيفي. فأنت في مدينة سان فرنسيسكو غرب الولايات المتحدة داخل أسوار كلية مِلز يجب عليك التزام التحدث باللغة العربية وتعلمها في صورتها الفصيحة والاطلاع على لهجاتها المتنوعة لمدة ثمانية أسابيع في برنامج الاندماج التام مع الثقافة العربية.
دُعيت لإلقاء محاضرة على طلبة برنامج اللغة العربية للناطقين بغيرها في أسبوعهم السادس، وأسعدني ما لقيته، وفاجأني ما رأيته.. قدمت عرضاً لأشهر كتب الحب في الأدب العربي، وتحدثت عن أدب الهوى مع سرد الحكايات وضرب الأمثلة والاستشهاد بالأبيات الشعرية لمدة ساعة في أمسية أدبية استشعرت خلالها تجاوب الطلبة. واستمتعت بنقاشهم والرد على تساؤلاتهم في صباح اليوم التالي. فقدَّرت للأستاذ مدير البرنامج وللأساتذة المشاركين في تدريس هؤلاء الطلبة جهودهم الهائلة التي أوصلت طلبتهم إلى هذا المستوى المتقدم في التمكن من المهارات اللغوية خلال هذه المدة القصيرة نسبياً. وهذا يؤكد أن تعلم اللغات قرار قبل كل شيء، ورغبة يتبعها برنامج دراسي منظم ومكثف ومشجع.
وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، آية كريمة يحث الله سبحانه وتعالى فيها عباده على التعارف إلى الآخر، ولكن كيف يحدث التعارف من دون التحدث مع الآخر والاستماع إليه وفهمه والتجاوب معه؟ وقد قال أرسطو: يا هذا؛ كلّمني حتى أراك.. .
والسعي إلى تعلم لغة الآخر يساعد على اتساع الآفاق، والاستفادة بالاطلاع على الثقافات، والوصول إلى نقاط اللقاء بين الإنسانية جمعاء. فما أجمل أن تتقارب مع أشخاص من بلاد مختلفة، وتتبادل الأحاديث معهم بلغتك أو بلغاتهم. وهذا ما أستشعره بعد عقد من الزمان مع الاستمتاع بتعليم اللغة العربية وثقافة الحضارة العربية الإسلامية لأبناء الثقافات واللغات الأخرى في الجامعة الأردنية.
لقد وقَّع الطلبة الملتحقون ببرنامج الاندماج الصيفي على اتفاقية بالالتزام التام بتحدث اللغة المتعلمة مع الزملاء والأساتذة، فوصلوا بها إلى المستوى المطلوب ليستمعوا إلى محاضرات أسبوعية سياسية واقتصادية وعلمية وأدبية.
تبدأ دروس اللغة العربية الفصيحة في الصفوف من التاسعة صباحاً إلى الواحدة ظهراً بعد أن يفتتح الطلبة نهارهم بالإفطار المشترك، ثم يلتقي الطلبة وأساتذتهم على وجبة الغداء لساعة تلحقها دروس بين الطبيعة للّهجات العامية، ثم يلعب الجميع الرياضة بألوانها، ويمارسون الفنون المختلفة قبل أن يجتمعوا إلى مائدة العشاء التي تلحقها ساعة مكتبية للاستعانة بأداء الواجبات اليومية. ثم يُختم اليوم الدراسي في العاشرة مساء.
فما أجمل التعرف إلى هؤلاء الطلبة واحترام سعيهم للتقارب إلى الآخر بأسلوب مباشر، وتقدير جهودهم الكبيرة للتعلم، ووجود الرغبة الذاتية للاستفادة التامة خلال فترة محددة، وشخصياتهم الواثقة في سن الشباب للاندماج، وإقبالهم على المعرفة بروح إيجابية.
كم استمتعت ابنتي ذات العشر سنوات بالمشاركة في درس العامية بالتحدث إلى الطالبات بلهجتها الأردنية، وشارك زوجي بمحاضرة للمستوى المتقدم عن تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، وتفاعل ولداي كثيراً بالحوار مع الطلبة خلال لقاءات وجبات الطعام الثلاثة وخلال مباراة كرة القدم. فتنوع برنامج تقديم اللغة بمظاهرها الثقافية المختلفة وتقريبها إلى الدارسين كان من أفضل ما شاهدت. وقد حضر الطلبة خلال وجودنا الفيلم الأردني الحائز على جوائز الكابتن أبو الرائد ، وهو ضمن قائمة سينمائية عربية متنوعة من السعودية والإمارات ومصر ولبنان وتونس والمغرب يشاهدها الطلبة ويناقشون أسبوعياً قصة فيلم جديد.
صَدَقَت الحكمة العربية القائلة: في السفر خمس فوائد: تفريج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجد . فتحيّة لجامعة ميدلبيري التي تتميز ببرنامجها في تعليم اللغات، وشهادة لها بنجاح مسعاها وجديته في فرض الاحترام ومتعة التعلم في بيئة صحيحة.