ملك يوسف التل
...زمان، كانوا ينادونه «الأستاذ»! وفي ذلك كانوا يسبغون عليه جاهة الثقة وتبجيل العلم وأمانة التربية والاعتراف له بالريادة والتصدّر. كان المعلم بالنسبة للناس هو المربي والقدوة والمحامي والقاضي والوجه الاجتماعي الذي يتصدر المجالس...حتى في طلب النسب وفي العطوات.
أيامها لم يكن التدريس وظيفة بقدر ما كان نمط حياة تتصل في وجدان الناس بقداسة النواميس في تعليم الإنسان ما لم يعلم. كان المدرّس الواحد نقابة معلمين كاملة وبدون الحاجة لترخيص. وإذ تسمع للرواد وهم يستذكرون تاريخ البدايات تشعرأن الذات منهم (وهم فعلاً ذوات) تغرف من ذاكرة وطنية موصولة برأس النبع. فتاريخ التعليم هو تاريخ الأردن، بكل صفحاته البيضاء والخضراء والحمراء وأيضاً صفحاته المنسية التي نحاول في هذه الحلقات أن نضيء عليها، لنعرف أين يكمن الخطأ في المسيرة التربوية وكيف تراكم حتى أصبح خطيئة تمشي على الأرض.؟؟
رواد التعليم في الأردن لديهم الجواب ولديهم التفاصيل التي سقطت من الذاكرة الوطنية. الذاكرة لديهم موجودة في القلب، وحين نستمع للتفاصيل ندرك لماذا تغيرت الأحوال، ولماذا المعلم الذي وصفه أحمد شوقي «كاد أن يكون رسولاً»، أضحى في السنوات الماضية معلماً حسب الشاعر إبراهيم طوقان «لا يعيش طويلاً».
في مثل هذا اليوم من كل اسبوع سنطل عليكم إن شاء الله لانعاش الذاكرة الوطنية بما قدمه الرواد الأوائل الذين نقشوا بجوار صخور البتراء أحجاراً إنسانية فذّة، وأرسوا عمارة تعليمية معززة برؤى تربوية جددتها أجيال ساهمت عميقاً في تنمية وتأهيل المنظومات التعليمية في الأردن والدول الشقيقة. ولعل ما سيسمعه الجيل الحالي من تلك التفاصيل التي لم تدوّن من قبل... لعله أن ينفع في مسيرة الإصلاح التي ننهض بها الآن.
ملك التل
الأستاذ الدكتور أحمد يوسف التل (1-2)
* كان مستهجناً على المعلم في ثانوية أربد أن يبتسم أمام طلابه أو يروي حكاية طريفة ... لكنني كسرت العرف
كان يمكن لخريج الاقتصاد السياسي أن يدرّس اللغة الانجليزية للصفوف الثانوية، إذا كان يجيد اللغة...ليس لأن مدرسي اللغة الانجليزية عددهم محدود في خمسينيات القرن الماضي وإنما لعدم وجود وظيفة حكومية تناسب تخصص الاقتصاد السياسي. وهذا ما حصل مع الاستاذ الدكتور أحمد يوسف التل الذي تخرج عام 1956 من الجامعة الأمريكية في القاهرة ولم يجد عملاً في عمان سوى الأخذ بنصيحة جريس القسوس بأن يلتحق معلماً في ثانوية أربد. أيامها كان مستنكراً على معلم الثانوي أن يبتسم أمام طلابه. ولذلك كانت ظاهرة اجتماعية في أربد أن يقال بأن أحمد التل يضحك أمام طلابه ويروي لهم بعض الطرائف. ولعل هذه النزعة الانفتاحية في عقلية د. التل سببها دراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بما تتميز به من بيئة أكاديمية ليبرالية.
جزء من السياسة التعليمية التي كان يعتمدها الانتداب البريطاني، هو تقليص عدد المتعلمين والخريجين بدعوى الحفاظ على مستوى التعليم. وفي قناعة د. التل أن تلك كانت أكثر من مجرد نظرية تربوية. ولذلك كان عدد خريجي الثانوية في شرق الأردن محدوداً بالمقارنة مع الدول العربية الأخرى. وكان ملحوظاً أيضاً أن المدرسين الأردنيين المعارين لدول الخليج أو العاملين فيها يتميزون عن غيرهم بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط.
أبو حازم ولد يوم 13/3/1931في مدينة اربد وفي مدرسة حسن كامل الصباح التحق بالصف الأول الابتدائي عام 1963وكان ترتيبه الأول في نهاية العام الدراسي. في عام 1942 انتقل الى الصف السادس في مدرسة إربد الثانوية وكان من بين زملائه في تلك المرحلة نبيه النابلسي وعلي الهنداوي وموفق الزعبي وحسن خريس وآخرون.
الشهادة الابتدائية الموحدة
في عام 1946 تقدمت مع طلبة السابع الابتدائي لامتحان شهادة الابتدائية الموحد والذي كانت تنظمه وتشرف على تطبيقه وزارة التربية والتعليم، فقررت الوزارة اعتباري راسبا في ذلك الامتحان لتدني علامتي في مادة الرياضيات، علما ان نتائجي في بقية مواد الامتحان كانت عالية جدا. والمؤسف ان الوزارة قررت عدم السماح لي ولزملائي الراسبين باعادة الصف السابع في المدارس الحكومية. لم تكن السياسة التربوية السائدة آنذاك تعترف بمبدأ مراعاة الفروق الفردية للطلبة، ومبدأ الذكاءات المتعددة في العملية التربوية.
عدم السماح بالاعادة؟
الهدف من هذا المنع كان للحد من تدفق طلبة المرحلة الابتدائية الى المرحلة الثانوية، اضافة إلى ان مدرسة السلط الثانوية للبنين كانت الوحيدة في المملكة ولا تتسع لاستيعاب اكثر من شعبة في كل صف من صفوف الثانوية. ثم أنه لم تكن هناك المخصصات اللازمة للتوسع في صفوف المرحلة الثانوية وهي سياسة انجليزية كانت متعمدة.
المدرسة الرشيدية
كل أهالي أربد يستذكرون المدرسة الرشيدية كأول مدرسة تأسست في مدينة اربد عام 1900على الجانب الشرقي من تل اربد. كانت تتألف من ستة صفوف ابتدائية ومن يتخرج منها بنجاح يلتحق بمدرسة عنبر السلطانية في دمشق لمتابعة دراسته. مبنى المدرسة الرشيدية تشغله اليوم مدرسة حسن كامل الصباح. وحسب السجلات الرسمية فان اول من تسلم إدارتها كان اسماعيل شركس من ابناء مدينة جرش المتفوقين وتخرج على يديه عديد من رجالات اربد منهم د. صبحي ومحمود ابو غنيمة، والشاعر مصطفى وهبي التل وخلف التل. وفي عام 1922 اشرف متصرف اربد نبيه العظمة على جمع التبرعات لتوسيع بناء المدرسة التي أخذت تتسع وتنمو حتى اصبحت في عام 1927 تضم11 صفاً ومن خريجيها الذين حملوا شهادة تعادل شهادة الدراسة الثانوية: فوزي الملقي،فواز الروسان،نجيب رشيدات، جميل سماوي، سليمان حجازي وغيرهم.
وفي عام 1932عادت مدرسة حسن كامل الصباح الى مدرسة ثانوية متوسطة «اعدادية» لقلة موارد وزارة المعارف مما دفع من يرغب من الطلبة الى الذهاب الى مدينة السلط لاستكمال دراستهم الثانوية حتى عام 1942حيث عادت المدرسة الى ثانوية تامة.
علمي وأدبي؟
في عام 1961قررت وزارة التربية والتعليم تشعيب التعليم الى مسارين: علمي وادبي يتم تخريج الطلبة في المسارين بعد انهائهم الصف الثالث الثانوي، وكان آخر فوج من طلاب الفرع الأدبي قد تخرج عام 1964واصبحت المدرسة لا تضم سوى شعب المسار العلمي.
المعلمون الأوائل
المعلمون في تلك المرحلة سواء في مدرسة اربد او غيرها من مدارس المملكة يتصفون بالاخلاص للعمل والكفاءة في الاداء والاخلاق العالية في سلوكياتهم وممارستهم للمهنة.
لا شك ان تلك الصفات كانت اساسية لنجاح المدرسين في تأدية رسالتهم التعليمية والتربوية، إلا انها لم تكن كافية لتحقيق اهداف العملية التربويةحيث اساليب التدريس في الاربعينيات وربما ما زالت تتسم بالتركيز على الحفظ والتكرار وتوقيع عقوبة الضرب وتجاهل مبدأ مراعاة الفروقات الفردية بين الطلبة والسماح بابداء الراي او الحوار او التعبير عن الذات واحترام الموهوبين والمبدعين.
مستوى التعليم؟
لم يكن متردياً أبدا فالحصول على شهادة الدراسة الابتدائية او الثانوية لم يكن بالأمر السهل على ابناء شرق الأردن لأن نظام الامتحانات الصعب كان يهدف الى الحد من عدد الناجحين من المرحلة الابتدائية الى الثانوية بحجة المحافظة على مستوى التعليم. وكانت شهادة المرحلتين الابتدائية والثانوية لا تمنح الا لمن يجتاز الامتحانات العامة التي تؤهلهم للتوظف وكان عددهم قليلا جدا.
النتيجة؟
صعوبة الامتحان، اضافة لارتفاع رسوم الاشتراك في الامتحانات نتيجته ارتفاع نسبة التسرب بين الطلبة حتى ان نسبة قليلة ممن يدخلون المدارس الابتدائية يصلون الى المرحلة التي تؤهلهم دخول الامتحان. كما ان قلة المخصصات المالية لفتح مدارس كافية زاد من نسبة التسرب خصوصاً في ضوء الوضع المادي لدى اغلبية الآباء وحاجتهم لأولادهم للمساعدة في الحقول.