د.أيوب أبودية - وُلد جوردانو برونو (1548 ? 1600) لوالد عسكري بالقرب من مدينة نابولي الإيطالية، حيث درس الإنسانيات والمنطق؛ رُسم كاهناً ودرس اللاهوت والفلسفة، لكنه ما لبث أن امتعض من الطريقة التي تقدم فيها هذه الدراسات، فانتقل إلى روما.
اطلع برونو على دراسات الكاهن الإسكندراني آريوس (Arius) الذي عدّته الكنيسة هرطيقاً في مجمع نيقية، عام 325 للميلاد، نتيجة اعتقاداته عن طبيعة المسيح والثالوث المقدس، ثم عادت الكنيسة وبرّأته في مجمع القدس بعد سنوات عشر، ثم عادت مرة أخرى واتهمته بالهرطقة. وكانت هذه الإشكالية من أخطر الإشكاليات اللاهوتية التي تعاملت معها الكنيسة في القرن الرابع للميلاد ومنذ أصبحت المسيحية الدين الرسمي للدولة الرومانية في أجواء ظلمات العصور الوسطى.
أثناء وجوده في روما، اعتنق برونو مذهب ابن رشد الذي أعطى دورا قياديا للعقل في الحكم على تأويل النصوص، فنسبت إليه تهمة الهرطقة في فترة مبكرة. فقد كانت العقلانية الرشدية مصدر خطر للمعتقدات التقليدية التي ارتكزت على ثوابت إيمانية راسخة اعتقدت البابوية أن زعزعتها سوف تؤدي إلى زعزعة نفوذ الكنيسة، خصوصا في ظل تصاعد نفوذ البروتستانتية منذ انطلاقة اللوثرية مع مارتن لوثر (ت. 1546)، والكلفنية مع كالفن (ت. 1564).
فضلاً عن تأثره بالرشدية، تأثر برونو بأعمال العالم الهولندي إرازموس (1466? 1536) الذي أحيا التراث اليوناني واللاتيني الكلاسيكي، ونشر دراساته النقدية لأسفار العهد الجديد ونقد الأرسطية التي تبنتها الكنيسة كأيديولوجية، وسعى إلى بناء منظومة قيم جديدة على الصعيدين الأخلاقي والسياسي.
فسّر برونو المذهب الأرسطي بشأن ثنائية الحقيقة (اللاهوت والفلسفة)، من حيث أن الدين مهم لتوجيه سواد الناس الأعظم من الرعاع، على نحوٍ يذكّرنا بابن رشد، كذلك نقد الفكر الكلفني (نسبة إلى المصلح الديني كلفن) المتمثل في الاعتقاد بأن الخلاص يتم عبر الإيمان، وبحث في العلاقة بين الروح الكونية والروح الإنسانية، على نحو يذكرنا بالفارابي وابن سينا، وأيضاً على نحو يذكرنا بالمعرفة الحقة من خلال رؤية ابن خلدون لطبيعة النفس البشرية.
وهكذا، يمكننا ملاحظة كيف بدأ الأوروبيون يصعدون على أكتاف العرب والمسلمين الذين دخلت علومهم وفلسفاتهم من خلال اتصال العرب بالغرب خلال حروب الفرنج وساهمت في تأسيس الجامعات الأوروبية منذ مطلع القرن الثالث عشر بعد أن ترجمت مؤلفات العرب وتراث الإغريق إلى اللاتينية. لقد بات التجديد في فهم الدين ضرورياً كي يواكب عصر النهضة الذي غدا على مشارف ثورة علمية استدعت علاقات ثورية جديدة (اجتماعية وسياسية ودينية) كي تؤسس للعصر الحديث.
وفي سياق صعود روح التحدي للمنظومة الفكرية التقليدية في القرن السادس عشر، واجه برونو اضطهاداً كبيراً، إذ شرعت الكنيسة في محاكمته لدعمه المشروع الكوبرنيقي؛ وقد اتهم جزافاً بجريمة قتل، ففر إلى جنيف بسويسرا، واعتنق الكلفنية البروتستانتية. ثم فر مرة أخرى إلى فرنسا عندما اكتشف تعصب البروتستانتية هناك ليدرّس الفلسفة بعد أن حصل على حماية الملك الفرنسي، وانتقل بعدها إلى لندن بتوصية من السفير الفرنسي للملك هنري الثالث، فعمل مدرساً في جامعة أكسفورد، وشرع في تدريس النظام الكوبرنيقي لحركة الأرض القائم على فكرة مركزية الشمس في الكون، وبدأ نشر أعماله في الفلك والأخلاق.
نادى برونو بأن الدين مشروع أخلاقي وحسب، وسعى إلى الفصل بين العلم والدين على صعيد الأخلاق. وبذلك هيّأ الناس لقبول أفكار العلماء الجديدة في طبيعة هذا الكون. كما تجوّل في جامعات ألمانيا عارضاً رؤيته في الدين بوصفه مشروعاً أخلاقياً، وأوصله ذلك إلى ضرورة قبول الفكر الآخر؛ كما اشتغل بالنظرية الذرية للمادة والإنسان وانتهى إلى التخلي عن الأفكار الدينية تماماً في ما يتعلق بالمادة والحركة والكون، على نحو يذكرنا بمادية الرازي في تراثنا العربي الإسلامي.
همّ برونو في العام 1591 عائداً إلى إيطاليا بدعوة مشبوهة من مطران مدينة البندقية، المدينة الأكثر تحرراً في إيطاليا آنذاك، وسعى لشغل كرسي مادة الرياضيات في جامعة بادوفا (Padua) من دون جدوى، وهو الكرسي الذي حصل عليه غاليليو العام 1592. وعندما فشل في تحقيق مأربه همّ عائداً إلى البندقية، فحُكم عليه بالهرطقة في العام نفسه.
أُحرق برونو حياً في العام 1600، بعد أن مكث في السجن لمدة سبع سنوات، إذ امتدت فترة محاكمته طويلاً فشل خلالها في إقناع المحكمة بعدم تناقض مشروعه مع الدين. وفي النهاية أصر برونو على أن ليس لديه ما يتراجع عنه، فقرر البابا إعدامه، فأجاب: 'لعل خوفكم من إصدار الحكم علي أشد من خوفي أنا عند استقبال الحكم'.
وانتهى الصراع أخيراً، إذ أحرق برونو حياً بعد أن أُعلن عن حرقه على خشبة في روما ونشر الخبر على صفحات صحف معروفة.
كان الخبر عن نية محكمة التفتيش إحراق برونو على خشبة خبراً عادياً آنذاك، فقد كان برونو من ضمن عشرات الأشخاص الذين أُحرقوا منذ مطلع ذلك العام في روما.
وعلى صعيد الفلك، أكد برونو نظرية مركزية الشمس الكوبرنيقية، وأضاف إليها فكرتي 'لانهائية العالم'، و'تعدد الأكوان أو العوالم'؛ فلم يعد الكون محدوداً كما قال أرسطو؛ فهناك عوالم متعددة وتتمركز الشمس وسط عالمنا الخاص بنا. ولم يعد عالمنا هو الوحيد في هذا الكون!
زاد برونو على اكتشافه هذا ما هو أهم وأروع، فقد دمج خياله العلمي بالتجربة وتخيل نفسه واقفاً على الفلك المحيط وهو يحمل قوساً وسهماً، وتساءَل: إذا أطلقت سهمي بعكس اتجاه الأرض، فهل سيغادر السهم الكون، أم سوف يتسع الكون ليحتضن السهم؟
أي خيال علمي هي هذه الأفكار المختلطة بالحدس والخبرة الحياتية والرغبة الجامحة لكشف أسرار الكون؟
أصبح الكون مفتوحاً على عالم لانهائي، بل على عوالم لانهائية الأبعاد تسبح فيها الشموس وأجرامها. وهذه الأبعاد الهائلة عن الأرض هي التي تجعلنا لا نلحظ التغير في مواقع النجوم في قبة السماء في الوقت الذي تسبح فيه الأرض حول الشمس وتدور حول نفسها.
وبذلك يكون برونو قد حل هذه المشكلة التي برزت عندما طرح كوبرنيق نظريته في 'مركزية الشمس'.
مسألة أخرى ظهرت مع برونو، هي فكرة النسبية؛ فإذا أصبحت الشمس في مركز عالمنا، هل يعني هذا أن الشمس هي مركز الكون؟
رد برونو على هذا التساؤل بالقول إن هناك مراكز لا تعد ولا تحصى في الكون، فالمركز الذي نختاره في الكون أنّى وجد يمكن عده مركزاً، فالمسألة نسبية وليست مطلقة كما كانت مع أرسطو أو بطلميوس أو كوبرنيق.
عرف برونو القليل من الرياضيات، لكنه لم يستخدمها في بحثه عن طبيعة هذه الأكوان والعوالم اللامتناهية. استخدم المنطق والجدل الميتافيزيقي والنزعة الامبريقية لاكتشاف أسرار الكون، كما شاهدنا من خلال تخيل تجربة إطلاق السهم خارج فلك النجوم.
كما توصّل برونو بخياله العلمي الباهر، إلى أن النجوم شموس، وتمتد إلى ما لانهاية، وأنها بعيدة جداً، وأن ثمة كواكب تدور حول هذه الشموس في أكوان أخرى؛ وبذلك يكون قد أرسى قواعد الفلك الحديث على النحو الذي نعرفه اليوم. ولكن، هل سبق برونو أحد في هذه الاكتشافات؟
لاحظ أريستارخوس مركزية الشمس في عالمنا قبل نحو ألفي سنة من اكتشاف كوبرنيق، كما اشتغل العالم الروماني لوكريتوس (Lucretius) بفكرة عالم مفتوح إلى اللانهاية، ولكنه لم يدرك أن النجوم هي شموس.
أما فكرة اللانهاية فكانت مسألة خطيرة آنذاك، لأن الفكرة السائدة والأيديولوجيا المهيمنة كانت تعدّ الله وحده هو اللامتناهي، لا يمكن أن يشاركه أحد في تلك الخاصية الفريدة. وربما لهذا السبب قمع الفلكيون العرب أي خيال علمي راودهم خوفاً من الوقوع في الشرك على غرار ما فعلوه حين انبروا لدحض فكرة قدم العالم حتى لا يقعوا في الشرك أيضاً (أي إشراك صفة قدم العالم مع صفات الله). ولذلك نجد عالماً مثل نقولا الكوزي (Nicholas of Cusa) في القرن الخامس عشر، يحاول التوفيق بين الله اللامتناهي والعالم اللامتناهي.
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن برونو ربما يكون قد تأثر بأعمال بعض فلاسفة الإغريق مثل أرخيتاس (Archytas) (428 ? 350 ق.م) ، فضلاً عن بعض علماء عصره مثل نقولا الكوزي وغيره. فمن هو أرخيتاس؟
أرخيتاس هو الفيلسوف اليوناني صاحب المذهب الفيثاغوري، وقد عاصر أفلاطون ويقال إنه أنقذ حياته بعد أن حكم عليه الملك ديونيسيوس بالموت. اعتقد أرخيتاس في القرن الرابع قبل الميلاد أن الكون لامتناه، إذ تخيل نفسه واقفاً عند تخوم نهاية الكون المفترضة، وتساءَل: ما الذي يمنعني من مد يدي خارج هذا الحد؟ فإنني إذا فعلت أضع عندذاك حداً جديداً للكون. ثم أنتقل إلى ذلك الحد وأمد يدي خارجه مرة أخرى فأضع حداً جديداً، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهي فكرة قريبة جداً من أفكار برونو حول هذه المسألة عندما تخيل نفسه واقفاً عند الفلك المحيط ويطلق سهماً صوب خارجه!
لم يقبل أفلاطون وأرسطو هذا الاعتقاد لأنهما لم يقبلا فكرة وجود جسم من دون حدود، فكل ما هو موجود بالفعل محدود. وقد أشار أرسطو إلى فكرة الاعتقاد بلا تناه العالم ونقدها وعدّها وجوداً بالقوة غير متحققة في أرض الواقع.
أما إقليدس، وخلال إثباته لاتناه الأرقام، فقد فتح الباب أمام إمكانية لاتناه الكون، كذلك دعمت أفكار ديمقريطس وأبيقور تلك الإمكانية. كما استخدم الرواقيون والأبيقوريون حجج أرخيتاس نفسها وطوروا عليها. ومن الواضح اليوم أيضاً أن العالم الروماني لوكريتوس، الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد، تحدث في نهاية كتابه الأول عن العالم اللامتناهي الذي يصعب تخيله والذي يتألف من مكان متسع إلى ما لانهاية ويحتوي على أعداد لا متناهية من الذرات. أما في نهاية كتابه الثاني فقرر أن هناك عوالم أخرى إلى جانب عالمنا.
وفي عصر النهضة الأوروبية تساءَل الفيلسوف الألماني نقولا الكوزي (1401 ? 1464) في القرن الخامس عشر عن اللامتناهي؛ إذ رأى أن تعريف الامتناهي يوصلنا إلى جعل اللامتناهي محدداً، أي متناهٍ، فانتهى بالقول إلى أن اللامتناهي يفوق الوصف والتعريف.
وقد ساهم علم الحساب في فتح آفاق اللامتناهي، إذ أدخل العالم الإيطالي فيبوناتشي (Fibonacci) نحو العام 1200، التجارب العربية الاسلامية الفريدة على شكل جذور وأرقام عشرية لها أصول هندية ووضع متواليات عددية. ولكن لغاية النصف الأول من القرن السادس عشر لم يقبل الأوروبيون الأعداد العشرية أو العدد اللامتناهي بوصفها أرقاماً حقيقية، بل عدّوها أرقاماً لاعقلانية وأعداداً غير حقيقية، إذ يقول العالم مايكل ستيفل في العام 1544: 'رغم أنها أرقام غير حقيقية ولا عقلانية، إلا أنها تتخفى في ما يشبه السديم اللامتناهي'.
وعليه، فإن إرهاصات فكرة العالم اللامتناهي ووجود عوالم متعددة ومركزية الشمس، كانت كلها أفكاراً معروفة بين معشر العلماء، وربما تكون فكرةُ أن النجوم هي شموسٌ الفكرةَ الجديدة الوحيدة التي جاء بها برونو، ولكن، يمكن القول إن الأهم من البحث عن صاحب هذه الأفكار الأصيل، هي شجاعة برونو بالتصريح بهذه المعطيات وتجاوز المحظورات في عصر قمعي خطير، فما فتئ حتى آخر لحظة من حياته متمسكاً بمواقفه الشجاعة إلى أن أُحرق.
أكد برونو فكرة في غاية الشجاعة والخيال العلمي وإطلاق الفرضيات عندما صرح بفكرة تعدد العوالم. فلم يعد عالمنا هو الوحيد في هذا الكون، ولم يعد عالمنا أفضل العوالم الممكنة التي خلقها الله، إنما انفتح الباب أمام حوار فلسفي لا تحده نهايات أسوة بعوالم برونو الجديدة اللامحدودة واللامتناهية؛ كما انفتح الباب أمام البحث العلمي في هذا العالم اللامتناهي الذي ما نزال نتعامل معه اليوم بنوع من 'الخيال العلمي' عندما نتحدث عن انفجارات شمسية حدثت منذ زمن بعيد وتبعد عنا ملايين السنوات الضوئية، حيث السنة الضوئية الواحدة تساوي نحو 6300 مليار ميل، أو نحو 10 تريليون كيلومتر.
أليس ذلك ضرباً من الخيال العلمي، وفي الوقت نفسه ألم نغدو نتحدث اليوم عن هذه الأرقام الفلكية بواقعية حديثنا عن أن الساعة الأرضية الواحدة تعادل 60 دقيقة؟
خلاصة القول إن برونو توصل بخياله العلمي الباهر، وشجاعته العظيمة ومعرفته الواسعة بعلوم عصره ومن سبقوه، إلى أن النجوم هي شموس وتمتد إلى ما لانهاية، وأنها بعيدة جداً، وأنه لا بد من وجود كواكب تدور حول هذه الشموس في أكوان أخرى أسوة بمنظومتنا الشمسية؛ وبذلك يكون قد أرسى قواعد علم الفلك الحديث على النحو الذي نعرفه اليوم.
فهل تجعلنا هذه الاكتشافات نقول إن المنهجية العلمية الحديثة بدأت مع برونو قبل غاليليو، أم إنه يشار غالباً إلى بدايتها مع غاليليو لأنه لم يستخدم التصورات فقط، بل سخّر الفرضيات العلمية والرياضيات والفيزياء والتجربة في التأسيس للعلم الحديث؟
لقد بات التجديد في فهم الدين ضرورياً كي يواكب عصر النهضة الأوروبية الذي غدا على مشارف ثورة علمية استدعت علاقات ثورية جديدة في الاجتماع والسياسية والدين كي تؤسس للعصر الحديث، كما هي حالنا اليوم ونحن نعيش عصر النهضة العربية الثالثة التي تستدعي الاصلاح المرتبط بالتغيير ارتباطا جدليا.