مداخل الشيطان لإفساد القلوب

مداخل الشيطان لإفساد القلوب

د. يوسف بن مصطفى مشعل

القلب بحياته يحيا الجسد وبموته يموت، فهو كالإناء تستطيع أن تملأه بالخير وبإمكانك أن تملأه بالشر فعندئذ يمرض القلب، قال النبي - صلى الله عليه (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب) البخاري.
ولذا كان القلب هو محل الاختبار والابتلاء فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين ، قلب أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا ، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه « .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :فشبه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا ، كعرض عيدان الحصير - وهي طاقاتها - شيئًا فشيئاً ، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب الإسفنج الماء فتنكت فيها نكتة سوداء فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معنى قوله « كالكوز مجخيًا « أي مكبوبًا منكوسًا ، فإذا اسود انتكس عرض من هاتين الآفتين مرضان خطيران متراميان به إلى الهلاك :
أحدهما : اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا ، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والحق باطلاً والباطل حقًّا .
الثاني : تحكيمه هواه على جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وانقياده للهوى واتباعه له .
وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان ، وأزهر فيه مصباحه ، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها ، فازداد نوره وإشراقه وقوته.
والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهن فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع ، فتن الظلم والجهل ، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد .
ولذلك يجب على المسلم أن يراقب قلبه ويتعرف أحواله ويتخوله بالموعظة بين الحين والآخر، وليعلم أنه بصلاحه تكون السعادة الأبدية وبفساده يكون الشقاء والبلاء والخسران المبين .
واعلم أنه كلما ازداد إيمان القلب وقوي يقينه زاد نوره الذي يميز به بين الحق والباطل والهدى والضلال، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس ، وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلب على الآخرى غلب عليه « . رواه أحمد والطبراني في الصغير
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :فقوله ( قلب أجرد ) أي متجرد مما سوى الله ورسوله فقد تجرد وسلم مما سوى الحق و( فيه سراج يزهر ) وهو مصباح الإيمان ، فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغي بحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان، وأشار بـ( القلب الأغلف ) إلى قلب الكافر، لأنه داخل في غلافه وغشائه فلا يصل إليه نور العلم والإيمان، كما قال تعالى حاكيًا عن اليهود : « وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ « ، وهو جمع أغلف وهو الداخل في غلافه، وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله عز وجل على قلوبهم عقوبة لهم على رد الحق والتكبر عن قبوله .
فهي أكنة على القلوب، ووقر في الأسماع، وعمى في الأبصار، وهي الحجاب المستور عن العيون :» وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) « الإسراء . فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورًا .
وأشار بالقلب المنكوس - وهو المكبوب - إلى قلب المنافق كما قال تعالى : « فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً «. أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة، وهو شر القلوب وأخبثها، فإنه يعتقد في الباطل حقًّا ويوالي أصحابه والحق باطلاً ويعادي أهله .
وأشار بالقلب ( الذي له مادتان ) إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يظهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادة منه ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب وإليه يرجع . ( إغاثة اللهفان).
ومن هنا يتبين لنا أن مدار الأعمال على القلب، فهو القائد والجوارح جنوده يوجهها حيث أراد.
 قال ابن القيم: ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوسواس وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له المصايد والحبائل ما إن يسلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول في ضمان:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }سورة الحجر (42). فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشيطان، وحصولها بسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب، إخلاصه العمل، ودوام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله - سبحانه وتعالى- من المقربين، وشمله استثناء :{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} سورة الحجر(40) ..إغاثة اللهفان ج1 ص6.
 ونقاء القلب وإخلاصه يرفع صاحبه درجات, فقد روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قيل يا رسول الله: من خير الناس ؟ قال كل مؤمن مخموم القلب قالوا وما مخموم القلب ؟ قال :( هو التقى النقي الذى لا غاش فيه ولا بغى ولا غدر ولا غل ولا حسد). رواه ابن ماجه: قال العراقي : إسناده صحيح
 
hishamkhraisat@gmail.com