تأريخ الراهن والمستقبل

تأريخ الراهن والمستقبل

* نزيه أبو نضال

إبراهيم زعرور كاتب لا يشبه غيره، وهو عبر متوالياته السردية يضيف الكثير والجديد والمتميز إلى مدونة شعبه، وبما يسهم في حفظ هويته الوطنية من التبديد والضياع عبر المنافي، وسنوات الغربة، ومكر الأعداء، وتخلي ذوي القربى، وأهل البيت.
وهو يفعل ذلك بأدوات فنان يتقن نحت لغته الخاصة، وعوالمه الإبداعية، فتحضر الميثيولوجيا الكنعانية بمواجهة الاغتصاب التوراتي، ويتقدم المتصوفة الواصلون بكامل بهائهم: ابن عربي بإشراقاته، والنفري بشعريته، ورابعة بعشقها الإلهي. ومن خلال كل هؤلاء يطل علينا إبراهيم زعرور بتفاصيلذاكرة طازجة كالرغيف، كأنها خرجت للتو من طوابين قريته 'عانين'..
هكذا تبقى فلسطين حاضرة في الحكاية، مع صباحات الزيت والزعتر، إلى الأعوام الألف القادمة.. فيكون أن يمتشق 'حسن حجازي' فرس الحنين في ذكرى النكبة عام 2011.. ويعبر أسلاك الجولان وألغامها، نحو مجدل شمس، ومنها إلى بيته في يافا.
هذا هو الدور الذي يلعبه بحب وصمت وبساطة إبراهيم زعرور الذي يواصل حفر مدونته السردية الكبرى عبر مجموعاته القصصية: 'آخر الطيور السوداء' (1983)، 'شير أنا قتلتك' (1985)، 'مكان ضيق.. شديد الضيق' (1997)، 'قصص مشاهدات عائد من هناك' (2003)، 'الشارع الذي رحل.. شذرات من كتاب البكاء وكتاب الضحك'.. إلى روايتيه: 'ذئب الماء الأبيض' (2002) و'رعاة الريح' (2010).
هكذا يضيف زعرور اسمه إلى القائمة العظيمة مع أولئك الذين تركوا مدوناتهم ونقوشهم على وجوهنا: نوح إبراهيم، إبراهيم وفدوى طوقان، عبد الرحيم محمود، محمود درويش، غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، رشاد أبو شاور، يحيي يخلف،  سميرة عزام، إبراهيم نصر الله، إحسان عباس، إدوارد سعيد، ناجي العلي، اسماعيل وتمام شموط، يوسف خاشو، سلفادور عرنيطة، وغيرهم وغيرهم..  بوصف هؤلاء، 'الشاهد الآبد الأمين على ما مر بنا من قوافل المنهكين والرعاة والجرحى والخزافين واللائذين بالفلاة ممن ناءت بهم المسافات وابتعد الزمان'.. فتكون مهمة الابن الوفي للأرض أن يقبض على الزمن الذي يبتعد، ويستعيد المكان الذي يتهود بلا هوادة على يد اللصوص الأعداء..
وها هو الراوي/المؤلف يرتدّ بنا مرة أخرى، بصحبة كلبه الأثير 'شير'، إلى الوراء نحو سنوات النكبة في قريته 'عانين' (قضاء جنين)، التي أطلق عليها اسم 'العيون' كي يتيح للمخيال الروائي أن يضيف ما يغني المشهد، إلى جانب حقائق معروفة، ما تزال، كما قال، موجودة حتى اللحظة: 'كل الأماكن الواردة في الرواية صحيحة تماما، الصخرة والخروبة وعين الماء المسماة (عين افديع)'.
وها هو الآن يقف فوق صخرته القديمة يحدق في الغروب وقد عاد للتو من رحلة استمرت ما يزيد على خمسين عاما يحمل غربته على كاهليه مثل بدوي ظل تائهاً في الصحراء، يقف على طلل الروح وأثافي العمر، تماماً كما كان في الثامنة من عمره.. مع ذكريات جده مؤمن، وصديقه الصياد طايل، وكلبه شير، وبينهم 'الموقد البدائي وقد ترمدت حجارته لطول العهد'.. فما تزال أطلال خولة 'تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد'..
هنا بالضبط يستعيد الراوي مع الفتى الصغير ينابيع حكايته الأولى التي سمعها من جده مرارا، وبات عليه أن يرويها لأبنائه وأحفاده.. فثمة في ظهر القادم أكثر من 'حسن حجازي' أو إبراهيم صغير يتوثب 'مثلما يقدح الزناد حجر الصوان'، كي يصل، كما فعل جده الأكبر الشيخ نصر، حين وصل أرضاً بكرا لم تطأها قدم منذ أيام الكنعانين...
هناك عند  حافة الصدع العظيم، وقف جده نصر حفيد الكنعاني الأول.. حيث انفجرت على يديه الينابيع أو العيون السبعة.. وليجد نفسه مع قومه في جنة لا نهاية لخضرتها.. سفوح من غابات لا تنتهي أسموها 'العيون'.. هكذا يصنع إبراهيم زعرور لشعبه أرض ميعاده، ويعترف: 'لهم توراتهم ولي (توراتي)'.. ثم إنه يعمل مع مدوني التاريخ الفلسطيني إلى إعادة الاعتبار للحقيقة المدهشة التي كشفها غالب هلسا: 'يوجد المكان والتاريخ عندما نكون شهوداً عليهما. إذا ابتعد الشاهد، أو أدار ظهره، اختفى المكان والتاريخ.
الذاكرة هي التي تحافظ على المكان والتاريخ، وبالتالي على الوطن. افتقاد الذاكرة يعني افتقاد الهوية، وبالتالي الانتماء.. هناك غزاة جاءوا غير منتسبين إلى الأرض، لم يعيشوا تاريخ هذه الأرض إلا كجزء من التاريخ العام المكتوب عبر عموميات كتب المؤرخين؛ هذه الأرض ليست جزءا من ذاكرة الغزاة، فلن يكونوا من أصحابها'.
يلاحظ الروائي محمد الأسعد مع غالب 'إن الفلسطيني لن يستطيع الاحتفاظ بذاكرته إلا إذا تحوّلت إلى قصة'. لكن الرواية الفلسطينية، الأدبية والسياسية، ليست قائمة على تقاسم المكان، بل على استعادته والعودة إليه، لأنها رواية أصحاب الأرض، في فلسطين كلها وخارجها. والفن وحده هو القادر على المحافظة على الأرض والتراث، أما كتب التاريخ فهي تنسى التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، ولهذا فهي عاجزة عن أن تكون غذاءً للذاكرة.. فالوطن ليس نشيدا أو علما أو مجرد معنى في الذهن، لكنه ببساطة 'الجد المضجع فوق مصطبة من التراب الأحمر في ظل الخروبة، وإلى جانبه إبريق الوضوء مركونا إلى جذع الخروبة ومفرش الصلاة متآكل الحواف.. وموقد بدائي ترمدت حجارته، فوقه إبريق الألمنيوم المسود بعلاّقته من السلك المجدول، وثلاثة كؤوس فقدت شفافيتها لكثرة ما فاض عن حوافها من الشاي الأسود المغلي الدبق، وما خلفته الأصابع الخشنة المتعاقبة من بصمات وآثار'.
من يتأمل المشهد الإبداعي الفلسطيني في الرواية والسيرة كما في القصة وحتى في الشعر، سيجده مكتظاً بمفردات وتفاصيل الحياة اليومية، كأن الكاتب أوكل لنفسه مهمة حماية الذاكرة الوطنية من التبديد: 'كان الصياد طايل مستغرقاً في تفاصيل القصة، فبدا كمن أفاق فجأة من رحلته مع التاريخ عندما قال: هذه حكاية مليحة. فعلق الجد: وأي شيء يتبقى من الناس غير رواية تروى'.
لكنه وهو يفعل ذلك، يحرص على توجيه سلاح نقده الجارح لما فعله أهل البيت بقضيتهم (في أوسلو) التي تركت الفلسطيني منزوع السلاح والأظافر، تماماً كما فعل بكلبه 'شير':
وصلت إلى هناك خيمة كبيرة، لا يعرف بطلنا الصغير ما بداخلها، فدفعه الفضول لدخول الخيمة، لكن الأغرابَ صدّوهُ عن ذلك، ومنعوه من تحقيق ما يرغب فيه، مشترطين عليه تقليم أظافر الكلب (شير) إنْ هو أراد الدخول، ورؤية ما في الخيمة من الغريب والعجيب. ورغم صعوبة الموافقة على هذا الشرط، إلا أنَهّ تنازل أخيرا، وتقبَّل على مضض أن تقلم أظافر (شير) رفيقه ، وسنده، لا سيما في الأوقات الحرجة، والصعبة.
ولم يقتصر الأمرُ على هذا، فبعد دخول الخيمة، التي لم يجد فيها سوى صندوق مطعم، أغلق بإحكام، تجدّد لديه الفضول أكثر من السابق، فهو يتوق لرؤية ما في الصندوق توقا شديدا، والأغراب يكرّرون الشروط بعد أنْ لمسوا ما لديه من استعدادٍ لتقديم التنازلات، فاشترطوا عليه، هذه المرَّة، ألا يفتح الصندوق إلا بعد أن يقتلعوا نيوبَ الكلب (شير) الأربعة.
شق عليه بادئ الأمر أنْ يوافق على هذا الشرط، لكنّ طمعه في رؤية، أو معرفة، ما في الصندوق، قاده  للموافقة، واقتلعت أنيابُ (شير) الذي ولّى بعد ذلك مُدْبرا، وفتح بطلنا الصندوقَ، ليكتشف أنه فارغ. وبما يشبه وهم الدولة الفلسطينية المستقلة.. فغدا الكلب شير عرضة لتناهش الكلاب الصهيونية الضّالة.
'خرجت كالمذبوح أركض وراء شير، طاردت الكلاب وأبعدتها عنه، واقتربت منه هامساً باكياً.. شير عزيزي شير، لكنه أزاح  وجهه الحزين إلى الناحية الأخرى، ومضى بعيداً وراء الجبال.. من دون أن يلتفت إلى الوراء أبداً'.
هذا المشهد التراجيدي الذي ختم به إبراهيم زعرور روايته، يحيل إلى الميثولوجيا اليونانية القديمة وصندوق باندورا الذي أمر زيوس بعدم فتحه، لكن فضول باندورا دفعها لفتحه، فكان أن خرجت مع بروميثيوس من الجنة، مثل آدم وحواء، وكما خرج إبراهيم من جنة فلسطين.
حين تنتهي من قراءة سفر رعاة الريح ستجد نفسك تلهث وأنت تنوء بحمل العديد من الحكايات والأحداث والشخصيات التي لا يتسع المجال لتناولها، وكذلك بكم هائل من المفردات الفلاحية التي لا يعرفها حتى الفلسطينيون القدامى، وكأن كل اسم أو مكان أو مصطلح أو تعبير هو لفظ مقدس يخشى عليه الكاتب من الانقراض فيضمّنه 'سفر الرعاة' ليحفظه إلى أبد الآبدين: فديع، عين الخروبة، العين الصفرة، لقطان الحمر، المطلة، الحَنْوة، الخِزْرق، الشقيف، ديمايته (قمبازه)، خربوشة (خيمته)، وهناك شملة الشيخ وحياصة الحمار وشقع المزراب، و'عقله قرطة عراط لا هو خشب ولا هو فحم'. ثم: 'كنت أتلبد عند كوع القيقب... قرقة سمينة'، و'جاء يتدلى من زناره فرد بربللو مخلّع خشب الكعب'..
والكاتب لا يكتفي بكل ذلك، فهو يريد أن يؤرخ الراهن أيضا، والمستقبل لو استطاع، وأن يستعرض كذلك ما احتوته ذاكرة المثقف المغترب إبراهيم زعرور أو بطله الروائي من معارف كونية وتاريخية وتراثية بما يشبه الإسقاطات، ولكن ذلك شوش صورة المكان (العيون) وحدود الزمن، بل وبدت شهادة الصبي الصغير ابن الثامنة مختلطة بمسميات راوٍ آخر وزمن آخر وثقافة أخرى، وقد لاحظ ذلك أيضاً وبانتباه عميق فاروق وادي، حيث كنا نجد أحيانا السّرد 'ينحرف عن بيئته، ليستجلب مفردات وعبارات لا تليق بالزمان والمكان الروائيين، كأن يتحدّث الكاتب بلغة مغتربة عن أجواء القرية عن امرأة  تتقلّب متأرجحة في أحضان مورفيوس إله الوسن، أو يقحم أسماء: غويا، جيمس جويس، ماركيز، فاوست، دون كيخوته،  فرويد، سيزيف، هوميروس، وحتى محمد حسنين هيكل، في حديث يسرد الأحداث في قرية تعيش عزلتها في أربعينيات القرن العشرين، وربما قبل ذلك'.
ومثل هذا الفيض الفائض من تدفقات كاتب محتشد بالكثير مما يود قوله، وبلسان أكثر من راو، أحدث نوعاً من الخلل على البنية الفنية لمعماره الروائي، لكن الرواية رغم ذلك تشكل إضافة نوعية للرواية الفلسطينية والعربية.