عدنان أبو عودة: خريج الكلية أو دار المعلمين كـان أقـدر مـن خريـج الماجستير هـذه الأيام (3-3)

عدنان أبو عودة: خريج الكلية أو دار المعلمين كـان أقـدر مـن خريـج الماجستير هـذه الأيام (3-3)

* خزين الذاكرة الوطنية  .. اعداد ملك يوسف التل

*  جيلنا خرّج رجالاً متعلمين ، الطلاب كانوا جادين
 والمعلم كان يشعر بالمسؤولية والواجب وبمفهوم الأمانة مع نفسه وأمام الله

..زمان، كانوا ينادونه «الأستاذ»! وفي ذلك كانوا يسبغون عليه جاهة الثقة وتبجيل العلم وأمانة التربية والاعتراف له بالريادة والتصدّر. كان المعلم بالنسبة للناس هو المربي والقدوة والمحامي والقاضي والوجه الاجتماعي الذي يتصدر المجالس...حتى في طلب النسب وفي العطوات.
أيامها لم يكن التدريس وظيفة بقدر ما كان نمط حياة تتصل في وجدان الناس بقداسة النواميس في تعليم الإنسان ما لم يعلم. كان المدرّس الواحد نقابة معلمين كاملة وبدون الحاجة لترخيص. وإذ تسمع للرواد وهم يستذكرون تاريخ البدايات تشعرأن الذات منهم (وهم فعلاً ذوات) تغرف من ذاكرة وطنية موصولة برأس النبع. فتاريخ التعليم هو تاريخ الأردن، بكل صفحاته البيضاء والخضراء والحمراء وأيضاً صفحاته المنسية التي نحاول في هذه الحلقات أن نضيء عليها، لنعرف أين يكمن الخطأ في المسيرة التربوية وكيف تراكم حتى أصبح خطيئة تمشي على الأرض.؟؟
رواد التعليم في الأردن لديهم الجواب ولديهم التفاصيل التي سقطت من الذاكرة الوطنية. الذاكرة لديهم موجودة في القلب، وحين نستمع للتفاصيل ندرك لماذا تغيرت الأحوال، ولماذا المعلم الذي وصفه أحمد شوقي «كاد أن يكون رسولاً»، أضحى في السنوات الماضية معلماً حسب الشاعر إبراهيم طوقان «لا يعيش طويلاً».
في مثل هذا اليوم من كل اسبوع سنطل عليكم إن شاء الله لانعاش الذاكرة الوطنية بما قدمه الرواد الأوائل الذين نقشوا بجوار صخور البتراء أحجاراً إنسانية فذّة، وأرسوا عمارة تعليمية معززة برؤى تربوية جددتها أجيال ساهمت عميقاً في تنمية وتأهيل المنظومات التعليمية في الأردن والدول الشقيقة. ولعل ما سيسمعه الجيل الحالي من تلك التفاصيل التي لم تدوّن من قبل... لعله أن ينفع في مسيرة الإصلاح التي ننهض بها الآن.

ملك التل

 

 

يعتقد الرئيس الأسبق للديوان الملكي أن الذين كانوا يتخرجون من الكلية العربية أو دار المعلمين قبل بضعة عقود كانوا مؤهلين تربوياً وثقافياً بأكثر من خريجي الماجستير هذه الأيام.
ومن خبرته كمعلم في ثانوية السلط عام 1954 وفي الفاطمية بطولكرم قبل أن يغادر للعمل مدرساً في الخليج، فإن أبا السعيد يؤمن بأن ميزة التعليم عن كثير من المهن الأخرى تكمن في أن من يعمل بها يشعر بمكافأة يومية تتمثل في نجاحات الطلاب الذين يتعب عليهم، وفي احتفاظ تلامذته له بالعرفان طول العمر.
ويستذكر أبو عودة من تلامذته في ثانوية السلط اسماء كثيرين من الذين أصبحوا شخصيات عامة في البلد، منهم د. عبدالله النسور، د. عبدالله الحياري، د. عادل القضاة، و د.محمد العطيات ود. عادل الحياري. ومن طولكرم د. محمد الصباريني. و د. عدنان حمدان.
ولم ينس أبو السعيد أنه انظُلم في شبابه. فقد كان السادس على المملكة في امتحان المترك لكن اعتماد كوتا الألوية في حينه أفقده حقه في الابتعاث. أيامها تفوق عليه محمد حمدان ورسمي محمود حسب تلك الكوتا.
أبو عودة (مواليد نابلس 1933)، يستذكر هنا ليس فقط كيف انتقل من التدريس إلى المخابرات، وإنما أيضاً لماذا كان التلميذ يهرب من أمام المعلم حينما يلقاه في الطريق... احتراماً ومهابة. ويروي كيف أنضم لحزب التحرير في بداياته ولماذا غادره.
اسلوبك في التعليم؟
ثلاث سنوات درست فيها بالسلط مادة اللغة الإنجليزية للمرحلة الثانوية كنت خلالها أجهز درسي، و أتعب لأنه ليس اختصاصي كنت ممتازاً في اللغة الإنجليزية ولهذا السبب عينوني مدرسا لهذه المادة لحاجتهم، فعندما بدأ ما يسمى بـ التعليم العالمي، التعليم الجماهيري، كان هناك نقص في عدد الأساتذة، وأذكر أنه كان يأتينا معارين من مصر أو متعاقدين الى مدرسة السلط الثانوية.
 مستوى طلاب السلط الثانوية؟
عندما جئت إلى المدرسة كان الطلاب ضعافاً في هذه المادة، وتبرعت لعدد منهم بيومين في الأسبوع أتأخر بعد انصراف الطلبة اذ استأذنت من المدير بإعطائهم درساً خاصاً يومين في الاسبوع دون مقابل. ويبدو لي أن الطلاب قدروا هذا العمل، مما أثر عليهم وحصل احترام شديد. الطالب حساس أكثر مما يظن المعلم وكذلك الطفل. أدركوا إخلاصي في عملي وحصل هناك احترام ومحبة، فلم يكن لدي مشاكل مع الطلاب. عندما دخلت مدرسة السلط، كان عمري 21 سنة، وكنت أدرس الصف الرابع الثانوي «ماتريكوليشين»، فكثير من الطلاب كانوا قريبين لعمري، لذلك نشأت علاقة صداقة بيني وبينهم.
علاقتك بأهالي الطلبة استاذا في السلط؟
السلطيون يتعاملون مع الغريب كضيف. كان معنا أستاذ من اربد وهو سامي الخوري اضافة لأساتذة من جميع أنحاء المملكة، كانت هناك عادة ممتازة حيث  مدير المدرسة يقوم بدعوة الأساتذة ومدراء الدوائر في المدينة، مثل مدير المالية والمتصرف ومدير الصحة بهدف عمل علاقات اجتماعية، وأذكر ان مساعد المدير منصور الداود رحمه الله  قد دعانا لبيته، وأيضاً شقيقه ظافر الذي استشهد عام 1968 أثناء القصف الإسرائيلي على وادي شعيب، وكان رجلاً شهماً، وشهامته دفعته لينقذ المصابين فجاءت الطائرة الإسرائيلية وقصفت المنقذين وسقط شهيداً عليه رحمة الله. الحياة الاجتماعية في السلط كانت بالقهوة. كانت هناك قهوة مشهورة هي قهوة المغربي، نذهب إليها يوميا وكانت تجمع كل الأطياف أذكر منهم القاضي كمال الساكت، دمه خفيف ومرح، وايضا مدير مدرسة اسمه عبدالحافظ العزب، ومنصور الداود ومدير الصحة الدكتور أنيس إيراني، رحمهم الله جميعا فكنا نجلس في القهوة، الناصرية في تألقها، وخاصة بعد عام 1956، و الحوار كله سياسي، والتسلية كانت طاولة الزهر، وفي رمضان كنا نلعب الشدة، مجتمع السلط ودود، والناس يحترمون بعضهم البعض. وكانت هناك علاقة مع أهالي الطلبة، يأتون ويزورونا في بيوتنا. وبالنسبة لي كانت تلك الفترة ممتازة وكنت مرتاحاً فيها.
الطلاب والمقاهي؟
لا، لم يكن الطلاب يذهبون إلى المقاهي.
وتنجيح الواسطة؟
 نجاح الواسطة لم يكن موجودا. حكمت الساكت يرحمه الله كان معروفاً بشدته وحزمه وعدله. أول مدير عملت معه هو الأستاذ شوكت تفاحة أطال الله في عمره، ثم جاء  بعده حكمت الساكت و تركت السلط وكان ما زال مديراً.
والرسوب؟
كان هناك رسوب. فهناك من يهتم بالنجاح وهناك من لا يهتم به، والسبب أن الدولة كانت توظف من كان ينهي الخامس الثانوي ، فمن يرى نفسه ضعيفا، لا يهتم كثيراً لأنه يعلم بأنه سيحصل على وظيفة; كان هناك طلاب ممتازين من تلاميذتي منهم عبدالله النسور وكان متميزاً، وأيضاً موسى الكيلاني والشيخ إبراهيم زيد الكيلاني كان أيضاً من تلاميذي، وأيضاً علمت الدكتور عبدالله الحياري وكثيرين منهم أصبحوا شخصيات عامة معروفة.
الراتب الشهري؟
كنت درجة ثامنة راتبي 24 دينار، وكنت مستأجر لغرفة في السلط إيجارها 2.5 دينار في الشهر مع الكهرباء والماء، وأرسل عشرة دنانير لأبي رحمه الله، وأصرف الباقي.
ما بعد السلط الثانوية؟
انتقلت إلى طولكرم ودرّست سنة في الفاضلية، بنفس الأسلوب ونفس التخصص في اللغة الانجليزية، وأذكر أن الأول في السنة التي درستها في الفاضلية من طولكرم اسمه عنان حمدان وهو الآن أستاذ في جامعة العلوم والتكنولوجيا، ودرست أيضاً محمد سعيد الصباريني الذي أصبح رئيساً لجامعة اليرموك والآن رئيساً لجامعة أربد الأهلية، جيلنا خرّج رجالاً متعلمين، لم يكن هناك تكنولوجيا في ذلك الوقت، فالطلاب كانوا جادين والمعلمين أيضاً، المهم جدية المعلمين كانوا يشعرون بالمسؤولية والواجب وبمفهوم الأمانة وانه مسؤول أمام الله.
وبعد ذلك أكملت في الجامعة الأردنية تخصص إنجليزي، ومنها تعاقدت مع  دولة الكويت مدرسا عام 1959 وبعد سنة، تزوجت وعدت وزوجتي يرحمها الله معارين من دولة الكويت إلى الإمارات المتصالحة لبلد اسمها أم القوين في الإمارات، حيث كانت هناك سبع إمارات: أبو ظبي ودبي وعجمان والشارقة وأم القوين ورأس الخيمة والفجيرة، كانت سبعة مشيخات تسمى الإمارات المتصالحة، وكان يديرها المقيم البريطاني في دبي.. المنطقة لم يكن ظهر فيها بترول بعد، وكانوا ما زالوا يبحثون عنه في أبو ظبي. موظفو التعليم كانوا تبرعات من عدد من الدول منها الكويت وقطر ومصر وبعد ذلك دخلت الكويت بخدمة أخرى وهي الصحة ففتحت مستوصفات صحية لخدمة المواطنين، كانت الكويت شريكة في التعليم لكنها كانت لوحدها في الصحة.
التعليم صقل شخصيتك؟
نعم، أنا كنت دائماً اتطلع إلى شيء أكبر من التعليم، كنت أعتقد أنني ظلمت عندما اكتفيت بالثانوية، كنت أتمنى وأنا في الثانوية أن ادخل كلية الطب. دخلت التعليم وأصبحت مهنتي، وقمت بالمهمة كما تعلمت بإخلاص. ما يجعل الشخص يستبعد كراهيته لمهنة التعليم أن لها مكافأة يومية تتمثل بنجاح الطلاب، عندما نقوم بعمل امتحان لهم، نشعر بأن الذي تعبنا فيه اعطى نتيجة وهي أنهم نجحوا واستوعبوا ما تعلموه منك، فهذه مكافأة المدرس، وهي مكافأة مهمة. وفي الثانوية نراها بشكل معمم أكثر وهي نسبة نجاح الطلاب، ثم لا تتوقف هذه المكافآت للمعلم، حتى بعد أن يترك التعليم، حينما ترى أن تلاميذك تولوا مناصب عليا، فيشعر بأنه أسهم بشكل أو بآخر بإنتاج هذه الكفاءة، فهذه مكافأة أيضاً.
وعلاقة المعلم مع تلميذه الذي أصبح وزيراً؟
اذكر حادثة أثرت علي كثيرا وبكيت.. عندما توفيت زوجتي أم السعيد يرحمها الله لم أكن أتخيل أن يأتيني طلاب لم أرهم من أربعين عاماً، فكنت أعتبر هذه أيضاً استمراراً لتدفق المكافآت. وفاء التلميذ لأستاذه شهادة بشكل غير مباشر. أتذكر شخصاً اتصل بي اسمه كاظم نصراوي، وقد درّسته في السلط، هاتفني من كندا لتعزيتي بزوجتي يرحمها الله، ألا يبكيني هذا الوفاء؟! المدرس حتى لو كره مهنته ولكنه يكافأ.
من معلم الى...؟
من معلم الى دائرة المخابرات عام 1966 لكنني بقيت أقرأ. عندما دخلت السياسة، الناس والعالم في الخارج كانوا يعتقدون أن تخصصي في العلوم السياسية، لكن هذا غير صحيح فأنا تخصصي آداب ومعلم مدرسة لكني استفدت من الحياة العملية واستوعبت الحياة بشكل أفضل وجعلتني أقرأ أموراً كثيرة ومواد متنوعة عميقة وهذا كله أفادني. فانتقلت من المرحلة التعليمية إلى المرحلة السياسية.  
تقيمك للماضي التعليمي؟
لا أستطيع أن أقوم بهذا التقييم، لأنني تحدثت عن تاريخ وعن ماض، لكن القارئ الذي يعيش هذه الفترة هو الذي يستطيع أن يقارن ما سمعه مني مع حاله الآن.وما استطيع قوله ان الناس كانوا يتوجهون إلى التعليم لذاته. اليوم يتوجه إليه البعض لذاته والبعض الآخر لأخذ الشهادة لكي يحصل على عمل، لأن المتغير الأساسي الذي حدث في هذه الحقبة من التاريخ في العالم ومنها العالم العربي أن مطالب الإنسان تحولت من حاجات إلى ضرورات بسبب الثورة التكنولوجية العالمية وما أفرزته من أدوات تطبيقية للتكنولوجيا سهلت حياة الإنسان. توفر المال عند الناس بسبب دول النفط والفائض النفطي على المنطقة ككل فتحت عيون الناس على ضرورة الحصول على هذه الأمور التي تسهل حياتها من ثلاجة إلى غسالة إلى سيارة ثم إلى إجازة خارجية لكن في المقابل تقلص الاهتمام بالشأن العام وانحصر لصالح الاهتمام بالوضع الخاص، وهذه أهم نقلة سيكولوجية حصلت في العالم العربي بتقديري وهي تؤثر الآن على الواقع السياسي ككل.