مذكرات خليل سليم سماوي ( 1901 - 1935 م )

مذكرات خليل سليم سماوي ( 1901 - 1935 م )

تاريخ النشر : الأحد 12:00 13-11-2011
خليل سالم سماوي
خليل سالم سماوي

العودة من الزرقاء :
 بعد الزيارة القصيرة التي قام بها خليل سماوي للزرقاء ، والتي سجل فيها حالة انشغال الأهالي  ومديرية الزراعة و الجنود بمكافحة الجراد  ،  ووصف بساتين الزرقاء وصفا يبعث على الاعجاب  عاد إلى عمان ،  لكنه وجد نفسه أمام ضائقة مالية ونفسية ، مما أبعده عن الكتابة بمذكراته اليومية لمدة عشرة أيام ، وهي مسألة لم يعتدها ، وكان عليه  تأمين رخصة لمحل سليمان بالزرقاء ، فراجع الحاكم الإداري الذي أطلعه على رفض  إعطاء الرخصة ، ولما استفسر منه عن سبب الرفض قال له :
- لا أعلم هذا جرى بغيابي وبدون علمي ..!
أثار هذا الرد خليل ، وطلب الأوراق من الحاكم الإداري ليراجع رئاسة النظار، وكان رد الحاكم الإداري :
-  خذ رقم الأوراق وراجع ما شئت ..!
وهذه الجزئية من المذكرات تبين  أسلوب العمل الإداري  بعد مرور ستة أعوام على نشوء الإمارة ، ويبدو أن ما حدث أربك خليل ، إذ إنه عاد إلى مكتبه وجلس يحاول الكتابة إلى رئيس مجلس النظار ( أي مجلس الوزراء ) لكنه كان يمزق ما يكتب ، ليحاول الكتابة إلى الحاكم الإداري ويمزق ما كتبه أيضا ، وكانت النتيجة أنه اتخذ قرارا بتوكيل محام ، يقول  : ( ومع أن بالمدينة أكثر من عشرة محامين ، إلا أنني لم أستطع أن أستدل على مكتب أحدهم ، وهي ملحوظة على جانب كبير من الأهمية ،  وهي صحيحة لأن  جريدة الشرق العربي وهي الجريدة الرسمية للإمارة كانت تنشر أسماء المحامين الذين يمنحون رخصا لمزاولة المهنة وهم يوازون هذا العدد ، ويبدو أن فشل خليل بالوصول إلى  حل لهذه المسألة ، جعله يفكر بالذهاب إلى الفحيص ، فذهب يبحث عن  السيارة المسافرة للفحيص ، لكنه لم يجد آنذاك سيارة توصله ، فلجأ لاستئجار جواد ، وهذه أيضا معلومة لها أهميتها لدينا ، فقد كان تأجير الخيل من الوسائل المستخدمة للسفر ، ويشير خليل سماوي إلى أنه طارد بالجواد  وأعمل المهماز ، حتى أن الجواد ظل يعدو طوال الطريق بكل قوته حتى سبح جسمه بالعرق ،  وكاد يسقط إعياء حسبما لاحظ الفارس الغاضب ، الذي وصل البيت في الفحيص وهو في أشد حالات الإعياء  ،  وقد قابله أطفال شقيقه وتراكضوا يقبلونه ، وما ان أشبع ضمأه  وشرب ، حتى ذهب إلى المعمل ووجد والده وشقيقه ، فاستأجروا سيارة إلى عمان  لحل المسائل المالية ، وهذه التفاصيل التي نورها تبين نمط التنقل بين القرى و العاصمة ، وتعطينا تصورا مقبولا  من خلال  متابعتنا لحركة خليل بين الفحيص  و عمان و السلط .

أجور الدكاكين  في عمان :
 حاول الوالد وأبنائه حل المسائل المالية المعلقة ، ومنها الكمبيالات والبنوك  وأجور المحلات التجارية ، وقد سجل صاحب المذكرات أنهم اتفقوا مع أحد أصحاب المحلات أن يؤجرهم محله بثمانين جنيه لسنتين  ، منهم 20 دفع و20 لشهر ثلاثة و40  لسنة ، هكذا سجل خليل سماوي شروط الاستئجار ، وهذا يعطينا تصورا واضحا لمقدار إيجار المحلات التجارية في العاصمة عمان عام 1927 م ولشروط الدفع . ويبدو أن نشاط خليل في ذلك اليوم كان كبيرا ، فقد عاد إلى السلط لمراجعة مأمور المكوس وبعد أن أتم عمله ، ذهب لزيارة خطيبته في السلط  ، وما يهمنا في هذه التفاصيل ما ورد من معلومات للمواصلات وأساليبها ليلا ونهارا .

اللقاء مع الجني والمارد :
يقول خليل سماوي أنه بعد أن تناول طعام العشاء  في بيت خطيبته  رفض عرضهم عليه بالمبيت عندهم في السلط بحجة أن عليه أعمالا مبكرة ، ورفض عرض المبيت عند أحد الحضور معه في بيت خطيبته ، وسار ليلا على الأقدام متوجها من السلط إلى الفحيص ..! ولنا أن نتصور كيف يسير   هذا الشاب وحيدا في العتمة  سيرا على قدميه قاطعا هذه المناطق الجبلية  ،  وسأنقل ما كتبه المسافر ليلا من مذكراته : (  استلمت الطريق المؤدي إلى الفحيص ، وكنت أسير حينا بظلام دامس وأحيانا أستنير بنور القمر المشرق  على رؤوس تلك الجبال ، وما أن وصلت لوادي الأزرق حتى شعرت بالجوع يمزق أمعائي فضلا عن التعب الذي أنهك قواي و النعاس الذي لعب  بأجفاني ،  ... فبقيت سائرا أتخبط بتلك الأوعار و الوديان  حتى بلغت طرف القرية ، وكنت على آخر رمق من الجوع ، فملت إلى السوق لعلي ألاقي دكانا مفتوحا أو غيره ، فأشتري شيئا أسد به رمقي ، لكن ساء فألي ،  فبتلك الساعة من الليل لا يوجد أي محل مفتوح بالمدن فكيف الحال بالقرى ، لكنني تحاملت على ضعفي وأجهدت نفسي بالمشي حتى وصلت البساتين ، فعرجت على أحدها  وهو الواقع تحت عين الراهب ، وتلمست بذلك الظلام ما وجدته من عناقيد العنب الحامضة وانطرحت تحت إحدى الأشجار ألهم ذلك بشراهة كلية ، وما كدت  أستريح حتى طرق مسامعي صوتا تقشعر له الأبدان رعبا ، كأنه صوت جني أو مارد مما يأتي بالحكايات ، وتكرر ذلك الصوت المزعج مرارا عديدة وكان على مقربة مني حتي كدت أشعر به تحت أقدامي ، لكني لم أفتكر به لإنهماكي بطعامي ، وبقيت أنتظر ظهور صاحب الصوت المجهول المخيف لكي أهزأ به كما يهزأ  من كثيرين من  ضعاف القلوب ، والحقيقة أنه يرمي الرعب في قلب أعظم شجاع ..! ولولا قربي من البلدة و العالم لخفت منه ..! لكني انتهيت من تناول طعامي الذي لم يسد شيئا من جوعى بل زاد شهيتي للطعام ، هذا وهو لا يظهر ولا ينقطع عن الصياح ، فتركته وتقدمت إلى عين الماء وشربت ، وواصلت سيري حتى وصلت بيتنا في الكروم ، وهناك لقيت العائلة جميعها نائمة متلذذين بأحلامهم بفضل الهواء الطلق النقي ، .. ولم يشعر احد من العائلة بحضورخليل ، ومن شدة تعبه تمدد بهدوء بجانب فراش شقيقته التي نهضت تتثاءب وتفرك عينيها ، فأفاق والده ووالدته وأحضروا له الخبز و اللبن ، وغرق بلعدها بنوم عميق ..!
 هذه القطعة من المذكرات تحمل الكثير من الدلالات ، فقد كان الناس آنذاك لا يجدون صعوبة في السير على الأقدام ليلا أو نهارا ، وكانت الطرق معروفة رغم العتمة ، فخليل قال بأنه ( استلم طريق الفحيص ) لأنها طريق معروفة المعالم ،  ولم يصادف أحدا في طريقه ، لكنه استنار بنور القمر الذي كان ينشر الضوء على الجبال المحيطة بالطريق ،  لكنا نتوقف عند الموقف المرعب الذي تعرض له والذي لم يتبين له مصدر صاحبه في الكرم ، وخليل وصف الصوت بأنه مثل صوت جني أو مارد ممن يرد لهم ذكر في الحكايات ، وهو ابن الطبيعة ويعرف أصوات الحيوانات التي يمكن لها أن تعيش في الكروم ، فلطالما أقام في هذه الكروم مع عائلته ، كان بالتأكيد يعرف كل الكائنات التي تجاورهم وتعايشهم في رحيلهم الموسمي واقامتهم بكرومهم ، لم يميز الصوت الذي ظل يرعبه وهو تحت الشجرة في البستان الواقع تحت عين الراهب ، فهل كان حيوانا مفترسا ..؟  وهل خطر ببال الشاب أن  صاحب الصوت قد يكون ذئبا أو ضبعا ..؟  لكنه يعرف بالتأكيد أصوات هذه الحيوانات التي يعرفها الفلاح في الليالي ويتبرع الرجال لمطاردتها وحماية أهالي القرى من أذاها .. لا شك بأن قراءات خليل في الروايات والحكايات حسب تعبيره صورت له الصوت بأنه صوت جني أو مارد .. كان وحيدا في العتمة ، وكانت الأصوات في الفضاء الرحب تتردد  مضاعفة  ومتكررة  ، كان يحاول أن يتناساها لئلا يحس  بالرعب ،  وانتهى الأمر به في بيت العائلة بالكروم وبإشباع جوعه بتناول الخبز الشهي و اللبن .. ولنا أن نتصور مقدار جوع الشاب الذي سار كيلومترات وكيلومترات بين الجبال  ، ولنا أن نتصور  نمط حياة الشباب في تلك الفترة التي لم يكن لواحد منهم مهما بلغ من الثراء سيارة خاصة .. كانوا يستخدمون أقدامهم ويدربونها على السير ساعات وساعات ، ونسأل أنفسنا كيف تحولنا  اليوم إلى الرفاهية المفرطة التي تسرق قوانا وتخدرها وتحولنا إلى أصحاب سيارات تتنافس في السرعة وفي اقتناء أثمن منتجات العالم من السيارات ..! ولكننا بالمقابل كسبنا الوقت .. وفرنا الوقت الذي كان ينفقه الأجداد في السير الطويل على أقدامهم ، وبتنا نصل بعشر دقائق إلى المكان الذي يصله الأجداد في ثلاث ساعات .. فهل استثمرنا الساعات التي وفرناها ..؟ لن أجيب .. لن أجيب ..! ولكني أقول بأن خليل سماوي سار من السلط إلى الفحيص ثلاث ساعات ليلا على قدميه ،  وكتب في مذكراته نتائج هذه المغامرة  يقول : تعشيت بعمان وسهرت بالسلط ونمت بالفحيص ..!  واعترف لنفسه بأن سبب هذا المجهود العظيم هو من أجل القاء نظرة واحدة على وجه حبيبته ..!  ويمكن لعشلق اليوم من الشباب أن يضحكوا بصوت عال وهم يحملون الخلويات التي تصلهم بمن يحبون تحت أي زمان ومكان ، ويمكنهم أن يغرقوا في تشات طويل طويل مع من يعشقون ، ويمكنهم ان يتبادلوا الرسائل القصيرة  والرسائل الإلكترونية ، ويمكن للسيارات المكيفة والمزودة بالأقراص المضغوطة والشبابيك الكهربائية ن تقودهم حيتما شاءوا في زمن قياسي .. مجرد تداعيات ترد على الخاطر  ونحن نقرأ عن رحلة خليل سماوي عام 1927م ليلا من السلط إلى الفحيص سيرا على الأقدام لرؤية وجه حبيبته .. يا ألله كم تغيرنا .. يا ألله ..!

الزلزال .. الزلزال :
 كان ذلك في تمام الساعة الثالثة من بعد ظهر 11 تموز عام 1927 م ،  وكان خليل سماوي ينام متعباا بأثر رحلته على الأقدام ، عندما نبهه والده  إلى أن الأرض تتحرك تحت قدميه ، فأخبره خليل بأنها زلزلة .. ويبدو بأن الناس لم يتأثروا بالفحيص بقوة الزلزال ، وشعروا فقط بحركة الأرض ،  يقول خليل سماوي : ( بعد مضي ساعة تواصلت الأخبار كأنها حملت بالأثير في السلط وعمان تقول هدمت السلط وعمان ..! ولم يسلم من أهاليها إلا من كتب له الله السلامة ، فلم نصدق هذه الأخبار أولا ، حيث بالفحيص لم يجر شيئا مطلقا ، لكن بعد ساعة تأكدت الأخبار تنبئ بهول النازلة التي حلت بالعباد ..)
لا راديو ولا صحافة ولا انترنت ولا خلويات .. لا شيء يطمئن الناس ويهدئ روعهم ، ويبدو أن الإشاعات كانت متتابعة وأن الناس أصيبت بالهلع  ، ومنهم خليل الذي خاف على خطيبته وعائلتها ، فقرر أن يذهب ليلا للإطئنان عليهم ، فمنعه والده من ذلك ،  فانتظر حتى الصباح يقول : ركبت إلى عمان مسرعا فلقيت بها عيسى قعوار الذي طمأنني بسلامة العائلة كلها ، وقد توسع خليل في مذكراته بالحديث عن الزلزال ، وسنورده كما كتبه نظرا لأهمية المعلومات  التي سجلها في 11 تموز 1927 م : ( في نهار الإثنين الواقع في 11 تموز 1927 م نحو الساعة الثالثة بعد الظهر حدثت زلزلة وهزة عنيفة رجت الأرض رجا عظيما ، فتساقطت المباني وتهدمت وتشعث ما بقي سالما منها ، وهي حادثة لم يذكر التاريخ أفظع منها ولا أهول وأروع  منها إلى القلوب ، دامت بضع ثوان وقد طارت البرقيات و التلفونات لعموم البلاد ، وعادت بعد ساعة تخبر بالمصاب الذي حل بالعباد لأنها نكبة كانت عامة لجميع البلاد العربية أخص منها بالذكر فلسطين وشرقي الأردن ،  ومنها الأعظم خسارة نابلس و السلط ، ففي نابلس هدمت البيوت على سكانها وخرب أكثر من نصفها ،  ومن سلم من أهلها فبقوا بدون مأوى  ، أما ضحايا الزلزال فلا يحصى عددهم ممن قتلوا او جرحوا ، والسلط كذلك  فهدمت أغلب بيوتها ودمرت ، أما الأهالي فلم يحصل لهم ضرر كثير  
أما بعمان فهدمت أغلب البيوت وتصدعت وهدمت دوائر الحكومة ، وقد ذهب أناس كثيرون ضحية هذا الزلزال من قتلى ومجاريح ، وبقية قرى شرقي الأردن تكبدت خسائر لا تحصى بالبيوت و النفوس ، أما الفحيص فلم يجري بها شيئا غير هدم بيت أو بيتين كانت متداعية  ، أما نكبة عمان فعمت وامتلأت المستشفيات بالمجاريح وكانت حالة سيئة جدا ، وقد قطعت مأذنة الجامع من نصفها وفرت الأهالي من البيوت خوفا على نفوسها  إلى البرو البساتين ، وطلعت النساء المخدرات  من بيوتها ، وحين علمت الحكومة اهتمت بتوزيع خيام عليهم بقدر استطاعتها ، وكانت العالم متخوفة  تهلع قلوبها خوفا ورهبة من حدوث هزة ثانية ، وفعلا حدثت بعد أربع وعشرون ساعة من حدوث الأولى هزة خفيفة ، ولهذا أصدرت دوائر الحكومة بالصوم و الصلاة ثلاثة أيام  وتسكير الحانات و الملاهي والملاعب ثلاثة أيام ونادى المنادي  بشوارع عمان بذلك ، لأن الحكومة و الأهالي غشيتهم رهبة عظيمة  وخشوا من غضب الرب ، وكانت العالم بحالة سيئة تتوقع الخوف بكل دقيقة ،  وهوذا أنا أكتب الآن في 13 تموز  وهو اليوم الأول من صدور الأوامر بالصوم و الصلاة وإغلاق المحلات  ، لأن هذه النكبة العظيمة لم يحدث أن ذكرها أحد من أبناء الجيل الحاضر مطلقا ولا من غيره ، وأكثر الأضرار حدثت بفلسطين وشرقي الأردن ،  أما سوريا وتوابعها فضررها أخف .... وبعد أن تناولنا أنا وشقيقي سليمان طعام الغذاء ذهبنا إلى البساتين على رأس ماء عمان لأن الأسواق جميعها أغلقت والأهالي هربت خوفا من حدوث زلزلة ثانية .  وقد فوجئ خليل برؤية خطيبته كاملة مع الناس في البساتين حيث أخبرته بأن الليوان والغرف تصدعت في منزلهم ، وبأنها ستذهب مع شقيقتها وخطيبها وهو ابن عمها إلى قرية سالم ، وعندما حضرت السيارة وركبت بها خطيبته أصيب خليل بصدمة كبيرة لأن خطيبته سافرت مع شقيقتها وخطيبها دون ان تستأذنه ..!وقد شغلته هذه الحالة في مذكراته عن متابعة أحوال الزلزلة .. إنه زلزاله الشخصي الذي سيطر عليه في مذكراته .

الزلزلة الثانية
 يوم الأحد 17 تموز 1927 م :
تابع خليل سماوي  حدوث الزلزلة الثانية يوم الأحد 17 تموز وكتب يقول : ( نحن اليوم في يوم الأحد 17 تموز وهو اليوم السابع من حدوث الزلزال الأولي العظيم ، فنحو الساعة العاشرة حدث ارتجاج عظيم هلعت له قلوب العالم خوفا وطارت نفوسها ، كنت ذاهب لعند أحد زبائني ، فلما وصلت محله ارتج وتمايل واصطدم الزجاج ببعضه ، فهربنا خوفا من سقوط البناء علينا ، وخرجت النساء سافرات والأطفال والشيوخ وجميعهم يصرخون ويلطمون خوفا وفزعا ، ودوائر الحكومة تعطلت وهرب الموظفون ، ولم يحصل ضرر يذكر بهذه المرة ، لكن هذه الحادثة تركت  أثرا سيئا في النفوس ، لأن العالم لم تنس الحادثة الأولى بعد ، وقد طارت النفوس  خشية أن يكون غضب الله حل بالأرض وسكانها وهذا الحادث مقدمة لشرور كثيرة ، لذلك هربت العالم إلى البر و الجبال والقرى المجاورة فرارا من تلك الويلات . كانت حالة تفتت الأكباد لأن النساء المخدرات خرجن من بيوتهن إلى البساتين والعالم بهياج وخوف عظيم  ، وقد راجت اشاعات عظيمة وتداولتها الألسن بأنه يوجد براكين في شرقي الأردن جهات زرقاء ماعين والحمة وبحرة لوط ستنفجر انفجارا هائلا ، فتطيرت العالم من أخبار هؤلاء الدجالين الذين يتنبأون بأن الخطر عظيم وداهم بشرقي الأردن وأشد الأيام خطرا وهولا منذ حدوث الزلزال الأولي لغاية شهر تموز ، فهذه الأيام هي أعظم الأيام خطرا ، اما الزلزال فيبقى تأثير خطره وسيعاود البلاد ويهاجمها مهاجمة عنيفة مدة عام كامل أي منذ 11 تموز  1927 وحتى 11 تموز 1928 م ولهذا كانت العالم بحالة رعب وخوف ملك عليها مشاعرها وربنا يلطف بحال العباد ..!
هذا ما ختم به خليل سماوي مذكراته لأحداث الزلزال عام 1927 م ، وتبدو معلوماته لحال الناس في عمان وهجرهم لبيوتهم وتوجههم للبساتين صحيحة تماما ، كما انه رصد دور الاشاعات في تهويل حال الناس وبث الرعب و الخوف بينهم  ، ومن حسن الحظ انه تابع تفاصيل الأيام التالية للزلزال الثاني في عمان وكتب يوم 18 تموز يقول : (  العلم اليوم هائجة حائرة ثائرة مضطربة نفوسها لا تعلم كيف تعمل ولا أين تذهب ، يملك مشاعرها الخوف ويهدم قواها الرعب ، لأن حادث الأمس ترك أثرا سيئا بالنفوس ، هيهات أن يزول في القريب العاجل ، طوال النهار  تشاهد العالم جماعات جماعات يتشاورون ويرسمون خططا ويعدون طرقات .
الغوغاء هادئة والحركة ساكنة وهذه المدينة العامرة الزاهية بالأمس يخيم فيها سكون اليوم أشبه بسكون الموت ، لأن الخوف تملك الأهالي حتى كاد يصيبهم بالجنون ، ويا له من جنون فطيع آخرته الموت ، لم يبق بعمان أحد ، فالعائلات جميعها بالبساتين و الخيام والجبال ، و السيارات طوال النهار بحركة دائمة مستمرة تأخذ عائلات من عمان للخارج وللقرى ، لهفي على السلط فأصبحت خراب متهدمة ، الخوف متمكن من النفوس أكثر من باقي الأيام ، فلا يتكلم العالم إلا بالموت لأنهم يهجسون بأمره ، ويتوقعون حلوله بكل دقيقة بكل لحظة كما يتوقعون عودة الزلزال ليخسف بهم الأرض ، ويهدم ما بقي سالما من دورهم ، المحلات أغلبها وأهمها مغلقة ولم يفتح محله إلا السمانة و المطاعم وأمثالهم .. فيا لها  من حالة محزنة تذيب القلوب وتستدر المدامع ..!
لم ينم اثنان بعمان داخل الجدران مطلقا ، وقد حضر جيراني ليأخذوني معهم إلى البساتين أنام ، فتمنعت وعملوا جهدهم فلم أقبل أن أبرح محلي ، وقد قال لي أحدهم أتأسف على شبابك أن تنام داخل المحل وتذهب ضحية الزلزال ، فقلت له : وأين يهرب العبد من غضب الرب لا يجري علي غير ما قدره الله ، فإن دنا موتي لا ينفعني الحذر ولا أستطيع أهرب من قضاء الله فالتسليم له والوقوع بين أيديه أولى ..!
لذلك فالعالم طايرة عقولها ، متخلعة قلوبها من شر هذه الليلة كثيرا ، وأنا لا أعلم ما سيجري علي من الأحكام ، ومهما جرى فإني بحكم الإله قابل ، ولأمره خاضع ، فلتكن إرادته ، لذلك فرغم هذه الأهوال و المخاوف التي تخلع القلب لا أستطيع ان أكتب لخطيبتي  اليوم .

زلزال 1927 م :
 هذا الوصف الحي من داخل عمان مؤثر وصحيح رغم عبارات التأثر المضخمة التي أوردها خليل سماوي ، لكن قراءة مصادر المرحلة وتأثير الزلزلة على عمان و السلط   - رغم المبالغات اللفظية - صحيح ، ونحن نستطيع أن نرصد الأضرار وحجم الخراب  من مصادرنا ومنها الصحافة المحلية ( الشرق العربي ) ببلاغاتها وتعليمات الحكومة ، ومنها الصحافة الفلسطينية والتي  نقلت ما حدث لنابلس وأريحا و القدس وعمان و السلط وإربد ، ومنها الصحافة المصرية مثل اللطائف المصورة التي أوردت صور خراب نابلس وهدم العمران فيها ، ويلفت انتباهنا تأثير هذه الزلزلة على  نمط عمران عمان تحديدا ، فقد تم التعميم على الأهالي بضرورة استخدام الباطون  في البناء أسوة بأمريكا ، ولم يسمح لأهالي عمان بالبناء على واجهات الشوارع إلا بالحجارة ، كما أن المقررات الواردة في دفاتر بلدية عمان حسبما رصدناها في إحدى الدراسات ، تورد مقررات للمجلس البلدي يسمح فيه ببناء جديد أو ترميم البناء  القائم المتضرر بسبب الزلزال ، وقد أصدر مهندس البلديات في عمان تعليماته من أجل أبنية سليمة مستقبلا أمام الخوف من عودة الزلزلة .
يبدو لنا خليل سماوي رجلا مؤمنا بالقضاء و القدر ، ومع هذا المبرر الذي أورده للجار ليعتذر عن عدم مرافقته مع أسرته إلى البساتين، فإننا نخمن أن خليلا رجل خجول وهذا الأمر جعله يلتزم محله مؤكدا للناس أنه يصدع لأمر القدر ، وبأن المقدر على الجبين لازم تشوفه العين .. !
وختاما فإن هذه القراءة للمذكرات أكدت لنا أهميتها لدراسة التاريخ الاجتماعي للبلاد في مطلع عهد الإمارة ، وإن كانت الحلقات شارفت على الإنتهاء ، إلا أننا نخطط لنشرها في كتاب يصدر عن صحيفة الرأي التي تبنت نشر هذه الحلقات متسلسلة ، لنضعه بين أيدي المهتمين بالتاريخ الاجتماعي ، وقد تاكد لي مصداقية معلومات صاحبها .. فهل توقف خطر الزلزال في عمان بعد تموز 1927 م ...؟  نأمل ذلك من أعماق قلوبنا .. نأمل ذلك .



 نحن والمذكرات
تستوقفنا ظاهرة طيبة لدى أجدادنا في مطلع القرن العشرين، فقد كانوا يسجلون يوميات مشترياتهم وما يدخلهم من عوائد بيع المحاصيل والمواشي على أوراق أو في دفاتر مدرسية أو مفكرات، بعضها بخط قلم ( الكوبيا ) وبعضها الآخر بالريشة، نعم بالريشة إياها التي يغطونها بالحبر الأسود وأحيانا بالأحمر، وهي عادة طيبة نفتقدها نحن اليوم في عالم الانترنت والمولات والمؤسسات التجارية الضخمة، لأننا لا نجد وقتا لتسجيل مصروفاتنا التي ترهقنا فلا نتذكرها عمدا، فهل يعود إهمالنا تدوين المصروفات إلى توافر المال بين أيدينا أم انه لضيق وقتنا أم ماذا..؟.
لدي الآن مجموعة من أوراق الأجداد الذين وثقوا يومياتهم ببساطة، لم يقصدوا أن يكتبوا تاريخا، ولم يخطر ببال أحدهم أن تصبح قائمة مشترياته البسيطة جزءا من قراءة دقيقة للحياة الاقتصادية والاجتماعية آنذاك، فالعملة قليلة بين أيدي الناس، ورواتب الأجداد قبل عهد الإمارة كانت بالقروش، ومهور الجدات كانت أيضا بالقروش، إلا الجدات المحظوظات اللواتي قبضن مهورهن بالليرة العصمللي أو الليرة الإنجليزية أو الفرنساوية وأحيانا بالنمساويات الذهب.. ! وكانت القروش تعيل أسرة، لذا كان رب الأسرة يحرص على تسجيل مصروفاته ومشترياته لحصر ميزانيته البسيطة، أما أصحاب المصالح التجارية من مالكي المواشي والمحاصيل الزراعية والعقارات، فقد حرصوا على تسجيل كل صغيرة وكبيرة، وقدموا لنا دون أن يقصدوا، صورة دقيقة لأسعار المواشي ومراعيها وأسعار الحبوب وأسواق البيع والشراء، وأسماء التجار ومواطنهم التي قدموا منها، وأصبحت الأوراق اليومية العادية وثائق ممتازة مع أنها ليست محفوظة في دور الأرشيف أو مركز الوثائق والمخطوطات.. إنها وثائق تحمل صورة الحياة اليومية للناس في الوطن بلا رتوش.. !
ولكن، هل سجل الناس في الوطن مذكراتهم اليومية.. ؟ ومن هم الذين اعتنوا بتسجيل هذه اليوميات.. ؟ وهل يوجد لدى جيل العشرينيات من القرن الماضي دوافع لتسجيل أحداث المرحلة وتدوين اليوميات فيها.. ؟



أيها الأعزاء تمثل هذه الأوراق المشروع الكبير الذي بدأته ذات يوم في صحيفة الرأي بزاوية أسميتها ( ذاكرة الوطن ) وذلك في أيار عام 1999 م، وقد استمرت هذه الزاوية حتى أواخر عام 2000 م، وارتبط بي اسم هذه الزاوية، ثم انتقلت لاستكمال هذا المشروع الوطني بزاوية موازية أسميتها ( أوراق الأجداد ) ونشرت منها حلقات في الرأي أيضا، لكنها توقفت.. وها أنا أعاود فتح أوراق الأجداد الذين دونوا تاريخ هذا الوطن الصغير بحجم بعض الورد والذي نراه كلنا يطاول العالم الآن . هذا إذن بعض ما كتبه الأجداد، إنهم يستحقون أن نعيد نبض قلوبهم وتجليات عقولهم ومشاعرهم الطيبة بطيبة هذا الوطن . سأقلب معكم أوراق الأجداد والسعادة تغمرني، سأستعيد معكم ومن أجلكم أوراق أجدادنا ونبضات قلوبهم الطيبة بطيبة تراب الوطن.

د. هند ابو الشعر
[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }