عبداللـه حجازي
تبين لنا كيف ان صيغة «ارحم الراحمين» وردت على هذه الحال, اربع مرات في سور الاعراف ويوسف ومن ثم الانبياء, وقلنا الاسبوع الماضي كيف جاءت هذه الصيغة في الاعراف 151, اثر ما كان من سيدنا موسى عليه السلام وما فعله مع هارون أخيه, وكيف انه انتهى الى طلب المغفرة, مما يؤشر على انه ربما يكون ادرك ما وقع منه على أنه «ذنب» يتطلب المغفرة, فجاء النص «قال رب اغفرلي» واشار وهو يطلب هذه المغفرة بأنه انما يطلبها من «ارحم الراحمين» وكذا جاءت «ارحم الراحمين» في آية يوسف 64, على لسان أبيه, وهو يبدي مخاوفه على أخيه, الذي اصر اخوانه على اصطحابه الى مصر تلبية لطلب عزيزها «يوسف» الذي لم يكن الاخوة يدركون أنه كذلك, فاستجار يعقوب عليه السلام, وهو يذعن لطلب ابنائه بالله الذي قال أنه «خير حافظاً» ذلك لانه «ارحم الراحمين».
وكان الهدف هنا في هاتين الايتين كما هو في الباقيتين, تبيان امتدادات «الرحمة» التي جاءت في الايات الاربع على صيغة جديدة, تجاوزت حالات عديدة, وجدناها في «الرحمة» كما يطرحها النص القرآني, كل ذلك في اطار الاتساع الذي شاء الله تعالى ان تكون عليه رحمته «رحمتي وسعت كل شيء» وبدا واضحاً عبر الصيغ الاربع التي جاءت عليها «ارحم الراحمين» حصراً, انها انما نقلت على انبياء ورسل, بدءاً بموسى عليه السلام ثم يعقوب ومن بعده ابنه يوسف الى ان انتهت عند ايوب الذي قالها في معرض حديثه عما كان يعانيه, واحتمله صابراً محتسباً عند الله الذي جاء النص لتوصيفه بأنه «ارحم الراحمين».
فيوسف عليه السلام وقد كشف لاخوته امره وذكرهم بما فعلوه به وحين رأى ما صاروا عليه حين كشف مؤامرتهم عليه خفف عنه هول الصدمة فخاطبهم بقول الله تعالى:
«لا تثريب عليكم اليوم يغفر لكم وهو ارحم الراحمين» يوسف 92.
فهو بداية نقل اليهم موقف المسامحة والتجاوز عن ما ارتكبوه بحقه «لا تثريب عليكم», ثم نقل اليهم بشرى مغفرة الله تعالى لما ارتكبوه من ذنب كبير بحقه «اليوم يغفر الله لكم» كل هذا لأنه سبحانه وتعالى «ارحم الراحمين» اما ايوب عليه السلام والذي لم تعرف البشرية صبراً يجاري صبره على ما اصابه من بلاء فإنه حين قصد مناجاة ربه, داعياً ان ينظر الى حاله وما صار عليه, سائلا الله تعالى ان ينقذه مما هو فيه, جاء بالخطاب الذي توجه بالمناداة يرفعها الى الله تعالى «ربه» مستغيثاً مما احاط به من مساس الضر الذي استقطب حراك حياته كلها, وبمكوناتها كاملة, حتى انه لم يكن هناك من هذه المكونات ما كان على حال لا يستدعي الصبر عليه, فجاء نداؤه:
«وايوب اذ نادى ربه اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين» الانبياء 83.
ان الصيغة التي جاء عليها النداء هنا, بقيت تتضمن الدعاء ولعل هذه الصيغة من الصيغ القليلة التي قد لا نجدها كثيراً, ذلك ان ايوب الذي كان يرى في دعائه الى الله أن يخفف عنه ما اصابه, احتجاجاً على قضاء الله اراد ان يدعو لكن على غير صيغة الدعاء التي عهدناه فجاء دعاؤه انطلاقاً من تقرير الحال ثم بيان عظمة المآل «ارحم الراحمين» والله اعلم.