عيد جويعد
رئيس النيابة العامة الإدارية - سابقا
قاضي محكمتي التمييز والعدل العليا - سابقا
ثانيا: شروط نشوء الحق في الاحتباس
على ضوء ما أسلفنا يتبين لنا أن لحق الاحتباس أربعة شروط لا بد من توافرها حتى يمكن تطبيق القاعدة العامة في الاحتباس وهذه الشروط تتلخص فيما يلي:
1- نص في القانون يُنشِئهُ سواء كان صريحا أو ضمنيا، ومثال النص الصريح (المواد 249، 388، 851) ومثال النص الضمني نص المادة 681 من القانون المدني التي تقول:
«1- يلزم المؤجر بإصلاح ما يحدث من خلل في المأجور يؤثر في استيفاء المنفعة المقصودة. فإن لم يفعل جاز للمستأجر فسخ العقد أو الحصول على إذن من المحكمة يخوله الإصلاح والرجوع على المؤجر بما انفق بالقدر المتعارف عليه».
والمفهوم من هذا النص أنه إذا امتنع المؤجر عن دفع المصروفات التي انفقها المستأجر جاز لهذا الأخير أن يحتبس المأجور ويمتنع عن رده حتى يستوفي ما أنفق بالإضافة إلى حقه ? إذا شاء ? أن يلجأ إلى المقاصة القانونية (والتي تعتبر كما اسلفنا تطبيقا كاملا لحق الاحتباس) وذلك بين ما يستحق من مصروفات الاصلاح والأجرة المترتبة بذمته. وكذلك حق المتقايضين في حبس ما تقايض به كل منهما حتى يفي الآخر بالتزامه.
2- دين صحيح حال في ذمة المدين، فيخرج بذلك الدين المؤجل والنسيئة (التقسيط) ويشمل ذلك الدائن والمدين.
3- شيء مملوك للمدين تحت حيازة الدائن، وذلك كأن يضع شخص سيارته في مرآب لفترة معلومة لحفظها مقابل أجر معين كما هو شائع الآن.
ويرى البعض أنه يمكن دمج الشرطين الأخيرين في شرط واحد هو (دينان متقابلان مستحقا الوفا كلاهما).
وبمعنى آخر يجب أن يكون هناك دينان متقابلان مستحقّا الأداء. وبالتالي فلا يكفي في نشوء الحق في الاحتباس مجرد الدائنية بل يشترط أن يكون حق كل دائن مستحق الأداء. أما إذا كان دين احدهما أو كليهما مؤجلا أو معلقا على شرط فإنه لا يخوله الحق في الاحتباس. وكذلك إذا كان القانون أو الاتفاق يلزم أحد الدائنين بأن يكون هو البادئ في تنفيذ التزامه فلا مجال لاستعمال حق الاحتباس وإذا كانت المادة (387) السابق ذكرها قد أغفلت هذا الشرط (أي شرط أن يكون الدينان حالين ومستحقي الأداء) فإن لزومه مستفاد من طبيعة الحق في الاحتباس وتصوره لدى المشرع ومن القواعد العامة المستنبطة من النصوص الصريحة والضمنية المتفرقة التي طبقت قاعدة الحق في الاحتباس في أحوال معينة كالحالة التي أشرنا إليها في المادة 851/2 من القانون التي أجازت للوكيل الذي دفع ثمن ما وكل بشرائه من ماله الخاص أن يحبس ما اشتراه عن الموكل حتى يستوفي الثمن الذي دفعه وذلك بقولها:
«وله ? أي للوكيل ? أن يحبس ما اشتراه إلى أن يقبض الثمن».
4- أما الشرط الرابع في نشوء حق الاحتباس فهو أن يكون بين الدينين ارتباط وأن يكون سبب نشوء أحد الدينين مرتبطا بالدين الآخر. وإذا كان المشرع الأردني لم يذكر الحالات التي يكون فيها الارتباط قائما بين الدينين فإن هذا الأرتباط لا يقتصر على أحوال العقود الملزمة للجانبين، وإنما يشمل هذا الارتباط كل حاله يكون فيها دينان متقابلان بشرط أن يوجد بينهما ارتباط؛ ولأن المشرع لم يعين نوع هذا الارتباط فقد اتسعت عبارته لكل نوع من الارتباط بين الدينين سواء كان هذا الارتباط قانونيا أو ماديا.
- والارتباط القانوني يتجلى في أقوى صوره في الالتزامات الأساسية المتبادلة التي تنشأ من العقود الملزمة للجانبين كالتزام البائع بنقل ملكية المبيع والتزام المشتري بدفع الثمن إذ يكون التزام كل من الطرفين سببا في التزام الطرف الآخر وتكون العلاقة بين الالتزامين لا مجرد ارتباط بل تبلغ حد التساند.
وقد تقوم العلاقة التعاقدية على عقد ملزم لجانب واحد، وعلى غير عقد أصلا، كعقد الوديعة مثلا فهو ملزم للمودع لديه (الوديع) بأن يرد الوديعة للمودع ولكن إذا أنفق الوديع (المودع لديه) شيئا من ماله استلزمه الحرص والمحافظة على الوديعة كأن يضطر إلى شراء أو استئجار صندوق حديدي لحفظ مجوهرات ثمينة تقدر بآلاف الدنانير أودعها الغير لديه وذلك خشية ضياع او فقدان أو سرقة هذه المجوهرات فإن من حقه حبس الوديعة حتى يستوفي دينه الذي تكبده في سبيل حفظ الوديعة وبالتالي يكون هناك ارتباط بين رد الوديعة للمودع بصفته دائنا وبين استيفاء المودع لديه للمصروفات بصفته دائنا بها، وبناء على ذلك فإن من حق كل من المودع والوديع حبس ما تحت يده للآخر حتى يوفي هذا الآخر ما في ذمته للأول.
والأمثلة على وجود الارتباط بين الدينين كثيرة ومتناثرة في العديد من نصوص القانون ومن ذلك على سبيل المثال العلاقة التبادلية التي تقوم على غير عقد أصلا ? فيقوم الارتباط على أساس التبادل غير التعاقدي ? مسألة الفضالة وهي ليست بعقد فإن التزامات الفضولي والتزامات رب العمل هي التزامات متبادلة ومترابطة ويجوز لكل من الفضولي ورب العمل أن يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يقوم الطرف الآخر بتنفيذ التزامه هو ايضا.
أما إذا لم يوجد ارتباط بين الدينين فإن حق الاحتباس لا ينشأ في هذه الحالة ولا يجوز لأي من الدائنين أن يستعمل حقه في الاحتباس وذلك كأن يكون مصدر التزام أحد الدائنين عملا غير مشروع بينما يكون مصدر التزام الدائن الآخر هو عقد القرض. فإذا صدم أحد السائقين بسيارته ونتيجة خطئه وإهماله أحد الأشخاص والحق به ضررا جسمانياً وأدى إلى تعطيله عن العمل وتكبد بسبب هذا الحادث مبلغا من النقود في سبيل العلاج بالإضافة إلى ما فاته من كسب نتيجة تعطيله عن العمل وكان السائق دائنا للمصاب بمبلغ من النقود دفعه إليه على سبيل القرض ثم طالب المصاب ببدل أضراره الناجمة عن الحادث فليس للسائق حبس بدل الأضرار بحجة أنه دائن للمتضرر بمبلغ القرض وذلك لانتفاء الارتباط القانوني و/أو المادي بين الدينين كما لا يستطيع المصاب إجراء المقاصة بين دين القرض الذي بذمته وبين مبلغ التعويض لنفس السبب المشار إليه. وهكذا.
ثالثا: الآثار التي تترتب على حق الاحتباس
خصص المشرع الأردني المواد من 390-392 من القانون المدني للآثار التي تترتب على حق الاحتباس. منها الزام من احتبس الشيء لضمان تنفيذ التزام مدينه المرتبط بالشيء المحبوس أن يحافظ عليه وأن يقدم حسابا عن غلته فإذا هو قصر في ذلك ضمن لصاحب الشيء ما لحقه من ضرر (م 390).
وقرر المشرع أن للحابس أحقية في استيفاء حقه من الشيء المحبوس قبل باقي الغرماء وذلك كأن يكون هناك دائنين آخرين لمالك الشيء المحبوس ثم بيع هذا الشيء لوفاء ديون المدين فإن من حق الحابس أن يستوفي دينه من ثمن الشيء المحبوس قبل الدائنين الآخرين لأن الحابس إنما حبس هذا الشيء بسبب دين له مرتبط بالشيء المحبوس (م391).
وأشار المشرع الأردني في المادة 392/1 إلى أن الحق في الاحتباس ينقضي بخروج الشيء المحبوس من يد حائزة أو محرزة ما لم ينص القانون على غير ذلك على أن المشرع احتاط لذلك بأن صرح في الفقرة الثانية من ذات المادة أن من حق الحابس إذا خرج الشيء المحبوس من يده خفية أو بالرغم من معارضته أن يطالب باسترداده استعمالا لحق الاحتباس خلال ثلاثين يوما من الوقت الذي علم فيه بخروجه من يده وقبل انقضاء سنة من وقت خروجه.
رابعا: التكييف القانوني لحق الاحتباس
يرى البعض أن التكييف القانوني لحق الاحتباس بأنه حق عيني وهذا ما أخذ به التقنين المدني المصري القديم فقد كانت المادة 5/19 من ذلك التقنين وهي تعدد الحقوق العينية التي يمكن أن تترتب على الأموال تذكر من بينها (حق الحبس) وكانت المادة 605/731 من ذلك التقنين تعدد الحالات التي يمارس فيها هذا الحق باعتباره حقا عينيا.
ولكن بامعان النظر في المواد المتعلقة بالحبس نستبعد اعتبار حق الاحتباس حقا عينيا لأنه لا يعطي للحابس مزية التتبع الحقيقي بل أولوية عملية وتتبعا من نوع خاص، وإن كان نص المادة 391 من القانون المدني يلقي ظلالا من الشك على عدم عينية الحق في الحبس عندما اعتبرت أن من احتبس الشيء استعمالا لحقه في احتباسه كان أحق من باقي الغرماء في استيفاء حقه منه ومعلوم أن هذه الميزة إنما تعطى لاصحاب حق الامتياز كالمرتهن رهنا حيازيا وامتياز صاحب الفندق على مقتنيات النزيل.
ويتعذر اعتبار الحق في الحبس حقا شخصيا لأنه لا يخول الدائن سلطة الزام المدين بأن شيء وبالتالي فإنه يتعين القول بأن الحق في الحبس ليس حقا عينيا ولا حقا شخصيا، وإنما هو شأنه في ذلك شأن المقاصة وسيلة من وسائل الضمان يجوز للدائن اللجوء إليها أو عدم اللجوء ? مع مراعاة الاختلاف بين حق الحبس وشروطه واثره وبين المقاصة التي يفترض فيها أن يكون الدينان من جنس واحد ولا يشترط فيها وجود ارتباط بينهما على العكس من ذلك في الحق في الاحتباس إذ لا يشترط فيه اتحاد الجنس في الدينين ولكن يشترط وجود ارتباط بين الدينين.
خلاصة القول أن الحق في الاحتباس ما هو إلا دفع بعدم التنفيذ حتى يقوم كل مدين بالوفاء بدينه المرتبط به.