كتبت - اخلاص القاضي - تعلق الاطفال ببعضهم البعض من خلال الصداقات المتينة يقوي من عزائمهم ويثري تجاربهم , اذ تلعب تلك الصداقات دورا كبيرا في صقل شخصياتهم , وترسم خارطة طريق لطبيعة علاقاتهم المستقبلية المبنية - اذا ما توفرت لها البيئة المناسبة - على الوفاء والاخلاص وحب الصديق والاعتماد عليه , فيما يشكل فقدان الصديق الصدوق بالنسبة للطفل صدمة كبيرة له لن يتخطاها بسهولة ..
اذ يعيش الطفل راغب 11 عاما حالة من عدم الاستقرار النفسي الذي ادى الى تراجع في تحصليه الدراسي جراء فقدانه المفاجىء لصديقه في المدرسة وهما اللذان عاشا اياما جميلة معا منذ الصف الاول ..
ولدى غياب الصديق في يومه الاول عن المدرسة ظن الطفل راغب ان رفيقه « زكي « سيعود ربما بعد يوم او اثنين غير ان اسبوعا مضى ولم يأت الاخير ليكشف انه غادر البلد فجاة الى موطنه الاجنبي ,عندما اقدمت والدته على السفر دون سابق انذار وحتى دون اخبار المدرسة الامر الذي شكل له صدمة قادته الى الانطواء والغضب والسؤال المستمر عن « رفيق دراسته وطفولته».
يقول الطفل راغب والدمع الحر على خديه , ان « زكي « هو الوحيد الذي يضحكه و يفهم عليه و يشاطره « الشوكولاته والساندويش « وهما صديقا العراك والحفلات المدرسية و « الشيطنة « , مضيفا ان لديه اصدقاء كثر ولكن زكي هو « الاميز « الذي « اشتاق اليه كثيرا «.
ويتساءل ببراءة الطفولة : كيف يتركني بلا وداع ولماذا لم يخبرني وانا اقرب الناس اليه انه سيسافر؟!... مضيفا.. سابحث عنه عبر الشبكة العنكبوتية « والفيس بوك « الى ان اجده حتى لو سافر الى « ابعد بلد « !!.
قصة الطفل راغب تشي بان تعلق الاطفال باصحابهم لا ياتي من عبث , بل ينطلق من براءة وحب وصدق في التعامل مع المحيط , اذ تقول الاخصائية الاجتماعية رولا الطرزي ان ما حدث مع الطفل راغب لا يدخل بأي شكل من الاشكال في باب « الدلع او رفاهية الطباع « ولكنه حتما يرتبط بصعوبة « فقدان العزيز» بغض النظر عن كونه صديقا او قريبا , على ان «الفقد», بالنسبة للاطفال كما تشير هو اصعب منه على فئة الكبار وذلك لغياب قدرتهم الذاتية النسبية على طرح بدائل مباشرة مقارنة « بالكبار».
وتذهب الاخصائية الطرزي الى ان تعلق الاطفال « بالاشياء والعناصر « ممتد ايضا الى تعلقهم « بالحيوانات الاليفة والطيور « فكثيرا ما غضب اطفال على موت « عصافير» اعتادوا اطعامها وسماع صوت تغريدها الصباحي ما يولد لديهم شعورا بانهم فقدوا مبعثا لفرح الفوه .
وتروي الثلاثينية ام مهند معاناتها مع صغارها الذين اجبروا على تغيير زملاءهم بالمدرسة وابناء الجوار بعد ان نقلت مكان سكناها من الزرقاء الى طبربور مضيفة انها لم تفلح حتى الان « رغم مرور اكثر من عام على رحيلها « باقناع اطفالها « بالجيرة الجديدة واصحاب المدرسة « مستدركة ..بان الوقت ربما كفيل بذلك .
ومن المعروف ان « التعلق « بالاخرين وبالاشياء مستمد من « الالفة والعشرة الجميلة « الامر الذي يؤثر على « المتعلقين « سلبا فيما لو فقدوا ما يزرع فيهم الفرح والحب وفقا لرئيس قسم علم النفس في كلية الاداب في الجامعة الاردنية الدكتور محمد بني يونس الذي يشير الى ان حالة الطفل راغب معللة في علم النفس .
.اذ يؤثر الفقدان بحسب دراسات الى تدهور الوضع الصحي للاشخاص « الفاقدين « وخاصة « صغار السن « كما يؤدي الى الانطواء المؤقت والغضب والبكاء بحسب الدكتور بني يونس.
ومن الممكن مساعدة الاطفال الذين « فقدوا اشياءا « عبر التدرج في منحهم بدائل سليمة لشغر الوقت وفقا له وذلك من خلال التقرب اليهم و»خاصة قبل النوم « والحديث معهم حول مختلف المسائل التي تثير اهتماماتهم وكذلك تعويدهم على ان « الحياة تشبه في تبايناتها القطار الذي لابد ان يترجل منه المسافرون محطة بعد اخرى», وهكذا .
ويضيف الدكتور بني يونس : لابد من دفع الاطفال الى توسيع دائرة صداقاتهم واختيارهم ومساعدتهم على اختياراصحاب يتشابهون معهم في الاهتمامات منوها الى ان الاطفال وخاصة ابتداء من سن العاشرة يميلون الى التعلق والارتباط بالاخرين والاصدقاء على اسس مشتركة .