حوار : عصام قضماني - الفوسفات .. المعدن والشركة ، غادرا مربع الخسارة الى الربح بعد الخصخصة , وبينما كان المعدن يسترجع بريقه ، كانت التساؤلات تستيقظ أو يتم إيقاظها من جديد في مخاض لم يتوقف فقط عند جزئية خصخصة « الفوسفات « بل أتى على برنامج الخصخصة ككل , لكن الفرق في الفوسفات وفي الشركات التي أحرزت نجاحات لافتة لم تحققها بينما كانت بيد القطاع العام إدارة وملكية هو أن التساؤلات أو الإنتقادات قبل الخصخصة كانت مدفوعة من رحم الخسائر والترهل الإداري وغيره من الأسباب التي ستحتاج الى دراسة موضوعية , وربما تحقيق بأثر رجعي يطال ملفات تلك الخسائر وسوء الإدارة إبان كانت تحت مظلة القطاع العام , فالأصل أن يتم التحقق في الشركات عندما تعاني الخسائر والهدر وليس العكس !!, الفرق هنا هو أن هذه الإنتقادات والحديث عن الفساد جاء بعد الخصخصة مدفوعا بالتحولات الإيجابية التي شهدتها هذه الشركات ومنها الفوسفات « ما لفت الانتباه اليها ودفعها الى منتصف دائرة الضوء وهنا بيت القصيد !.
قبل الخوض في التفاصيل التي رافقت خصخصة شركة الفوسفات , بدءا بالعروض ومرورا بالسعر , وإنتهاء بنهضة الشركة في مرحلة ما بعد إنتقال الإدارة الى القطاع الخاص وسر النجاح وأوضاع الموظفين وصولا الى إستفسار دفعت به هيئة مكافحة الفساد حول عطاء التعدين , وهو الموضوع الأكثر سخونة اليوم , قال رئيس مجلس الإدارة وليد الكردي « فوجئنا بما ورد من تصريحات نسبت الى رئيس هيئة مكافحة الفساد , ما دفعنا الى المبادرة لسؤال الهيئة عن هذه التصريحات وقد تلقينا الإجابة ومفادها أن الموضوع لا يعدو كونه حديثا عن شكوى وردت الى الهيئة وأن الهيئة ستقوم بدورها بتحويل هذه الشكوى الينا للإجابة وقد فعلنا « .. ويضيف الكردي , أن شركة الفوسفات تدعم دور الهيئة وستتعاون معها الى أبعد حد , وقد إتصلنا فعلا بالهيئة للحصول على الإستفسار الذي لم يردنا حتى اللحظة , وفي حال وروده ستكون الإجابة واضحة وشفافة , فليس لدينا ما نخفيه في هذه المسألة وفي غيرها .
قبل أن تقفل عامها الأول شركة خاصة اجتازت الفوسفات عنق الزجاجة , فهل الخصخصة هي السبب ؟ ,, الإجابة تبدو نعم عندما نرى كيف أن الإدارة أعادت تنظيم العمل ما أعطى الثمار سريعا وكيف أن سرعة اتخاذ القرار عززت الإصلاحات ودفعت بالإنتاج وكيف أن تطوير الخطط وجعلها إنتاجية نوعت الإنتاج وكل ما جرى لم يخرج من العمالة عامل واحد خارج إطار الأسباب التقليدية بل على العكس من ذلك فستحتاج الشركة إلى استيعاب هذا العبء في مشاريعها الجديدة وربما تحتاج للمزيد , ومن رحم الخسائر بدأت توسعا مدروسا في مشاريع الصناعات التحويلية والتي هي مستقبل صناعة الفوسفات في وسط إقليم وسوق دولي منافس .
وفي معرض إجابته عن أسئلة وجهتها « الرأي » خلال هذا الحوار , أكد الكردي أن ثمة حقائق لا يتم الإلتفات اليها أثناء الحديث حول ملف الخصخصة عموما وعن الفوسفات خصوصا :-
- ما هي هذه الحقائق ؟
- أما الحقيقة الأولى فهي أن خام الفوسفات هو ملك للمملكة , بمعنى أنه لم يخصخص , اما الحقيقة الثانية فهي أن الفوسفات ما هي الا شركة تعدين , حالها حال شركات تعدين قائمة لإستغلال معادن أخرى وشركات قد تنشأ مستقبلا لإستغلال ذات الخام غير المملوك للشركة , أما الحقيقة الثالثة فهي أن الخصخصة طالت المكاتب والمجمع الصناعي , وما هو غير معروف للناس هو أن الأراضي التي تحتضن هذه المنشآت هي مستأجرة .
لكن الحقيقة الأهم هي أن الحكومة لا تزال موجودة في الشركة بحصص لا بأس بها , وهي تكاد تكون حصص أغلبية في حال ضمت اليها ملكية مؤسسة الضمان الإجتماعي المملوكة من الشعب الأردني ( 26% حكومة ? 16% ضمان ) .
- نفهم أنك تعني بشكل أو بآخر أن الخصخصة تعلقت بالإدارة أكثر مما مست جوهريا الملكية ؟.
- هناك ثلاثة عناصر أساسية تحققت في صفقة الفوسفات وهو الاهم في شأن العملية التي ووجهت بأراء متباينة التفتت للسعر من دون أن تتنبه لمعادلات لاتقل أهمية عن موضوع السعر .
ومع أن مسألة تحديد السعر ( وهو ما سنأتي اليه بالتفصيل) بنيت على أساس دراسات مالية قامت بها شركات عالمية متخصصة ومحايدة أخذت بالاعتبار المسائل الفنية مثل توقعات الانتاج والتدفقات النقدية والكلف وافاق التطوير والقدرة على بلوغة في مقابل الامكانات المتاحة الا أن من يفوز في نهاية المطاف هو صاحب أعلى عرض مع هامش تفاوضي لتحسين السعر والشروط .
العناصر الثلاثة التي تحققت لا يجب أن تغفل خصوصا اذا تعلق الامر بالعاملين وهو العنصر الاول في الصفقة والذين حصلوا على حق عدم المساس بحقوقهم , بل على العكس ففي الفوسفات إتسع هامش التوظيف فإنضم نحو (546) موظفاً جديدا بدلا من الخيار السهل المدعوم بتوصية المستشار المالي بالإستغناء عن أكثر من ألفي موظف لتحسين شروط الصفقة , وبدلا من إغلاق منجمي الحسا والوادي الابيض لارتفاع تكلفة الانتاج ولنضوب الخامات وأيضا في سياق تحسين شروط الصفقة , عززت الإدارة الجديدة المنجمين في إطار خطة تطوير بالرغم من العراقيل الا أنها مكنت المنجمين من البقاء .
ومجددا يمكن القول أن الخصخصة في نموذج الفوسفات طالت الإدارة , فبالإضافة الى توزيع حصص الملكية كتأكيد على ذلك ( 26% حكومة و 16% ضمان و11% حصص فردية عامة و10% لدولة الكويت و37% لبروناي ) لا ينيغي إغفال حقيقة أن الخصخصة لم تشمل المعدن فالخام هو ملكية الدولة التي تمنح حق إستغلاله وتعدينه لمن تشاء , كما أن ملكية الشركة للأراضي والمنشآت محدودة للغاية إذا أن معظم مواقع الشركة مستأجرة .
- قلت أن من شروط تحسين الصفقة بحسب المستشار المالي هو الإستغناء عن نحو ألفي موظف وهو ما ورد في سياق عرض منافس إشترط ذلك قبل أن يدخل في المنافسة , لكنكم لم تفعلوا ذلك ؟.
- بدلا من ذلك سعينا الى إعادة تأهيل القوى العاملة وهو ربما كان ولا زال التحدي الأصعب من أجل عودة الشركة لتقف مجددا على قدميها لا يعني نهاية المشاكل فالطريق لم تزل طويلة ووعرة والتحديات أكبر وأعظم , وخلافا لما هو سائد فصناعة الفوسفات ليست « ترابا » ففيها ما هو أبعد من ذلك بكثير مثل النوعية والتطوير والتسويق والتصدير , وتنويع المنتج سيما وأن ما بقي في المناجم كما تؤكد الدراسات ما هو إلا نوعية ضعيفة الجودة , كما أن الحقيقة الصعبة هي ما بات معروفا من أن الشيدية ومصنع الأسمدة وهما رافعتا الشركة فالحسا والأبيض قد شارفا على النضوب والرصيفة متوقف منذ أمد , هذه الحقائق لم تكن معروفة فيما مضى لكنها اليوم تحد حقيقي في رحلة البحث عن البدائل .
ففي مرحلة التحول توجهنا الى رعاية العمالة لكن بطريقة التأهيل والتدريب والتشغيل ,, والانتماء وينتقي القيادات في الميدان على أساس الخبرة والعطاء والإنتاجية , ديدنه الإنتاج ويتطلع لمضاعفة الربح ..
- مرة أخرى .. قلت أن الخصخصة لم تطل الملكية كما هو شائع , هل تلقي الضوء على ذلك ؟
- خام الفوسفات هو ملك للدولة استنادا لقانون المصادر الطبيعية ولا يوجد لشركة الفوسفات حق ملكية عليه ومن هنا فإن الشركة تعمل بموجب حقوق تعدين وبالعودة الى مراحل الخصخصة فقد تم في عام 2006 بيع جزء من اسهم الحكومة في الشركة ولم يتم بيع خام الفوسفات بحد ذاته فلا تزال كل من الحكومة ومؤسسة الضمان الاجتماعي تملك ما يزيد عن 42% من رأس مال شركة الفوسفات.
- ماذا عن تفاصيل العروض , خصوصا وأن الحديث الدائر اليوم هو أن البيع تم بسعر غير عادل بمعنى أنه لم يعكس قيمة الشركة ؟.
- كان افضل سعر حصلت عليه الحكومة من المستثمر المنافس (45ر2) دولارا ولكنه كان مشروطاً باغلاق منجمي الحسا الوادي الابيض ولاحقا اعتذرت الشركة المنافسة عن استكمال الشراء.
فتقدمت بروناي بعرض شراء السهم بسعر (00ر4) دولار ولم يتعد تقييم السعر العادل للسهم من قبل مستشار الحكومة المالي HSBC باستخدام اساليب التقييم المختلفة عن (83ر3) دولار للسهم الواحد.
وفي الأثناء كان سعر تداول السهم في سوق عمان المالي عند بداية المفاوضات مع بروناي (نهاية شهر ايلول لعام 2004):(23ر2) دينار او ما يعادل (30ر3) دولار حسب ما نشر في الجريدة الرسمية ولم يكن سرا حسب إدعاء البعض .
وللتذكير فقد بلغ صافي حقوق الملكية للشركة كما في نهاية 2005 ما مقداره 139 مليون دينار أي ان القيمة الدفترية للسهم الواحد اثناء مرحلة التخاصية الشركة بلغت (863ر1) دينار/سهم.
قبل الخوض أكثر في مسألة السعر لا بد من عرض واقعي لأوضاع الشركة , وهو عرض ليس نحن من وضعه بل هي دراسات موجودة فمثلا كان المجمع الصناعي التابع للشركة بحالة فنية سيئة ويحتاج الى اعادة التأهيل والتجديد الفوري وكانت معظم آليات الشركة ومعداتها متهالكة وبحاجة الى التجديد والتحديث وقد بلغت تكلفة اعادة تأهيل المجمع وآليات الشركة ومعداتها لغايات ادامتها ما يقارب 250 مليون دينار اردني.
كما أن هناك حقائق لا يلتفت اليها أحد في سياق عملية الخصخصة , إذ لا أحد يعرف مثلا أن لا ملكية للشركة على اراضي المناجم او اراضي المجمع الصناعي بل هي اراض مستأجرة.
كما لم تكن الاراضي المقامة عليها المدينة السكنية في الحسا والمدينة السكنية في معان ملكا للفوسفات وقد قامت الشركة بعد التخاصية بشرائها.
وكان عدد موظفي الشركة وعامليها عند تخاصيتها ما يزيد عن 4300 موظف بالرغم من ان المستشار المالي اوصى للحكومة بتقليص حجم العمالة بواقع 2000 موظف قبل التخاصية لغاية الحصول على سعر افضل كما اوصى باغلاق منجمي الحسا والوادي الابيض لارتفاع تكلفة الانتاج ولنضوب الخامات القريبة منها.
لم نفعل بما اوصى به المستشار المالي فلم تقم ادارة الشركة الجديدة بتسريح أي من موظفي الشركة بعد التخاصية ولم تقم باغلاق منجمي الحسا والوادي الابيض بل على العكس بلغ مجموع التعيينات بعد التخاصية ما يقارب (546) موظفاً كما تم بعد الخصخصة تحسين وزيادة امتيازات الموظفين وكانت الشركة رائدة في منح الموظفين راتب الخامس عشر وراتب السادس عشر ما قاد الى تضاعف معدل الدخل الشهري للموظف الذي يبلغ حالياً (1158) ديناراً.
كما قامت الشركة بتسوية ما مجموعه 1137 قضية من قضايا التقاعد المبكر ولم يقم المستثمر بمطالبة الحكومة بها بالرغم من وجود حق له بذلك.
- الحديث يتكرر اليوم عن القيمة المضافة لخصخصة الفوسفات , فهناك من يقول أنها لم تكن بالمستوى المطلوب ؟.
- هذا الكلام ليس واقعيا عندما نتحدث عن النتائج فقد بلغ مجموع صافي الارباح التراكمية للشركة بعد تخاصيتها وعلى وجه التحديد خلال الاعوام المالية 2006 وحتى نهاية عام 2010 ما مجموعه (9ر473) مليون دينار كما بلغ مجموع صافي الارباح التراكمية للشركة منذ تأسيسها وحتى نهاية العام المالي عام 2005 ما مجموعه (5ر237) مليون دينار.
و بلغ ما تم توزيعه من ارباح منذ تخاصية الشركة ما نسبته 4ر16% بالمقارنة مع صافي الارباح وان الارباح المحتجزة تستخدم لغايات المشاريع الاستثمارية داخل المملكة والتي يتم تنفيذها حالياً (جافيكو ? جيفكو ? ميناء الفوسفات الجديد ? تطوير الميناء الصناعي ? الاستثمار في قطاع النقل ? تأهيل المجمع الصناعي والالتزام بالمعايير البيئية ? زيادة حصة الشركة وسيطرتها على الشرطات الحليفة) بكلفة تقدر (5ر1) بليون دولار .. هذه الإستثمارات ستؤدي الى خلق فرص عمل جديدة.
الحقيقة الأهم هي أن زيادة ارباح الشركة انعكس ايجابياً على عائدات الخزينة، اذ بلغ مجموع العائدات المباشرة على خزينة الدولة من شركة الفوسفات خلال الفترة 2006-2010 ما يقارب (364) مليون دينار مقابل 2ر208 مليون دينار للأربع سنوات قبل الخصخصة عدا ارباح الضمان وبعملية حسابية بسيطة فإن الحكومة التي تمتلك 26% قد حصلت على عائدات أكثر بكثير مما حصلت عليه قبل الخصخصة ..
جدير بالذكر أيضا هو أن صافي حقوق الملكية للشركة كما في نهاية 2010 بلغ ما مقداره 6ر537 مليون دينار أي ان القيمة الدفترية للسهم الواحد حالياً يبلغ (168ر7) دينار / سهم.
كما بلغ مجموع توزيعات الارباح خلال السنوات الخمس الماضية للمستثمر ما يساوي 75ر27 مليون دينار أي بعائد استثمار سنوي يعادل 7% وهي ذات النسبة التي قد يحصل عليها من البنوك.
- ربما تكون أسعار الفوسفات في عام الذروة سببا في الإعتقاد بأن الخصخصة أذهبت على الخزينة فرصا ثمينة , ما مدى صحة ذلك ؟.
قبل أن أجيب عن هذا السؤال ينبغي أن نعرف أن الأسواق العالمية ، باتت تفضل المنتج المتخصص أو النوعي من الأسمدة ، ولعل تيقن شركة الفوسفات من أن المنتج الخام انما الاستمرار به دون تطوير سيقلل من قدرة الشركة على مواجهة منافسة تزداد سخونة ، فالأردن ليس وحيدا في السوق ، التي بات المنتجون فيها يتنافسون على امتلاك التكنولوجيا في سباق محموم على أسواق لم تعد تقليدية أو مضمونة لأحد .
صحيح أن لعبة الطلب العالمي وصعود الأسعار اللافت ، لفت الانتباه ومن ذلك زيادة الأرباح التي تحققت لها ، لكن ذلك ما كان الا طفرة ، البناء عليها ليس صحيا فالمنافسة العالمية هي من أهم التحديات، وعلينا أن نعرف أن أسعار الماضي ولت إلى غير رجعة، ولمواجهة تحدي المنافسة نتجه الى المشاريع التحويلية في المناجم لتجاوز محدودية تصدير خام الفوسفات لكن الأهم هو أن تنفيذ هذه المشاريع يتم بالشراكة مع الأسواق التقليدية للمنتجات ، ما يعني أن الفوسفات ستحصل بموجب هذه الشراكات على تكنولوجيا التطوير والمعرفة كما أنها ستضمن أسواقا تقليدية لتصريف منتجاتها ..في أسواق تتنافس فيها 37 دولة مصدرة للفوسفات حول العالم .
ومن المهم أن نذكر هنا هو أن شركة معادن السعودية ستبدأ انتاجها مع نهاية الربع الثاني من عام 2011 وسيصل انتاجها من الاسمدة الى 4 ملايين طن كما يعد مشروع شركة معان مشروعاً متكاملاً لانتاج الفوسفات والاسمدة الفوسفاتية ومدعوماً من الحكومة السعودية بكلفة اقل في الطاقة والايدي العاملة مقارنة مع 600 الف طن من انتاج الاردن .
كما تعتزم مصر زيادة انتاجها ليصل الى 1ر3 مليون طن مع بداية عام 2012 وسيصل انتاجها في عام 2015 الى 7ر4 مليون طن.