البديع وتحسين الكلام

البديع وتحسين الكلام

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 25-2-2011
No Image
البديع وتحسين الكلام

سلطان الزغول

إذا كانت الجملة وحدة نحوية، فإنّ النصّ وحدة دلالية لها معنى في سياق. وهي وحدة تتجسّد عبر جمل، ولا يوجد حدّ أعلى لطول النصّ الذي قد يكون كتابا كاملا، مثل الرواية، وقد يكون جملة قصيرة: "اليوم خمر، وغدا أمر".
ويعرّف شميث النصّ بقوله: "هو كل تكوين لغوي منطوق من حدث اتصالي، محدد من جهة المضمون، ويؤدي وظيفة اتصالية". ويؤكد د.جميل عبد المجيد في كتابه "البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية"، أن اللسانيين قد بدأوا ينتبهون في النصف الثاني من القرن العشرين إلى أهمية تجاوز الدراسة اللغوية مستوى الجملة إلى مستوى النص، والربط بين اللغة والموقف الاجتماعي. وهو ما صار يُعرف باللسانيات النصية التي تنظر إلى موقع الجملة في سياقها النصّي من جهة، وترى أنّ اللغة وسيلة اتصال يستخدمها أفراد المجتمع من جهة أخرى. ويمكِّننا نحو النصّ من تشخيص العلاقات ما وراء الجملة: بين الجمل والفقرات والنص بتمامه على المستوى المعجمي والنحوي والدلالي. 
استقرّ الأمر منذ مرحلة تقعيد البلاغة العربية في القرن السابع الهجري، على أنّ وظيفة البديع هي التحسين. وأنّ هذا التحسين قد يكون في اللفظ، وقد يكون في المعنى. والأول هو المحسنات اللفظية، أما الثاني فهو المحسنات المعنوية. وقد رأت اللسانيات النصية أنّ صفة النص الأساسية هي الاطّراد، وتعني التواصل والتتابع والترابط بين الأجزاء المكونة للنص. أما المعيار المختص برصد هذه الاستمرارية وتجسيدها فهو السبك الذي يؤدي دورا خاصا في خلق النصّ. يقول الجاحظ: "أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فيعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا جيدا، وسُبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري على الدهان".
بعد قراءة متمعنة للنقد العربي التراثي صاغ د.تمام حسان ما فهمه حول مصطلح السبك في قوله: "السبك إحكام علاقات الأجزاء، ووسيلة ذلك إحسان استعمال المناسبة المعجمية من جهة، وقرينة الربط النحوي من جهة أخرى، واستصحاب الرتب النحوية إلا حين تدعو دواعي الاختيار الأسلوبي، ورعاية الاختصاص والافتقار في ترتيب الجمل".
هذا الرأي يكاد يتطابق معناه مع ما قاله هاليداي ورقية حسن وغيرهما من انقسام السبك إلى نوعين: معجمي، ونحوي. ويتحقق السبك المعجمي بين المفردات أو الألفاظ عبر ظاهرتين لغويتين هما التكرار والمصاحبة المعجمية. والمقصود بالتكرار هنا تكرار لفظتين مرجعهما واحد، أما المصاحبة المعجمية فهي ارتباط كلمة ما بكلمات أخرى معينة. كما يتحقق السبك النحوي عبر وسائل أو ظواهر لغوية، منها التكرار على مستوى التركيب النحوي والمستوى الصوتي. ويشكل تكرار البنية النحوية التوازيَ النحويَّ الذي يعدّ ضربا من ضروب ظاهرة التوازي التي يعني وجودها الوظيفة الشعرية. وينتج عن التوازي النحوي أعلى درجات التوازي الصوتي الذي يكون على مستوى التركيب، وهو توازٍ صوتي عروضي حين يكون في الشعر. ولعلنا نلمس في التراث النقدي البلاغي عند العرب ما يشير إلى دور هذه الأشكال الصوتية في إحداث السبك، سواء في المصطلحات التي اتخذتها هذه الأشكال، أو في إيراد بعض البلاغيين العرب لها.
لقد وظّفت اللسانيات النصية كثيرا من العلاقات التي تربط بين المفاهيم، من خلال توسيع نطاقها في الكشف عن الحبك بين الجمل والفقرات، والنص بتمامه. والحبك معيار يختص بالاستمرارية المتحققة في عالم النص، ونعني بها الاستمرارية الدلالية التي تتجلى في منظومة المفاهيم والعلاقات الرابطة بين هذه المفاهيم. وتشتمل العلاقات الإضافية المتكافئة على تعبيرين متماثلين تماما، مثل: "هو لم يمكث/ هو غادر".
فهذان تعبيران يقولان شيئا واحدا في أشكال سطحية مختلفة. أما العلاقة الإضافية المختلفة فهي أكثر تعقيدا، فقد تتضمن بنيات متوازية، وهي تدخل في ما يعرف بالوصل. وفي العلاقات الثنائية درجة من التفاعل المتبادل، أو التداخل، فهي تربط طرفين أو موقفين أو حدثين أحدهما بديل للآخر. لكن العلاقات التقابلية تربط طرفين أو موقفين أو حدثين متقابلين. في حين تقارن علاقات المقارنة بين طرفين أو موقفين أو حدثين. وتشتمل علاقات المحتوى المؤهلة على ما يمكن تصنيفه بوصفه مكملات الخبر. وتعني علاقة التعميم/التخصيص، أو الإجمال/التفصيل إيراد معنى على سبيل الإجمال، ثم تفصيله أو تفسيره أو تخصيصه.
تتجلى العلاقات الدلالية المشار إليها في كثير من فنون البديع. فعلاقة الإضافة المتكافئة تتجلى في التكرار المعنوي، حين يكون على مستوى الجمل، وذلك مثل قولنا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وكذلك الأمر حين يقع التكرار المعنوي على مستوى الأبيات. وقد يضاف إلى التكافؤ الدلالي المتحقق عبر تكرار المعنى تكافؤ لفظي وتركيبي حين تعاد الجملة لفظا ومعنى، كما في قوله تعالى: "فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدّر". أما علاقة الإضافة المختلفة فتتجلى في ضرب من ضروب المقابلة عن طريق ما يمكن تسميته توازي الأفعال. وفي ما يتصل بالعلاقات الثنائية نجد علاقة الإبدالية تتجلى في فن تجاهل العارف، حيث يتم الربط بين طرفين أحدهما ?إيهاما- بديل للآخر. وتتجلى علاقة التقابل في فن المقابلة، ففيها يؤتى بمعنيين متوافقين أو معان متوافقة، ثم بما يقابلهما أو يقابلها على الترتيب.
عدّ حازم القرطاجني المقابلة من وجوه التقارن بين المعاني، وقد يتجاوز امتداد التقابل ما يزيد على جملة أو أكثر، وقد يصل هذا التجاوز إلى حدّ كون نصّ بتمامه طرفا من طرفي المقابلة، ونص آخر هو الطرف المقابل له، كما هي الحال بين سورتي الماعون والكوثر اللتين عدّهما بعض الدارسين متقابلتين. كما تتجلى علاقة التقابل في العكس والتبديل، حين يقع بين متعلقي فعلين في جملتين، كقوله تعالى: "يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي"، وكذلك حين يقع بين لفظين في طرفي جملتين، كقوله تعالى: "هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ".
أما علاقة المقارنة فتتجلى في فن التفريق، لأنه يقوم على إبراز أوجه المفارقة بين أمرين. ومن علاقات التبعية علاقة التعميم/التخصيص، أو الإجمال/التفصيل، وهي علاقة تتجلى في فن التفسير الذي يشرح ما ابتدئ به مجملا. ويقترب من التفسير فن التقسيم، لأنه يقوم على ذكر متعدد. وقد يجتمع مع التقسيم الجمع، فيكون فن الجمع مع التقسيم، وهو جمع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه، أو تقسيمه ثم جمعه. وكما يجتمع الجمع مع التقسيم فإنه قد يجتمع مع التفريق فيكون فن الجمع مع التفريق، كما قد يجتمع معهما معا فيكون فن الجمع مع التقسيم والتفريق، ومن ثم تكون العلاقة الدلالية ثلاثية: علاقة إضافة، وعلاقة إجمال/تفصيل، وعلاقة مقارنة، وغني عن البيان أن تعدد العلاقات الدلالية وتنوعها يزيد من درجة الحبك.
تتجلى العلاقات المنطقية في المذهب الكلامي، وتتجلى هذه العلاقات في الشعر عبر فن المزاوجة، حيث يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء. فهي تطرح شرطين ثانيهما ناتج عن الأول، ويترتب عليهما جوابان ثانيهما ناتج عن الأول أو متعلق به، ومن ثم تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتدّ ارتباط ثان منها بأول. وحين يستخدم الشاعر المزاوجة فإنه يستخدمها في تصوير موقف أو لحظة شعورية. وتتجلى العلاقات المنطقية بأنماطها المختلفة، لكن منطق الشعر في فن التعليل الذي يقدم علة تخييلية. وعلاقة التعليل الشعري كبقية العلاقات الدلالية، قابلة لأن تتجاوز مستوى البيت إلى المقطع وإلى النص بتمامه.
ومن البديع المعنوي فنون يمكن أن تدرج في إطار علاقة التناسب، وتعني التناسب بين معاني جمل لا مفردات. وكانت مراعاة التناسب بين شطرَي البيت مثار جدل ونقاش في النقد العربي القديم. أما علاقة الاستطراد فتعني الانتقال من معنى إلى آخر، أو من موضوع إلى آخر، فتارة يذكر المعنى الأول، ولم يقصد من ورائه المعنى الثاني، وتارة يذكر الأول ليتوصل إلى ذكر المعنى الثاني. وتغدو هذه الفنون بحكم ما فيها من علاقات دلالية مؤهلة للإسهام في الحبك. كما أن مصطلح "المناسبة" يعبّر عن دور بعض فنون البديع في السبك والحبك. وفي إطار علم المناسبة في الدراسات القرآنية ?وهو علم ذو فائدة في جعل أجزاء الكلام مرتبطة بعضها ببعض، ما يقوي الارتباط ويجعل التأليف بناء محكما متلاحم الأجزاء- في إطاره ترد المقابلة، والاستطراد، والتخلص، والجمع والتقسيم.
ولعل في تعريف علم البديع عند الجرجاني إشارة إلى دور هذا العلم في دراسة التناسب بين أجزاء الكلام، حيث يقول: "علم البديع علم يعرف منه وجوه تحسين الكلام، باعتبار نسبة بعض أجزائه إلى بعض بغير الإسناد والتعليق مع رعاية أسباب البلاغة". ولعل الدراسات التطبيقية تؤكد دور البديع في السبك والحبك.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }